يُقدم المقال رؤية شمولية للتربية البيئية من منظور إسلامي ترتكز على مبادئ الاستخلاف والتسخير والالتزام بالأخلاق والقيم الحضارية لحماية الكون وتدبير موارده بعيداً عن الإفساد .

التربية البيئية في الإسلام: مفهومها، أهدافها، وقيمها الحضارية

​بقلم: قيصر صالح الغرايبه

​تُعد التربية البيئية في الإسلام رؤية تكاملية فريدة تنطلق من عقيدة راسخة تُنظم علاقة الإنسان بالكون. فالكون ليس ملكاً للإنسان ليفعل به ما يشاء، بل هو أمانة استخلافية سُخرت له ليعمرها بالحق والعدل، وليس بالإساءة والتدمير. وفيما يلي تفصيل لهذه الرؤية الشاملة التي تدمج بين البعد التعبدي والمسؤولية الأخلاقية والعملية تجاه البيئة:

​أولاً: المفهوم الإشكالي للبيئة وضرورة التربية البيئية

​إن تفاقم المشكلات البيئية في العالم أجمع وما ترتب عليها من مخاطر تهدد كل الكائنات على السواء أصبح من الأمور التي تستوجب من الجميع المشاركة الفاعلة في مواجهة تلك المشكلات البيئية، سواء أكانت مشكلات بيئية على المستوى المادي (تلوث الهواء ـ تلوث الماء ـ التلوث الإشعاعي ـ التلوث الضوضائي ـ تلوث التربة ـ تلوث الغذاء... الخ) أم مشكلات معنوية (تلوث خلقي ـ تلوث ثقافي ـ تلوث سياسي ـ تلوث اجتماعي... الخ). ومع تسليمنا بأن النمط الثاني (التلوث المعنوي) يعتبر الأساس بل والأخطر على البيئة من كل الأنواع الأخرى، بل ويستوجب اهتماماً خاصاً من كل الجهات المعنية على مستوى الحكومات أو مستوى الهيئات الرسمية وغير الرسمية.

​وإذا كانت التربية تعد الأداة ذات الأثر بعيد المدى في تنشئة وإعداد الأجيال إعداداً تربوياً يتفق والقيم الأصيلة، ويؤصل لدى الأجيال مفاهيم خلقية واجتماعية تحض على احترام البيئة وتقديرها، مما أعطى المؤسسات التربوية (المدارس، والجامعات، والمساجد، والنوادي... الخ) دوراً بارزاً في تحقيق هذا الهدف الأسمى. ولعل الواقع الذي نحياه يملي علينا من المشكلات البيئية بأبعادها (المادية، والمعنوية) ما يجعل المؤسسات التربوية عاجزة عن القيام بمهامها، وقد يرجع السبب في رأينا إلى عدم وجود منهج واضح وخطة واضحة ذات أهداف يسهل تحقيقها، وكذلك غياب مفهوم التربية البيئية لدى تلك المؤسسات.

​وفي ضوء ما سبق، يمكن تعريف التربية البيئية في الإسلام بأنها: "النشاط الإنساني الذي يقوم بتوعية الأفراد بالبيئة وبالعلاقات القائمة بين مكوناتها، وبتكوين القيم والمهارات البيئية وتنميتها على أساس من مبادئ الإسلام وتصوراته عن الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، ومطالب التقدم الإنساني المتوازن".

​وفي ضوء هذا التعريف للتربية البيئية من منظور إسلامي، يجب أن يكون هناك تفاعل إيجابي بين الإنسان والبيئة، وأن يكون ذلك التفاعل شاملاً لا يقتصر على زمان معين أو مكان معين، وليصبح جهد الإنسان موحداً وموظفاً توظيفاً حضارياً وتاريخياً في ضوء العقيدة الإسلامية.

