يُسلط المقال الضوء على التاريخ العريق لمدينة كابيتولياس أو بيت راس الأثرية ، مستعرضاً موقعها الجغرافي وتسميتها وحلف الديكابولس ، إضافة إلى إرثها في العصور الرومانية والبيزنطية والأموية وارتباطها بالخليفة يزيد بن عبد الملك وجاريته حبابة وصولاً إلى معالمها وتحديات الحفاظ عليها .
كابيتولياس : عروس الديكابولس وحاضرة التاريخ في شمال الأردن
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تزخر سهول حوران الأردنية بالعديد من المعالم الحضارية والأثرية التي تتحدث عن عمق تاريخ المنطقة . وفي إطار توثيق مدن الديكابولس الأردنية ، يأتي هذا المقال ليسلط الضوء على مدينة كابيتولياس ، المعروفة اليوم ببلدة بيت راس .
الموقع الجغرافي :
تتمتع بلدة بيت راس ( كابيتولياس ) بموقع استراتيجي فريد في شمال المملكة الأردنية الهاشمية ، حيث تقع على بعد نحو خمسة كيلومترات إلى الشمال من مركز محافظة إربد ، وتحديداً على هضبة عالية ترتفع بمقدار ستمائة متر عن سطح البحر .
وقد احتل موقعها الجغرافي حلقة وصل حيوية بين سهول حوران الخصبة وطرق التجارة القديمة ، محاطاً بمدن الديكابولس الأردنية البارزة ؛ فمن الجنوب تحدها أبيلا ( طبقة فحل ) ومن الشمال مدينة بيلا ( حرثا / القويلبة ) ومن الشمال الغربي مدينة جدارا ( أم قيس ) . وقبل تأسيس المدينة المستقلة في العصور القديمة ، كانت كابيتولياس ومعها أرابيلا ( إربد ) تقعان ضمن النطاق الإداري والتنظيمي لمدينة بيلا ، مما منح موقعها أهمية جغرافية وتاريخية استثنائية .
التسمية والنشأة :
يعود اسم كابيتولياس إلى معبد الإله الروماني جوبيتر كابيتوليانس الذي تظهر نقوشه على عملات أثرية تعود لنحو عام مائة وخمس وستين للميلاد . وتتألف التسمية من مقطعين يعنيان السكن في المكان المرتفع . ويطابق هذا المعنى اسم بيت راس الحديث ، الذي يشترك في جذوره اللغوية لوصف المنزل الواقع على الرأس المرتفع . وفيما تعود الجذور الأولى للاستيطان إلى عصور مبكرة ، فإن التأسيس الرسمي للمدينة ككيان روماني منظم يعود إلى أواخر القرن الأول الميلادي .
السياق التاريخي والحضاري :
أصبحت المدينة جزءاً بارزاً من حلف الديكابولس بعد سيطرة الرومان عام ثلاثة وستين قبل الميلاد ، وعرفت ازدهاراً واسعاً بفضل الدور الذي لعبه الأردنيون الغساسنة في إسباغ صبغة تجارية وزراعية على حواضر المنطقة . وقد اشتهرت كابيتولياس بصناعة النبيذ وزيت الزيتون ، ورافق ذلك تحول ديني ومكاني بارز تمثل في انتشار المسيحية وتأسيس الأبرشيات والكنائس التي شارك أساقفتها في المجامع الكبرى .
بيت راس في العصر الأموي وارتباطها بالخليفة يزيد بن عبد الملك :
شهدت مدينة كابيتولياس أو بيت راس ازدهاراً واسعاً واستمرارية حضارية بارزة في العصر الأموي نظراً لقربها من مركز الخلافة في دمشق وطبيعتها الغنية بكروم العنب ومناخها العليل ؛ فقد حظيت المدينة بمكانة خاصة ومميزة لدى الخلفاء الأمويين الذين اتخذوا من حواضر شمال الأردن مقراً للاستجمام ومصيفاً يرتادونه .
