يُعدّ تل داميا موقعاً أثرياً وتاريخياً هاما ً في وادي الأردن ، حيث شهد استيطاناً بشرياً متعاقباً وعكس إرثاً حضارياً عريقاً عبر مختلف العصور القديمة .
تل داميا : حارس وادي الأردن وشاهد العصور القديمة
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
يُعدّ تل داميا موقعاً أثرياً هاماً يعود للعصور الحديدية ، يقع في وسط وادي الأردن ( الغوّر الأوسط ) ضمن محافظة البلقاء على بعد نحو 500 متر شرق نهر الأردن و قرب التقاء نهري الأردن والزرقاء ليشرف على جسر الأمير محمد ، إذ يمثل واحداً من أبرز التلال الأثرية التي جذبت اهتمام الباحثين وعلماء الآثار نظراً لدوره التاريخي والديني عبر العصور المختلفة .
الموقع الجغرافي والأهمية الاستراتيجية :
- يرتفع التل نحو 17 متراً عن مستوى قاع الوادي ، ويشرف بشكل استراتيجي على المنطقة المحيطة وطرق التجارة والعبور التاريخية التي تربط ضفتي نهر الأردن .
- يُعرف الموقع أيضاً باسم ( تل آدم ) وهو موقع بارز يقع عند جسر الأمير محمد .
- خدم الموقع كمحطة تجارية وقوافل تربط بين ضفتي النهر وشمال الغور بجنوبه .
- تقع بالقرب منه ( حقول دولمنز داميا ) ، وهي معالم حجرية تعود لعصور قدمى ، إلا أن التل نفسه يمثل موقع استقرار بشري مستقل بذاته .
التاريخ والاستيطان البشري :
أثبتت الحفريات الأثرية المنتظمة أن الموقع شهد استيطاناً بشرياً طويلاً ومستمراً نسبياً :
- التعاون مع جامعة اليرموك : يدير البحث الأثري في موقع تل داميا الدكتور لوكاس بيتي ( رئيس قسم المجموعات والبحوث في المتحف الوطني للآثار في ليدن ) والدكتور زيدان كفافي ( أستاذ الآثار في جامعة اليرموك ) ، إذ بدأ مشروع البحث الحالي في عام 2012 م بعد البحث الأولي في عامي 2004 م و 2005 م ، وتؤكد متابعات رئاسة جامعة اليرموك المستمرة ( مثل تفقد الأستاذ الدكتور زيدان كفافي لحفريات الموقع في عام 2018 م ) أهمية هذه الاكتشافات في إبراز الإرث الحضاري للأردن .
- العصور البرونزية والحديدية : يبرز الموقع بشكل رئيسي خلال العصر الحديدي الثاني ( القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد ) ، حيث تم اكتشاف بقايا مبانٍ ضخمة من الطوب الطيني تعرضت لحريق هائل وخربت حوالي عام 700 ق.م .
- الهوية التاريخية : يرجح بعض الباحثين مطابقة تل داميا مع مدينة ( أداما ) التاريخية المذكورة في النصوص القديمة .
أهداف الحفريات الأثرية :
يهدف الفريق من خلال التنقيب إلى إعادة بناء التاريخ المهني للموقع من 1400 إلى 500 قبل الميلاد ، وذلك لشرح سبب اهتمام القوى العظمى مثل آشور ومصر بالتل في تلك الفترة ، ومعرفة كيف تمكنت القرية من البقاء على قيد الحياة لنحو 1000 عام رغم معاناتها من الجفاف والزلازل ، فضلاً عن إضاءة الخلفية التاريخية للمجموعة الأردنية في المتحف الوطني للآثار في ليدن .
تل داميا المقدس :
يجمع معظم علماء الآثار والمؤرخين على أن تل داميا هو نفسه مدينة ( أداما ) أو ( آدم ) التاريخية المذكورة في العهد القديم ، وهو قد يرتبط بقصة سيدنا آدم عليه السلام والإجماع بأنه مكان معجزة انشقاق نهر الأردن لسيدنا يوشع بن نون ، إذ نصت الرواية على أن المياه المتدفقة من الشمال توقفت وتجمعت ( كندّ واحد ) عند مدينة ( آدم ) ( داميا الحالية ) ، ليجف مجرى النهر جنوباً تماماً ويتم العبور .
