تجمع مدينة الموقر بين عراقة الإرث الأموي والعثماني ، وأصالة الامتداد العشائري لبادية عمان ، ونهضتها التنموية والصناعية المعاصرة .
الموقر : درة البادية وعروس الهاشميين في تاريخ الأردن
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تقف بادية العاصمة الأردنية عمان شاهداً حياً على تمازج الجغرافيا بالذاكرة التاريخية ، حيث تختزن قراها وبلداتها الكبرى حكايات مجد أثيل عبَرته الحضارات والقوافل عبر العصور . وفي قلب هذه البادية الجنوبية الشرقية ، تتجلى مدينة الموقر كواحدة من أبهى الحواضر التاريخية والإدارية التي تجمع في نسيجها الفريد بين أصالة الإرث الأموي والأثري القديم ، وعمق التوثيق التاريخي في السجلات العثمانية ، وحيوية الامتداد العشائري والعمراني الحديث ، لتبصم بحضورها الضارب في عمق التاريخ والوجدان الوطني الأردني .
الموقع والتبعية الإدارية : المركز والامتداد الجغرافي :
تعتبر الموقر الحاضرة الرئيسية والقلب النابض لبادية العاصمة ، وتتضح مكانتها الإدارية والجغرافية من خلال النقاط التالية :
لواء الموقر : تم استحداث اللواء رسمياً بتاريخ ( 1 / 1 / 1996 م ) ، وهو المظلة الإدارية الكبرى التي تمتد في الجزء الجنوبي الشرقي من محافظة العاصمة عمان على بعد حوالي ( 30 - 40 ) كيلومتراً عن وسط العاصمة ، وتُعد ( مدينة الموقر ) مركز اللواء والمقر الإداري الرئيسي له . تبلغ مساحة منطقة الموقر ( 287.094 ) كيلومتراً مربعاً ( بينما تبلغ مساحة بلدية لواء الموقر حوالي 250 كيلومتراً مربعاً ) ، وتتكون من أربعة أحياء وتجمعات سكنية رئيسية تضم عدداً من القرى والبلدات الأردنية الأصيلة ( مثل الموقر ، والنقيرة ، والفيصلية ، ومغاير مهنا ، والذهيبة الشرقية والغربية ، وغيرها ) .
الحدود الجغرافية والتنظيمية : يحد منطقة الموقر من الغرب منطقتا سحاب والجويدة ( وخريبة السوق وخربة الزبارة ومغائر مهنا وقُعفور وجاوا ) ، ومن الشمال محافظة الزرقاء ، ومن الشرق قضاء الأزرق ، ومن الجنوب لواء الجيزة وزملة العليا .
الأهمية الاستراتيجية وشبكة الطرق : تُعد الموقر معبراً حدودياً برياً ونقطة وصل حيوية وقديماً كانت محطة استراحة وإدارة على طرق القوافل التاريخية بين عمان والأزرق وطريق الحج الشامي ، كما أنها تربط الأردن بدول الخليج العربي والمملكة العربية السعودية والعراق عبر المحاور المرورية الدولية الاستراتيجية مثل ( شارع عمان التنموي / شارع المية ) و ( طريق عمان - بغداد الدولي ) ، ويبعد مركزها زهاء ( 24 ) كيلومتراً عن مدينة عبد الله الثاني الصناعية في سحاب .
التقسيمات الإدارية : يتبع للواء الموقر عدد من الأقضية والقرى التجمعية الكبيرة ، وعلى رأسها ( قضاء رجم الشامي ) الذي تم استحداثه بتاريخ ( 1 / 1 / 2001 م ) ، بالإضافة إلى قضاء أم الرصاص والتجمعات العشائرية المحيطة .
