يستعرض هذا المقال مسيرة إعلامية عطرة للكاتب والصحفي الراحل ذيب كايد الغرايبه رحمه الله ، موثقاً جذوره الأسرية الأصيلة ، ورحلته المهنية الحافلة بين ربوع الوطن والمهاجر العربية والعالمية ، ومحطاته الأكاديمية المميزة .

مسيرة قلم مهاجر وإرث إعلامي أصيل : وفاءً للصحفي الراحل ذيب كايد الغرايبه

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تترجل الأقلام الكبيرة أحياناً في صمت ، لكن أثرها يبقى محفوراً في ذاكرة الأوطان والأهل والأحباب ووجدان المهنة . هكذا كان الراحل الكبير الأستاذ ذيب كايد إبراهيم الغرايبه ( رحمه الله ) ، ابن بلدة حوارة الأبيّة ، الذي خطّ بمداد الوعي والوطنية مسيرة صحفية مترامية الأطراف ، انطلقت من ربوع الشمال الأردني ، وامتدت لتلامس فضاءات عربية وعالمية واسعة ، طائفةً بين العراق ودولة الإمارات العربية المتحدة وصولاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية .

​الجذور الأولى والنشأة في حوارة :

​وُلد الفقيد في بلدة حوارة ( محافظة إربد ) عام 1949 م ، في كنف أسرة أردنية أصيلة عُرفت بالطيب والوفاء . لقد نشأ في بيئة صاغ ملامحها أبوان مكافحان ، فوالده المرحوم الحاج كايد إبراهيم الفارس الغرايبه ( أبو صياح ) الذي خدم في صفوف القوات المسلحة الأردنية ثم أكمل مسيرة عمله في دائرة الأراضي حتى تقاعده ، عُرف ببشاشة وجهه وابتسامته المثالية التي كانت مصدراً للبهجة والأمان ، يواجه ضغوط الحياة بتفاؤل ويصغي لأبنائه بحب ليكون قدوتهم الأولى وسندهم الدائم . وفي المقابل ، كانت والدته المرحومة الحاجة تركية خلف نايل الغرايبه ( أم صياح ) قلب البيت النابض وقلعته الحصينة ، تواجه الصعاب بصبر وقوة تحمل ، لا تكل ولا تمل من العطاء وتوجيه أبنائها بحكمة لتصنع لهم مستقبلاً آمناً ودافئاً . باختصار ، بصمة الأب المبهجة وحنان الأم الصابرة هما جناحا السعادة اللذان تحلق بهما أي عائلة نحو الأمان .

​وتضم هذه العائلة الطيبة إخوته : المرحوم صياح ، والمرحوم رزق ، والأستاذ خلف ( عامر ) ، وشقيقته الوحيدة المرحومة ذيبه . وفي أحضان هذه البقعة الطيبة من الوطن ، ترعرع الفقيد بين أقرانه وخلّان طفولته ، فكانت حوارة مرتع صباه ومحطة بدايات حياته الأولى ، حيث درج في دروبها وبين سهولها مستنشقاً عبق البساطة والنقاء . على مقاعد مدارسها ، تلقى تعليمه الأساسي ، متشرِّباً قيم الانتماء والأصالة التي رافقته طوال حياته ، لتكون بوصلته الأولى نحو عالم الكلمة والبحث .

​الشغف الأكاديمي والرحلة المهنية المبكرة :

​لم تكفه المدارك المحلية ، فشدّ الرحال متسلحاً بالطموح في عام 1969 م إلى جمهورية العراق الشقيقة للالتحاق بجامعة بغداد ، حيث درس وتخرج في كلية القانون والسياسة عام 1973 م ، متأثراً ببيئتها الفكرية والأكاديمية العريقة . وعقب تخرجه ، مكث في بلدة حوارة مدة سنة بلا عمل ، إلى أن توجه في عام 1974 م إلى دولة الإمارات العربية المتحدة مع أوائل تأسيسها ، ليكون من أوائل الكفاءات العربية التي شاركت في بناء المشهد الإعلامي الناشئ هناك ، وعمل في مجلة " درع الوطن " العسكرية محققاً صحفياً وكاتباً ومراسلاً ، مساهماً في توثيق تلك المرحلة التأسيسية الهامة .

​من أبوظبي إلى واشنطن : محطات في قلب الحدث :

​في بداية الثمانينات ، حطّ رحاله في الولايات المتحدة الأمريكية ، فاتحاً آفاقاً جديدة لعمله الصحفي والميداني . وعلى الرغم من أن رحلة الاغتراب حملت في طياتها تحديات الغربة ، فقد ارتبط في عام 1994 م بسيدة أمريكية الجنسية تدعى ألبرتا ( ما زالت على قيد الحياة ) ، ولم يُرزق منها بأبناء ، ليقى عمله الصحفي والعصامي ابنه الشرعي الذي تعهده بالرعاية والإخلاص .

​لقد تجسدت في شخصية الفقيد صفات الإنسان العصامي الذي صنع مستقبله بجهده وعرَق جبينه ، متسلحاً بالمثابرة والإرادة الصلبة والصبر على وعثاء الغربة . وخلال وجوده في أمريكا ، عمل لفترة وجيزة كمراسل بصفة دوام جزئي لجريدة " الراي " الأردنية الغراء ، شارك خلالها في إنجاز تغطيات صحفية استثنائية بارزة ، من أمثال تغطية الانتخابات الرئاسية الأمريكية في زمن الرئيس الأمريكي رونالد ويلسون ريغان ( السياسي والممثل الأمريكي الراحل ، الذي شغل منصب الرئيس الأربعين للولايات المتحدة في الفترة من 1981 م إلى 1989 م ، وقبل رئاسته كان حاكم ولاية كاليفورنيا الثالث والثلاثين بين عامي 1967 م و 1975 م ، بعد مسيرة كممثل في هوليوود ورئيس نقابة ممثلي الشاشة ) ، فضلاً عن إجراء مقابلات مع شخصيات قيادية عربية وعالمية بارزة .

​ولم يمضِ طويلاً في الميدان الصحفي الأمريكي ، إذ تركه لاحقاً ليعمل في مجال تجارة العقارات بيعاً وشراءً . وفي عام 1985 م ، واصل تميزه العلمي ليُكمل دراسة الماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جونز هوبكنز العريقة في الولايات المتحدة الأمريكية .

​الوداع الأخير وإرث لا يُنسى :

​في شهر شباط من عام 2025 م ، ترجل الفارس الصحفي عن صهوة الحياة في الولايات المتحدة الأمريكية ، بعد حياة عامرة بالعطاء المهني والوفاء للوطن . وعاد الجسد الطاهر ليوارى الثرى في مسقط رأسه ، حيث دُفن في مقبرة بلدة حوارة التي أحبها وظلت حية في وجدانه . لقد رحل ذيب كايد الغرايبه ، تاركاً خلفه سيرة عطرة لرجل جمع بين عصامية المبدع ، وطيبة القلب ، والتفاني المطلق في حب مهنته ، وصحفي مغترب لم ينسَ قط انتمائه الأردني .

​رحم الله الفقيد الغالي ، وأسكنه فسيح جناته ، وألهم أهله وذويه ومحبيه جميل الصبر وحسن العزاء .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) معرفة كاتب المقال الشخصية بحكم القرابة الأسرية عن صاحب السيرة .
  3. ​2 ) المقابلة الشخصية مع شقيق صاحب السيرة الأستاذ خلف ( عامر ) كايد الغرايبه .