​ثانياً: المرتكزات العقائدية للبيئة في الإسلام

​تقوم التربية البيئية في الإسلام على ثلاثة مفاهيم محورية تشكل وعي المسلم تجاه الطبيعة:

​مفهوم الاستخلاف: الإنسان خليفة الله في الأرض لعمارتها، وهذه الخلافة تفرض عليه دور "الحارس الأمين" وليس المستبد المسيطر.

​مفهوم التسخير: سخر الله الكون بما فيه لخدمة الإنسان، وهذا التسخير مشروط بالانتفاع الرشيد دون إفساد.

​مفهوم التوازن الكوني (الميزان): خلق الله كل شيء بقدَر وبنظام دقيق، وأي خلل يحدثه الإنسان في هذا التوازن هو إفساد في الأرض منهي عنه شرعاً.

​ثالثاً: القيم البيئية الإسلامية وأقسامها

​تُعرف القيم البيئية الإسلامية بأنها: "مجموعة الأحكام المعيارية المنبثقة من الأصول الإسلامية، التي تكون بمثابة موجهات لسلوك الإنسان تجاه البيئة، تمكنه من تحقيق وظيفة الخلافة في الأرض". وتتفرع هذه القيم إلى أربعة أقسام رئيسية:

​1. قيم المحافظة

​وتختص بتوجيه سلوك الأفراد نحو المحافظة على مكونات البيئة، وتشمل:

​المحافظة على نقاوة الغلاف الجوي.

​المحافظة على نظافة الثروة المائية.

​المحافظة على رعاية الثروات النباتية.

​المحافظة على رعاية الثروات الحيوانية.

​المحافظة على استخدام الثروات المعدنية واللامعدنية.

​المحافظة على نظافة الطرقات.

​المحافظة على نظافة بيوت الله والبيوت العامة.

​المحافظة على الصحة البدنية.

​المحافظة على الهدوء وتوفيره.

​2. قيم الاستغلال

​هي تلك القيم التي تختص بتوجيه سلوك الأفراد نحو الاستغلال الجيد لمكونات البيئة؛ وتتضمن عدم الإسراف، وعدم التبذير، والبعد عن الترف، والاعتدال والتوازن في كل شيء، حيث يدعو الإسلام إلى الاعتدال في استهلاك موارده البيئية بحيث تكفى ضرورته وحاجاته، بدون إفراط ولا تفريط.

​3. قيم التكيف والاعتقاد

​هي تلك القيم التي تختص بتوجيه سلوك الأفراد نحو التكيف مع بيئتهم، ونحو تصحيح معتقداتهم السلبية تجاهها، وتشمل التكيف مع التغيرات الطبيعية مثل قسوة الظروف المناخية وطبيعة الأرض، وكذلك الابتعاد عن المعتقدات الخرافية مثل التعاويذ والتمائم والتبرك بالشجر والكهانة والتشاؤم وغير ذلك.

​4. قيم جمالية

​وهي تلك القيم التي تختص بتوجيه سلوك الإنسان نحو التذوق الجمالي لمكونات البيئة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله جميل يحب الجمال... الكبر بطر الحق وغمط الناس) أخرجه مسلم. وقال تعالى في محكم كتابه:

​{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور} [سورة فاطر: 27 – 28].

​{قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا...} [سورة فصلت: 9 - 12].

​{ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين} [سورة الحجر].

​وتبين هذه الآيات عظيم صنعه وروعة وجمال الصنعة وعظمة الصانع سبحانه وتعالى الذي خلق كل شيء جميل.

​رابعاً: مجالات الرعاية البيئية في الفقه والسنة

​تتجاوز الرؤية الإسلامية الشعارات النظرية إلى تقديم توجيهات عملية لحماية الموارد الأساسية للكون:

​حماية المياه وترشيد استهلاكها: الماء هو أصل الحياة وعصبها؛ حيث نهى النبي ﷺ عن الإسراف في الماء حتى لو كان العبد يتوضأ على نهر جارٍ، وحرّم تلويث مصادر المياه كالتبول في الماء الراكد أو موارد الناس.