جذور التسمية وأعلام المنطقة : بين المعجم والنسبة العلمية :
يحمل اسم ( الموقر ) دلالات لغوية وتاريخية سامية تعكس مكانة المنطقة وقيمتها عبر التاريخ ، وتتضح في الجوانب التالية :
المدلول اللغوي للتسمية ( التوقير والتبجيل والمنعة ) : سُمّيت منطقة الموقر بهذا الاسم نسبةً إلى القصور الأثرية والحصون المنيعة الموجودة فيها ، وخاصة قصر الموقر الذي كان يُعرف قديمًا بـ ( الموقر ) ، أي المكان المحصّن أو المنيع . كما يُشتق الاسم لغوياً من الجذر ( وَقَرَ ) الذي يفيد الثبات والاستقرار والتوقير والتبجيل ، فـ " الموقر " هو المكان المعظم والمحترم ذو الرفعة والهيبة والوقار . وقد ارتبط هذا الاسم بموقعها الجغرافي والاستراتيجي المشرف في العهد الأموي كمركز استقرار وقصور صيد والاستراحة للخلفاء ، فصارت " الموقر " علماً على الرغد والمنعة والرفعة والتبجيل في البادية الأردنية .
تسكن الموقر عبر التاريخ عشائر أردنية عريقة ضاربة الجذور في البادية الأردنية ، وفي مقدمتها عشائر بني صخر الأبية ( مثل الخريشة ، والعرابيد ، والجبور ، والقضاة ، وغيرها ) . ولم يقتصر حضور الموقر الحضاري على المعالم العمرانية والعسكرية فحسب ، بل ارتبطت أيضاً بسيرة كوكبة من الأعلام والرجال ممن عُرفوا تاريخياً وبأبرز من حَملوا لقب " الموقري " :
1 ) الأعلام في العصر الأموي :
ارتبط اسم الموقر في كتب التاريخ بجمال بنائها وجلال قصورها ، وكان في مقدمة من نُسب إليها :
الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك ( وهشام بن عبد الملك ) : ورغم أنه خليفة ، إلا أن اسمه ارتبط بالموقر ارتباطاً وثيقاً ، حيث بنى فيها قصر الموقر الشهير وقضى في كنفها أوقاتاً طوالاً ، وشهدت مجالسها نزول شعراء القصور ونظم القصائد التي وثقت مكانتها كمنارة أدبية في قلب البادية .
2 ) " الموقري " في كتب التراجم والطبقات :
في العصور الإسلامية الوسطى ، ظهر لقب ( الموقري ) كنسبة جغرافية وثقافية في كتب التراجم والسير لعدد من الرواة والمحدثين والزهاد ممن مروا أو استقروا في هذه المنطقة المباركة التي وقعت على طريق الحج الشامي ودروب التجار والعبّاد ، فكان منهم من يتعبد في جنبات القصور الصحراوية أو مع القوافل السيارة ، مما يوثق الثراء الثقافي والديني لهذه البقعة من أرض الأردن .
الآثار والمعالم الحضارية : شواهد من العصر الأموي :
تتميز مدينة الموقر بغناها الأثري وتاريخها المعماري الفريد ، ومن أهم معالمها الحضارية :
قصر الموقر الأموي والبركة : يُعد قصر الموقّر قصراً صحراوياً تاريخياً بارزاً ، يقع ببلدة الموقر في محافظة العاصمة وسط الأردن . تم بناؤه في العصر الأموي ، وتحديداً في عهد الخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك ( الذي حكم بين عامي 720 و 724 م ) ، ويُوثّق تاريخ إنشائه بدقة من خلال كتابة منقوشة بالخط الكوفي مؤرخة بعام ( 104 هـ / 723 م ) تحمل اسم الخليفة يزيد بن عبد الملك على تاج مقياس ارتفاع الماء في بركة القصر ، وهو التاج الشهير المحفوظ حالياً في متحف الآثار الأردني بالقلعة ( المنقوش بأوراق الأقنثوس والرموز الكوفية التي تشير إلى مستوى ارتفاع مياه يزيد عن 10 أمتار ) ، والذي يدل على أن " التدوين والتوثيق والإعلام " في الموقر بدأ منذ أكثر من ( 1300 ) عام . يقع القصر على قمة جبل الموقر الذي يبلغ ارتفاعه ( 910 ) أمتار عن سطح البحر . استُعملت في بنائه سلسلة من المدرجات طولها ( 65 ) متراً وعرضها ( 39 ) متراً وسمك الجدار تقريباً ( 1.15 ) متراً ، كما تحيط به أربعة أبراج ( اثنان مربعان واثنان نصف دائريين ) ، وكان للقصر قباب نصف برميلية على شاكلة قباب القصور الأموية القريبة ( مثل قصر الطوبة وعمرة والمشتى ) . ورغم قيمته التاريخية والأثرية العالية ، يُعاني القصر للأسف من إهمال رسمي وشعبي لا يحتمل ، مما يتطلب وقفة جادة وعاجلة لترميمه وصيانته وحماية إرثه الحضاري من الاندثار .
