​يُؤكد ​المقال ​على ​أن ​النسيج ​الوطني ​الأردني ​الفلسطيني ​عصي ​على ​الفتن ​بفضل ​التلاحم ​والوعي ​المشترك .

نسيج واحد لا تكسره الريح : الأردن وعصمة النسيج الوطني من نار الفتنة

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​دم ونسب يربط المشرق بالمغرب :

​لعن الله كل من يوقظ الفتنة أو يسعى في إشعالها ، ففي إيقاظها هلاك للحرث والنسل ودمار للديار . وحين ننظر إلى واقعنا الأردني ، نجد أنفسنا أمام نموذج فريد من التلاحم والترابط الذي تجاوز الحدود الجغرافية ليصبح ( دماً ونسباً ، وأهلاً وعزوة ) .

​حين يلتقي الابن الربداوي بابنة الخليل في بيت واحد ، وتجمع صلة الرحم بين شمال الأردن الأبي وجنوب فلسطين الحبيبة ، يتجسد أصدق معنى للوحدة . أولادي صالح وتولين ، وأمثالهم كثر ، أعمامهم في إربد وأخوالهم في الخليل ، يجمعهم سقف واحد ومصير واحد . فما ذنب هؤلاء الشباب والأجيال بفتنة عمياء يحاول البعض عبثاً إشعالها ؟ إن الأردن ، بتاريخه ومواقفه ، سيظل دائماً عصياً على كل فئة تحاول العبث بنسيجه الاجتماعي الممتد .

​الأخوة الأردنية الفلسطينية بين الوفاء الوطني والتحصن من الفتن :

​إن العلاقة بين الأردنيين والفلسطينيين في الأردن تقوم على الأخوة والدم والمصير المشترك ، ومحاولات إثارة الفتنة تخدم أطرافاً معادية وتسعى لزعزعة استقرار البلاد . وتقوم هذه العلاقة المتينة على روابط راسخة تشمل :


​وفي المقابل ، تتعدد مصادر محاولات إثارة الفتنة عبر أجندات معادية تروّج لها بعض الأطراف الخارجية ، مثل اليمين الإسرائيلي ، لمفاهيم مشبوهة مثل ( الوطن البديل ) لإشغال الشارعين وإحداث انقسام داخلي ، فضلاً عن ظهور أصوات عنصرية أو إقليمية ضيقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وبعض الطروحات المثيرة للجدل تهدف لإثارة النعرات وتغذية الخلافات بين أبناء الوطن الواحد .

​ومع التأكيد على الوفاء التاريخي لعشائر الأردن وأصالتها في احتضان أهلنا الشرفاء القادمين من فلسطين الحبيبة كلاجئين لا فاتحين ، وحفظاً لتاريخ ذاكرة البدوي الأردني المشهود لها بالوفاء والتي لا تنسى من أخذ بالثأر ، فإن الوعي الوطني العميق يدرك بحكمة أن التماسك الداخلي وقوة الجبهة الأردنية هما الحصن الأقوى لحماية الأردن وسند حقيقي لفلسطين .

​ولقد عبرت الأقلام الوطنية والباحثون عن ضرورة تحصين الجبهة الداخلية في مواجهة إشكالية بعض المجموعات النفعية أو من أسموهم أصحاب "الحقوق المنقوصة" ممن أساءوا استغلال شعارات مثل "شعب واحد لا شعبين" لتجاوز إطار التوحد في وجه الاحتلال الإسرائيلي ومحاولة امتلاك ناصية إدارة شؤون البلاد والمناصب السيادية المكرسة للسيادة الوطنية ، مما أدى أحياناً إلى تراكمات وانقسامات فكرية واقتصادية خلقت حالة من القلق والجدل . غير أن الصحافة الوطنية والتقارير التاريخية والسياسية في المنابر الأردنية الحرة تؤكد دائماً أن الأردن وفلسطين سيبقيان معاً رغم الفتن ؛ إذ على مدى عقود طويلة مرت العلاقة الأردنية - الفلسطينية بمخاضات عسيرة ومنعطفات هددت بقاءها ، واستطاع الشعبان بكل حكمة ووعي تجاوز التحديات التي تحول دون بناء علاقة متينة .