​التشجير وعمارة الأرض (الثروة النباتية): اعتبر الإسلام زرع الشجر وغرس الفسائل عبادة ممتدة الأجر وصدقة جارية، وصولاً إلى قوله ﷺ: "إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها". كما وضع تشريعات مثل "إحياء الموات" لاستصلاح الأراضي البائرة.

​الرفق بالحيوان (الثروة الحيوانية): فالحيوانات أمم أمثالنا لها حق العيش والرعاية، وقد قرر الإسلام دخول الجنة بالرفق بحيوان كالساقي للكلب، ودخول النار بالحبس والتعذيب كالتي حبست هرة، ونهى عن اتخاذ الحيوانات أهدافاً للصيد العبثي أو اللعب.

​النظافة والصحة العامة: جعل الإسلام النظافة جزءاً لا يتجزأ من الإيمان بقوله "الطهور شطر الإيمان"، وحظر إلقاء الأذى في الطرقات والأماكن العامة، معتبراً إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان وصدقة.

​خامساً: المقارنة بين المنظور الإسلامي والمنظور المادي للبيئة

​يتضح جلياً الفارق الجوهري بين الرؤيتين عند التأمل في دوافع الحماية ومكانة الإنسان والاستدامة؛ فبينما تنطلق التربية البيئية في الإسلام من دافع تعبدي وأخلاقي يجعل حماية البيئة طاعة لله والاعتداء عليها ذنباً يُحاسب عليه المرء، يعتمد المنظور المادي والوضعي المعاصر على دوافع نفعية وقانونية تحمي البيئة خوفاً من الغرامات أو نضوب الموارد.

​وفي حين يتبوأ الإنسان في التصور الإسلامي مكانة المستخلف المؤتمن الذي يوازن بين مصلحته ومصلحة الكائنات الأخرى وفق منهج إلهي، يضعه المنظور المادي في موقع "سيد الطبيعة" أو المستهلك الساعي للربح والسيطرة. وعلاوة على ذلك، فإن استدامة البيئة في الإسلام تنبع ذاتياً ومستمراً من رقابة الضمير الإيماني في السر والعلن، بينما ترتكز في المنظور الوضعي على قوة إنفاذ القانون ورقابة المؤسسات الخارجية وحدها.

​سادساً: آليات تفعيل التربية البيئية اليوم

​لتحويل هذه الرؤية التكاملية إلى واقع ملموس وترسيخها في الواقع العملي للمؤسسات التربوية، يمكن العمل على المحاور الآتية:

​المناهج التعليمية: تضمين المفاهيم البيئية الإسلامية والدراسات الفقهية والعلمية في كتب التربية والعلوم، لتنشئة جيل يربط بين إيمانه وسلوكه البيئي.

​الخطاب الديني: تفعيل دور المساجد ووسائل الإعلام لإبراز القضايا البيئية المعاصرة كالتغير المناخي والتلوث من منظور شرعي وحضاري متكامل.

​القدوة والتشريعات: سن قوانين بيئية حديثة تستند إلى المقاصد الشرعية مثل قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، وتطبيقها بعدالة لضمان استدامة الموارد وحفظ حقوق الأجيال القادمة.

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) القرآن الكريم .
  3. 2 ) صحيح الإمام مسلم ، الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري .
  4. 3 ) دراسات في التربية البيئية الإسلامية ، مجلة دراسات العلوم التربوية ، الجامعة الأردنية م 46 ، ع 1 ، 2019 م .
  5. 4 ) مقالات في الفكر البيئي الإسلامي وتأصيل الاستخلاف الحضاري ، منصة المجلات العلمية الجزائرية ( ASJP ) ، 2021 م .
  6. 5 ) رؤى إسلامية معاصرة في حماية البيئة وتدبير الموارد ، موقع الوسطية ، 2022 م .