ويبرز في هذا السياق ارتباط المدينة الوثيق والعميق بالخليفة الأموي يزيد بن عبد الملك ( يزيد الثاني ) وجاريته الشهيرة حَبَابَة ، حيث اتخذ الخليفة ومجلسه بيت راس مقراً ومصيفاً يطيب المقام فيه ، واقترن اسم المدينة في كتب الأدب والتاريخ بتلك المجالس الراقية وقصص الغزل والشعر التي خلّفتها حبابة في ربوع بيت راس وكرومها ، مما أكسب المدينة في العصر الإسلامي المبكر حضوراً أدبياً وتاريخياً مضيئاً يضاف إلى إرثها الحضاري العريق .
مسيرة البحث الأثري :
جذبت بيت راس اهتمام الرحالة والمستكشفين منذ مطلع القرن التاسع عشر ، بدءاً من سيتزن وشوماخر وميرل ، مروراً بالمسوحات الأثرية التي قادها نلسون جلوك وميتمان ، وصولاً إلى مواسم التنقيب الرسمية التي ترأستها الباحثة شيري لينزن منذ منتصف الثمانينات للكشف عن أسوار المدينة وأقبيتها .
الأنشطة الاقتصادية والزراعية :
اعتمد اقتصاد المدينة بشكل أساسي على الزراعة والتجارة ، وتحديداً زراعة العنب التي جعلت من نبيذ بيت راس علامة بارزة تغنى بها شعراء العرب كحسان بن ثابت وأبو نواس والمعري وعرار . وقد تركت هذه الأنشطة شواهد مادية تمثلت في المعاصر الحجرية المتنوعة المكتشفة في الموقع .
المعالم الأثرية والمعمارية :
تضم المدينة إرثاً معمارياً غنياً ومتنوعاً ، يبرز في الآتي :
الأسوار والأبراج : بقايا الجدران والأقبية الدفاعية التي تؤرخ لفترات الاستيطان المختلفة .
المسرح الأثري : صرح مهيب شيد من الحجر البازلتي والكلسي ، ويضم منصة متصلة بنفق صخري فريد .
الكنائس : مجموعة من الكنائس البازيليكية المزينة بالفسيفساء مثل الكنيسة الشمالية وكنيسة عطروز .
المدافن والفريسكو : مدافن ضخمة تضم نقوشاً يونانية وآرامية ولوحات جدارية نادرة توثق لرفاهية المجتمع وسكانه .
التحديات ومستقبل الحفاظ :
تواجه المدينة اليوم تحديات تتمثل في الزحف العمراني المتسارع وعوامل التعرية الطبيعية ، مما يفرض ضرورة تبني استراتيجية وطنية شاملة لحماية هذا الإرث الحضاري وتطويره سياحياً .
يظل إرث كابيتولياس في بيت راس شاهداً حياً على عمق الحضارات المتعاقبة في شمال الأردن ، ورمزاً للتفاعل التاريخي العريق بين الإنسان والأرض في إقليم حوران وبلاد الشام .







قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم .
- 2 ) الشامي ، أحمد . ( 2002 م ) ، مشروع التنقيبات الأثرية في بيت رأس - إربد موسم 2002 م ، حولية دائرة الآثار العامة .
- 3 ) ملحم ، إسماعيل . ( 1995 م ) ، تقنيات معاصر العنب في الأردن وفلسطين في العصرين الروماني والبيزنطي ، حولية دائرة الآثار العامة .
- 4 ) البكري ، أبو عبيد الله . ( 1947 م ) ، معجم ما استعجم ، القاهرة : مطبوعات لجنة التأليف والنشر .
- 5 ) كراسنة ، وجيه وفياض ، سلامة . ( 2005 م ) ، مسرح بيت راس الأثري ، حولية دائرة الآثار العامة .
- 6 ) البلاذري ، أحمد بن يحيى . فتوح البلدان . دار الكتب العلمية ، بيروت .
- 7 ) الحموي ، ياقوت بن عبد الله . معجم البلدان . دار صادر ، بيروت .
- 8 ) المحيسن ، زيدون . حضارة الأردن في العصور الكلاسيكية . جامعة اليرموك ، إربد .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.