قصر الحرانة : هو قصر أموي يقع في الصحراء الأردنية على محاذاة الطريق الدولي المتجه إلى الأزرق وعلى بعد ( 65 ) كم شرق عمان ، ويرتفع ( 659 ) متراً عن سطح البحر . سُمي بقصر الحرانة كونه يقع في وادي الحرانة حيث تتناثر على سطحه آلاف الحجارة الصوانية فوق وجه الأرض والتي يُطلق عليها اسم " الحرة " . شُيّد القصر في عهد الوليد بن عبد الملك سنة ( 92 ) هـ الموافق ( 710 م ) وذلك بدليل وجود كتابة كوفية فوق باب إحدى حجرات طابقه الثاني ، وبعض المؤرخين يعتقد أن القصر بني قبل الأمويين ثم أعاد ترميمه وتمنيعه الأمويون واستفادوا منه أثناء حكمهم .
قصر المشاش : بُني في عهد يزيد الثاني ( 724 - 725 م ) ، ويتكون من ( 13 ) غرفة وساحة مربعة ، وهو محطة استراحة يتكون من طابقين ؛ الأول إسطبلات والثاني للنوم .
المعالم المتنوعة : تشتهر الموقر بعدّة معالم أخرى أهمها النقوش الصخرية و الطرق الرومانية والآثار القديمة التي ترسم ملامح التاريخ العريق للمنطقة .
الموقر في السجلات العثمانية : التوثيق التاريخي وتخوم الأراضي :
شكّلت السجلات والأرشيف العثماني العتيق شاهداً حاسماً على عراقة مسميات البادية الأردنية وثباتها التاريخي أمام الادعاءات المتأخرة؛ فقد وثّق الدفتر الصادر عام ( 1317 هـ / 1899 - 1900 م ) برقم التصنيف ( BEO - Bâb-ı Âlî Evrak Odası ) التابع لسنجق الكرك وقضاء السلط المساحات والتخوم الدقيقة لأراضي الموقر وما حولها كأراضي أميرية ( ميري ) ضمن نطاق طريق الحج الشامي والقصور الصحراوية :
توثيق أراضي الموقر وتخومها : قيّدت مساحة أراضي ( الموقر ) بـ ( 15,000 ) دونم ، وتحدد حدودها الجغرافية التاريخية بدقة بالغة في السجلات الرسمية : قبلة المصطبة ، شرقاً وشمالاً المديسيات ، غرباً زملة العليا . كما أظهرت القيود أراضي القرى المجاورة المرتبطة بها مثل ( زملة العليا ) بمساحة ( 20,000 ) دونم ، و ( المديسيات ) بمساحة ( 10,000 ) دونم ، و ( الخرانة ) بمساحة ( 20,000 ) دونم ، إلى جانب عشرات الخرب والقرى الأردنية الأصيلة التي تثبت الوثائق العثمانية استقرار أسمائها المتوارثة منذ مئات السنين قبل أي فترات متأخرة.
دروب الحج الشامي والنفوذ العشائري : شكلت المنطقة محطة استراتيجية على امتداد محطات طريق الحج الشامي والقصور الصحراوية، وخضعت لنفوذ القبائل العربية الكبرى وفي مقدمتها قبيلة بني صخر الأبية التي حمت القوافل وصانت أمن البادية، وتدرجت إدارياً ضمن ولاية الشام وسنجق الكرك والبلقاء.
إهداء واجهة قصر المشتى ( 1903 م ) : شهدت المنطقة في أواخر العهد العثماني عهد السلطان عبد الحميد الثاني إهداء واجهة قصر المشتى الأثري القريب من الموقر إلى الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني عام ( 1903 م ) ، وهي معروضة اليوم في متحف برجامون ببرلين .