ضريح فريد من العصر الحديدي المتأخر :
عثر فريق التنقيب في أكتوير و نوفمبر 2014 م على ضريح عمره 2700 عام ( وهو هيكل مستطيل مساحته ثمانية أمتار في ستة أمتار مع منصة ) ، ليُعد أول مزار في أواخر العصر الحديدي يتم حفره في المنطقة ، وقد عثر الفريق داخله وحوله على مجموعة متنوعة من التماثيل المصنوعة من الطين المصبوغ لخيول ونساء ، إضافة إلى جعران وأختام من مصر والعراق ، مما يرجح استخدام الضريح بشكل أساسي من قبل التجار والمسافرين للصلاة وتقديم القرابين نظراً لموقعه عند تقاطع طريقين تجاريين رئيسيين .
قرية مع والي آشوري :
ربما كان الضريح في وسط قرية صغيرة صنع سكانها المنسوجات واعتمدوا على الزراعة وتربية الحيوانات والصيد ، حيث تشير الخزفيات والأدلة المكتوبة إلى ارتباط القرية ارتباطاً وثيقاً بالإمبراطورية الآشورية الجديدة مع احتمال تمركز والٍ آشوري فيها لمراقبة التجارة ، قبل أن يدمرها حريق كبير حوالي عام 700 قبل الميلاد .
الفترات الفارسية والهلنستية :
في الفترتين الفارسية والهلنستية ( حوالي 550 - 200 قبل الميلاد ) ، تم استخدام تل داميا كموقع تخزين عبر حفر عميقة كانت مملوءة في الأصل بأعلاف الماشية ، ومع غياب الهندسة المعمارية يُحمل احتمال أن يكون السكان أو المستخدمون من البدو الرحل ، وقد احتوت الحفر على أدوات مرتبطة بإنتاج المنسوجات كعجلات الغزل الصغيرة وأوزان النول .
مقبرة بيزنطية وعثمانية :
استُخدم الجزء العلوي من تل داميا بالكامل كمقبرة في العصر البيزنطي ومرة أخرى في العصر العثماني ، حيث عُثر على أكثر من ثلاثين قبراً تحتوي على هياكل عظمية للأطفال والبالغين من الألفية الأولى بعد الميلاد مع سلاسل من الخرز وحلقات مطعمة ووعاء زجاجي بجانب أحد الرؤوس .
تل داميا وحقول الدولمنز الجنائزية :
الطقوس الجنائزية البدائية : تحيط بالقرية ( حقول دولمنز داميا ) ، وهي عبارة عن مئات الأنصاب والقبور الحجرية الضخمة المرفوعة التي تعود لعصور ما قبل التاريخ ( العصر البرونزي المبكر ) ، إذ تعكس هذه الأنصاب الممارسات الروحية والطقوس الجنائزية البدائية لتقديس ودفن الموتى لدى الشعوب الأردنية القديمة في غور الأردن ( العماليق الأموريين ) . وللمهتمين بمتابعة التوثيق البصري والذاكرة المكانية ، يحفل الأرشيف الصحفي الأردني ( مثل تقارير الزميل مفلح العدوان في جريدة الرأي تحت عنوان داميا : جيرة النهر وذاكرة الجسر ) بمقالات مصورة توثق تفاصيل المكان وأهله والجسور التاريخية .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) دائرة الآثار العامة الأردنية ، التقارير السنوية لحفريات وادي الأردن .
- 2 ) كفافي ، زيدان ، وبتي ، لوك ، دراسات أثرية في مواقع العصر الحديدي بالشرق الأدنى ، عمان ، 2015 م .
- 3 ) العدوان ، مفلح ، جريدة الرأي ، مقال : داميا : جيرة النهر وذاكرة الجسر .
- 4 ) الجمعية الجغرافية الأردنية ، دراسات في التراث والمعالم الحضارية الأردنية .
- 5 ) الموسوعة الفلسطينية ، مدخل : دامية ( تل ) .
- 6 ) موقع جامعة اليرموك ، تقارير ومتابعات حفريات تل داميا الأثرية .
- 7 ) بحوث ومقالات محكّمة في تاريخ الاستيطان البشري في الغوّر الأوسط وسردية موقع تل داميا الأثري .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.