سيرة عطرة للتربوي الفاضل الأستاذ محمود نايل داود الغرايبه ، تجسد معاني العصامية والوفاء في خدمة العلم والوطن .

سيرة ذاتية ومسيرة عطاء : المرحوم الأستاذ محمود نايل داود الغرايبه

​بقلم : قيصر صالح الغرايبه

​تظل بلدتنا الحبيبة حوارة وربوع أهلنا في عائلة الغرايبه ينابيع متدفقة للرجال الأوفياء الذين حملوا راية البناء والعصامية بصدق وإخلاص ، وتتجسد هذه المعاني الأصيلة بأبهى صورها وأعظمها إلهاماً في سيرة التربوي الفاضل المرحوم الأستاذ محمود نايل داود الغرايبه ، ذلك الرجل الذي صنع من قسوة الظروف ملحمةً للنجاح ، ورسم بخطواته الثابتة قصة رجل حمل أمانة العائلة والوطن على كتفيه بمفرده ، تاركاً وراءه إرثاً حياً من المروءة ، وبصمات ناصعة لا تُمحى في ميادين التربية والعطاء .

​أولاً : النشأة والعصامية المبكرة : شعلة وُلدت من رحم التحدي :

​حين ترامت أشعة الشمس على تراب بلدة حوارة العامرة مع إشراقة عام ( 1942 م ) ، لم تكن تعلم أقدام الصبي الصغير محمود أن الأقدار تخبيء له درباً وعراً لكنه مليء بالمجد ، لقد شاءت إرادة الله أن يفقد والده وهو في ريعان طفولة مبكرة وبدايات صباه ، ليجد نفسه فجأة في مواجهة مبكرة مع الحياة ، لكن هذه الفجيعة لم تكسر روحه ، بل حولت حزنه إلى وقود صامت لا ينطفئ ، فنهض الشاب العصامي واضعاً نصب عينه أمانة ثقيلة لا يحملها إلا الكبار ، لقد تحول ببطء وهدوء إلى الأب الروحي الحقيقي والسند العظيم لإخوته وأخواته ، شاقاً طريق الكفاح بجبين مهيب وعزم كالجبال ، ولم يكتفِ برعايتهم المعنوية ، بل بادر إلى العمل الشاق في ريعان شبابه ليؤمن لهم لقمة العيش ومصروفهم اليومي ، ضاغطاً على جراح الصبا ومؤمناً مستقبلهم بجهد عارم وإخلاص منقطع النظير فاض بفيض المحبة والوفاء المطلق .

​ثانياً : المسيرة التعليمية : رحلة السعي نحو النور :

​لم تنسَ طموحات الشاب العصامي يوماً أن العلم هو السلاح الأبقى ، فقطع عهداً على نفسه بأن يروي ظمأه للمعرفة مهما كانت الصعاب ، خطوَ خطواته الأولى نحو النور متلقياً تعليمه الابتدائي في مدارس بلدته الحبيبة حوارة ، مستسقياً من بيئتها الريفية الأصيلة مكارم الأخلاق وروح الجد والاجتهاد ، وحين اشتد ساعده الفكري وطار صيته في المثابرة ، لم يقف طموحه عند حدود البلدة ، بل امتد وثاباً نحو لواء الرمثا ليتابع دراسته الثانوية هناك ، حاصداً ثمار جده ومستزداً من ينابيع المعرفة بعزيمة لا تعرف الكلل ، وحين حانت لحظة القطف الأكبر ، شد الرحال إلى رحاب جامعة دمشق العريقة ، متتلمذاً في قاعات درسها ومستنيرًا بعلومها المضيئة ، حتى تخرج منها في عام ( 1968 م ) مكللاً بجهدِ سنين حاملاً درجة البكالوريوس في تخصص التاريخ ، ليؤسس بذلك منطلقه الرصين نحو بناء الأجيال وغرس حب المعرفة في النفوس .

​ثالثاً : محطات العمل والمسيرة المهنية : سفير المعرفة والأمانة :

​توزعت مسيرة المرحوم العملية على محطات ناصعة الإشراق ، اتسمت بروح الأمانة المطلقة والإخلاص الفذ في أداء الواجب :

​1 ) البدايات في البريد الأردني : استهلالاً لمشواره الوظيفي المبكر ، عُين في البريد الأردني في عام ( 1962 م ) وظل يخدم بأمانة تامة حتى عام ( 1967 م ) ، مسجلاً في تلك المرحلة حضوراً مميزاً حظي بتقدير رجالات الوطن وكباره ، حيث كان لمعالي المرحوم فضل الدلقموني ( وزير البريد والاتصالات آنذاك ) يد بيضاء ودور بارز في تقدير كفاءته ودعمه .