الواقع الحديث والمعاصر : محطات التحول والتطوير :
شهدت أرض الموقر تحولات رئيسية ومحطات مفصلية في التاريخ الأردني الحديث والمعاصر :
الطابع العشائري والمركز العسكري : يتسم سكان المنطقة بالطابع العشائري والقبلي الأصيل . وقد شكلت الموقر منذ بدايات تأسيس الدولة الأردنية ( عام 1921 م ) قلعة صمود وركيزة عسكرية وعشائرية للأردن ، وحظيت باهتمام القيادة الهاشمية المعظمة لكونها مظلة تجمع قبائل البادية وقياداتها الوطنية ، وتضم المنطقة اليوم عدداً من المراكز والمؤسسات العسكرية والأمنية البارزة كقيادة الفرقة المدرعة الثالثة الملكية ومراكز التدريب المتخصصة وسجن الموقر .
التطور الإداري والتعليمي والخدمي : تواصل " بلدية لواء الموقر " تقديم الخدمات التنموية والبنية التحتية وصيانة الشوارع والمرافق العامة ، لتصبح حاضرة تنظيمية متكاملة تخدم كافة قرى ومناطق اللواء . وتقديراً لمكانتها التنموية والتعليمية ، انضمت مدينة الموقر إلى " شبكة اليونسكو العالمية لمدن التعلم " في عام ( 2019 م ) .
النهضة الصناعية والاستثمارية ( مدينة الموقر الصناعية ) : تُعد الموقر اليوم مركزاً استثمارياً واعداً باحتضانها لـ " مدينة الموقر الصناعية " التي تمتد على مساحة ( 2500 ) دونم ، وتوفر بيئة شاملة وحوافز وإعفاءات مجزية للمستثمرين لقربها من المنافذ الحدودية وميناء العقبة والمدن الصناعية الأخرى ، مما جعلها تجمع بين أصالة الطابع العشائري والتراثي وحيوية التنمية الاقتصادية الحديثة .
وهكذا تتجلى مدينة الموقر كنموذج أردني أصيل ينسجم فيه الماضي بشرائطه وشواهده الأثرية الأموية ووثائقه العثمانية مع الحاضر بتطلعاته التنموية والعمرانية . إنها ليست مجرد مركز إداري في جنوب شرق العاصمة ، بل هي سفيرة تاريخية تنبض بالوفاء لأصالة البادية الأردنية ، وتفتح ذراعيها لمستقبل واعد يحفظ الهوية الوطنية الجامعة ويرسخ مكانتها في سفر الوطن الخالد .



قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) الأرشيف العثماني ( استانبول ) : دفتر حصر أراضي وأحواض سنجق الكرك وقضاء السلط ( تصنيف : BEO - Bâb-ı Âlî Evrak Odası ) ، الصادر عام ( 1317 هـ / 1899 - 1900 م ) ، أبحاث وقراءات الباحث أحمد الشيخ حسين الرشدان .
- 2 ) صفحة الباحث أحمد الشيخ حسين الرشدان على الفيسبوك : دراسات وقراءات توثيقية في الدفاتر والوثائق العثمانية العتيقة لشرق الأردن وبادية البلقاء .
- 3 ) صفحة الدكتور محمد عبد الحفيظ المناصير على الفيسبوك : أبحاث ومقالات حول أعلام وعلماء الموقر وتراجم " الموقري " في العصور الإسلامية الوسطى .
- 4 ) المؤسسات الرسمية الأردنية : سجلات وزارة الداخلية الأردنية ( دائرة الشؤون الإدارية والتقسيمات الإقليمية ) ، وبلدية لواء الموقر ، وشركة المدن الصناعية الأردنية .
- 5 ) دائرة الآثار العامة ومتحف الآثار الأردني ( جبل القلعة ) : توثيق تيجان أعمدة قصر الموقر الأموي ومقياس بركة الموقر المكتوب بالخط الكوفي المؤرخ بعام ( 104 هـ / 723 م ) .
- 6 ) الموسوعات والمعاجم التاريخية والجغرافية : كتب التراجم والطبقات الإسلامية ، والمؤلفات الدراسية والتاريخية لمنطقة البادية الأردنية وقصور الصحراء الأموية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.