​وتتحطم دائماً محاولات إثارة الفتنة والعبث بالجبهة الداخلية أمام وعي الأردنيين وصلابة صفهم ، إلى جانب الموقف الرسمي للدولة الذي يؤكد دائماً على سيادة القانون ، ورفض كل خطابات التفرقة والعنصرية ، واعتبار الوحدة الوطنية خطاً أحمر لا يمكن المساس به في مواجهة كل من يسعى للعبث بنسيجنا الواحد ، مستذكرين عبر التاريخ أن الأردن استضاف الإخوة العرب من سورية والعراق ولبنان ومصر وغيرها دون حساسية أو مطامع سيادية ، مما يحتم الود والاحترام لقواعد وسلوكيات الضيافة وعدم التعدي على الحقوق المشروعة لأصحاب الأرض والعشائر الأردنية التي تبقي عهد الوفاء ماثلاً في وجه كل عابر أو نفعي .

​مفهوم الفتنة ومعناها اللغوي والديني :

​تأتي كلمة ( الفتنة ) في اللغة العربية من الجذر ( فَتَنَ ) ، والذي يعني الاختبار أو الابتلاء . تُستخدم الكلمة في سياقات مختلفة لتدل على الإغراء ، الفوضى ، الاضطراب ، أو الاختبار الذي يُعرض للإنسان ليمتحن إيمانه أو صبره . وفي القرآن الكريم والحديث النبوي ، وردت في ستين موضعاً بمعانٍ متعددة ، منها الابتلاء والاختبار ، والشرك ، والكفر ، والتعذيب بالنار ، والقتل ، كقوله عز وجل : { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا } [ النحل : 110 ] ، أي عُذبوا ومُنعوا . وكثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار من المكروه والإثم والقتال .

​أنواع الفتن :

​تتعدد صور الفتن التي تواجه الإنسان في حياته والمجتمعات على حد سواء ، ومن أبرزها :


​آثار ونتائج الفتنة : دمار لا يستثني أحداً

​إن عواقب الفتنة وخيمة وكارثية على الأفراد والمجتمعات على حد سواء ، ومن أبرز آثارها :


​وفي هذا السياق ، يقول الله تعالى : ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [ البقرة : 191 ] ؛ والمقصود هنا أن الفتنة التي تُحدث فوضى وضررًا في المجتمع وتُفسد العلاقات بين الناس وتُضعف الإيمان ، قد تكون أشد خطرًا من القتل نفسه . فالقتل قد يقتل فردًا أو مجموعة ، ولكن الفتنة قد تُفسد المجتمع كله وتُضعف الروح المعنوية وتُحدث انقسامات عميقة ومدمرة .

​موقف الشرع الإسلامي وموقف المؤمن :

​لقد حسم الدين الإسلامي الحنيف موقفَه من الفتنة بحزم شديد ، واعتبرها جريمة عظيمة تهدد كيان المجتمع المسلم . فقد قال الله تعالى في كتابهِ العزيز : ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾ [ الانفال : 25 ] ، وجاء في الحديث الشريف : " الفتنة نائمة ، لعن الله من أوقظها " .

​وكما بين الإمام ابن باز رحمه الله تعالى في توجيهاته حول موقف المؤمن من الفتن ، فإن النجاة من صنوف الفتن ( من شهوات وشبهات ونزاعات ) تكمن في التمسك بالكتاب والسنة ، ولزوم الجماعة ، والاعتصام بالوعي والبصيرة ، والابتعاد عن مواطن الشبهات والفرقة حمايةً للدين والنفس والمجتمع .

​إخوة للأبد :

​إن الربداوي والخليلي ، وكل أبناء هذا الوطن الواحد والعروبة الحية ، إخوة للأبد ، تجمعهم المحبة ، وتكسرهم الفتنة إن استسلموا لها ، ولكنهم بوعيهم أذكى وأكبر من كل هذه المحاولات الدنيئة . ستبقى الجذور عميقة والأواصر متينة ، ولن تزيدنا محاولات العبث إلا تلاحماً وتمسكاً بقيمنا وديننا وأخوتنا .