2 ) ميدان التربية والتعليم في ليبيا : طافت روح المعلم الأصيل بالميدان الأرحب حين شد الرحال إلى ليبيا الشقيقة ليحمل رسالة التربية والتعليم بشرف ومسؤولية ، مكرساً زهرة شبابه وجهده الخالص لتعليم النشء وبث روح العلم والخلق في نفوس طلابه الذين ما زالوا يذكرون فضله ، ومستمراً في هذا العطاء الموصول دون انقطاع حتى عودته الميمونة إلى أحضان الوطن عام ( 1985 م ) .

3 ) التقاعد وحياة الوفاء : ترجل عن صهوة العمل الرسمي بخفة الأتقياء بعد عودته للأردن ، ليمضي بقية أيامه متقاعداً ، يرفل بثوب الوقار والاحترام والذكر الحسن بين أهله ومحبيه ، ومتابعاً لشؤون حياته بهدوء وسلام دائم حتى أتاه اليقين .

​رابعاً : الشخصية والسمات الإنسانية : هدوء العظماء ودفء القلوب :

​لم يكن المرحوم مجرد شخصية عابرة في زحام الحياة ، بل كان طرازاً فريداً جمع بين اتزان العقل ورقة الروح ، فقد عُرف بأناقته المعهودة وهدوءه الآسر وعقليته الرزينة التي تزن الأمور بميزان الحكمة البالغة ، لقد امتلك قدرة فائقة ومذهلة على الإنصات العميق والتفكير التحليلي الهادئ ، مقروناً بلطف حقيقي جارح في صدقه وتعاطف إنساني أصيل جعل مجالسه مدرسة في الأدب وحسن الحديث ، لقد تركت علاقاته المحدودة - التي بنيت على الوفاء الخالص - أثراً عميقاً في قلوب كل من عاصروه ، ليظل طيفه حاضراً كنسيم عابر لا يُنسى .

​خامساً : العائلة والامتداد الإنساني : واحة من الحب والوفاء :

​تجسد الوفاء الإنساني بأبهى صوره في قصة ارتباطه بفتاة فاضلة من أصول فلسطينية - لبنانية ، وهي المرحومة وفاء خليل ، حيث بنيا معاً واحة صالحة للمحبة والتقوى والتربية السليمة ، وأثمر هذا الزواج المبارك عن أبناء حملوا صفاته الطيبة وهم :

​نعمة : متزوجة وتعيش حالياً في مملكة السويد .

​نيفين : متزوجة وتعيش حالياً في مملكة السويد .

​محمد : يعمل ومستقر في العاصمة الحبيبة عمّان .

​وقد تفرعت هذه الشجرة الطيبة لتضم إخوة أعزاء للفقيد ساندوه وشاركوه الدرب وهم : المرحوم محمد ، وعادل ، وموفق ، إلى جانب ست أخوات كريمات هنَّ : بتلا ، وعدله ، والمرحومات : ثريا ، ضحيا ، كرمه ، وحمده ، اللواتي كنّ نعم العزوة والسند ، وحفظن جميعاً للأسرة سيرتها العطرة وأواصر المحبة والترابط المتين .

​سادساً : الخاتمة والرحيل : أثر خالد لا يبرح الذاكرة :

​حين حان القدر المحتوم ، لم يمهل المرض الطويل المرحوم الأستاذ محمود نايل داود الغرايبه طويلاً ، ففاضت روحه الزكية إلى بارئها في شهر آب ، لتوارى الثرى في مسقط رأسه الطاهر بلدة حوارة في محافظة إربد الأبيّة ، وسط جموع الغاصين من محبيه وأهله الذين نعوا فيه رمز العطاء الخالد ، ولم تمضِ سوى ثلاثة أعوام حتى ترجلت رفيقة دربه المرحومة زوجته لتلتحق به في جوار ربها ، تاركتين خلفهما سيرة عطرة وذكراً حسناً يعبق في كل أرجان المكان ، ويظل الراحل الكبير أثراً طيباً يعطر القلوب ، وعلماً من أعلام العطاء الصامت والتربية النبيلة ، لقد رحل في جسده وبقي خالداً في أثره ، لتخلد الذاكرة الوطنية والإنسانية سيرة رجل أدى رسلته بإخلاص وشرف نقي ، وظل شمعة تضيء دروب الأجيال المتعاقبة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  )  الرواية الشفوية والتوثيق الأسري : استقت تفاصيل هذه السيرة ومحطاتها الإنسانية والمهنية من الرواية الموثوقة لشقيق الفقيد ، التربوي الفاضل الأستاذ عادل نايل الغرايبه .
  3. 2  )  الذاكرة الوطنية والمجتمعية لبلدة حوارة : شهادات الأهل والأحبقاء وزملاء درب العمل والعطاء في مسيرة المرحوم الأستاذ محمود نايل الغرايبه .