يُبيِّن المقال كيف أسهم التوسع السياسي والتجاري والدعوي السلمي في نشر الإسلام عبر القارة الآسيوية وصياغة هويتها الحضارية .
خيول الفتح وسفن التجارة : كيف صاغ الإسلام وجه القارة الآسيوية ؟
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
لم تكن حركة انتشار الإسلام في القارة الآسيوية مجرد توسع جغرافي أو عسكري عابر ، بل كانت تمثل أحد أعظم التحولات الحضارية والديموغرافية في التاريخ الإنساني . إنها قصة تاريخية فريدة تداخلت فيها صليل السيوف على أسوار الحواضر الكبرى ، مع حركة مجاديف السفن التجارية التي كانت تشق عباب المحيط الهندي ، ودعوات الزهاد والصوفية في خلواتهم . من الهضبة الإيرانية الصخرية إلى جزر الهند الشرقية الاستوائية ، رسم الإسلام خريطة روحية جديدة لآسيا ، ليتغلغل في وجدان شعوبها ويصبح جزءاً أصيلاً من هويتها وثقافتها عبر العصور .
1 ) زلزال في الهضبة الإيرانية : سقوط التاج الساساني :
بدأت الملحمة شرقاً حين واجهت دولة الخلافة الراشدة الفتية الإمبراطورية الساسانية الصارمة . لم يكن الصدام سياسياً فحسب ، بل كان مواجهة بين فلسفتين ، نظام طبقي كسروي يرزح تحته الفلاحون ، ودعوة وليدة تنادي بالعدالة والمساواة .
في معركة القادسية عام 15 هـ بقيادة سعد بن أبي وقاص ، تلقت الإمبراطورية ضربتها الوجودية الأولى ، تلتها معركة نهاوند عام 21 هـ التي أطلق عليها المؤرخون " فتح الفتوح " ، إذ تشتتت بعدها شيرازة المقاومة الساسانية المنظمة وسقطت العاصمة المدائن .
ولم يكن دخول الفرس في الدين الجديد قسرياً ، بل جاء نتيجة اندماج تدريجي وطبيعي ، فحين غابت التراتبية الطبقية القديمة ، أقبل الإيرانيون على الإسلام ، وتحولوا سريعاً من " مفتوحين " إلى " صنّاع للحضارة " ، فرفدوا الدولة الإسلامية بعباقرة الفكر ، والإدارة ، واللغة ، والعلوم ، من أمثال سيبويه ، والبخاري ، والرازي .
2 ) وثبة نحو ما وراء النهر : تأمين الثغور وصناعة الهوية التركية :
حين عبر المسلمون نهر جيحون ، دخلوا إلى عالم " بلاد ما وراء النهر " الذي يضم أوزبكستان ، وتركمانستان ، وطاجيكستان ، وكازاخستان ، وقيرغيزستان الحالية . هنا تتجلى عبقرية القائد الأموي قتيبة بن مسلم الباهلي الذي تولى إمرة خراسان عام 86 هـ الموافق 705 م .
لم يعتمد قتيبة على بريق السيف وحده ، بل خطط لاستقرار طويل الأمد عبر استراتيجية ثلاثية الأبعاد ، تمثلت في بناء المساجد الجامعة في الحواضر العريقة مثل بخارى وسمرقند ، وإسكان القبائل العربية داخل المدن المفتوحة ليحدث التأثر والتأثير اليومي ، بالإضافة إلى إشراك النخب العسكرية والقبلية التركية في إدارة الحكم وتخفيف الأعباء المالية عمن يُسلم .
وفي عام 134 هـ الموافق 751 م ، وقعت معركة تالاس التاريخية بين الجيش العباسي وجيش إمبراطورية " تانغ " الصينية . كان انتصار المسلمين فيها حاسماً ، إذ وضع حداً نهائياً للتمدد الصيني في آسيا الوسطى ، وثبّت الهوية الإسلامية للأقوام التركية التي ستتولى لاحقاً حماية بيضة الإسلام عبر دول كبرى كالسلاجقة والغزنويين .
3 ) شبه القارة الهندية : لقاء الحضارات بين السيف والموجة :
شهدت شبه القارة الهندية نمطين متوازيين ومتكاملين من الانتشار الإسلامي ، صاغا معاً واقعاً ديموغرافياً فريداً تباين بين غزو الثغور وحركة التجارة :
أ ) الاندفاعة الشمالية الغربية : الفتوحات المنظمة :
انطلقت الجيوش الفتية بقيادة محمد بن القاسم الثقفي عام 93 هـ ليفتح بلاد السند وعاصمتها " الديبل " وصولاً إلى " الملتان " . امتاز الثقفي بسياسة مرنة ، حيث أسبغ على الهندوس والبوذيين صفة " أهل الذمة " ، محترماً خصوصياتهم الدينية والاجتماعية . وتلا هذه المرحلة في القرون اللاحقة حملات السلطان محمود الغزنوي ، التي مهدت الأرض لظهور " سلطنة دلهي " ، ومن ثم الإمبراطورية المغولية الإسلامية التي تركت بصمتها الخالدة في العمارة والفن كتاج محل .
ب ) الامتداد الجنوبي الساحلي : التجارة البحرية :
على نقيض الشمال ، كان جنوب الهند وسواحل مليبار وكيرالا يستقبل الإسلام منذ القرن الأول الهجري عبر سفن التجار العرب والحضارمة . هنا لم تكن هناك جيوش ، بل كان هناك " تاجر مسلم " يتمتع بأمانة في البيع والشراء أذهلت الحكام المحليين . وفي بيئة هندوسية محكومة بنظام طبقات صارم يظلم الفئات الدنيا ، وجد ملايين الهنود في الإسلام طوق نجاة يمنحهم الكرامة الإنسانية والمساواة المطلقة .
4 ) معجزة جنوب شرق آسيا : عندما تفتح الأخلاق الممالك :
تعد منطقة جنوب شرق آسيا التي تشمل إندونيسيا ، وماليزيا ، وبروناي ، النموذج الأبرز والأكثر إثارة في تاريخ الأديان ، حيث اعتنقت أضخم كتلة بشرية مسلمة في العالم اليوم الإسلام دون إراقة قطرة دم واحدة .
بدأت الحكاية منذ القرن التاسع الميلادي عبر ممرات التوابل البحرية وموانئ سومطرة والملايو . تحركت الدعوة عبر آليات سلمية بحتة تمثلت في الأخلاق والمصداقية ، حيث تحول التاجر المسلم إلى سفير لدينه من خلال صدقه ونبذه للغش . كما لعبت المصاهرة والاندماج دوراً كبيراً ، إذ تزوج الدعاة والتجار العرب والفرس من بنات الملوك والأمراء المحليين ، مما أدى إلى تحول عروش وممالك بأكملها إلى الإسلام مثل سلطنة ملقا وسلطنة ساموديرا باساي .
وعلاوة على ذلك ، لعبت الطرق الصوفية وحركة " الأولياء التسعة " في جاوة دوراً محورياً ، إذ قدمت الإسلام بأسلوب مرن ، استوعب العادات المحلية ونقاها من الوثنية دون مصادمة عنيفة مع الموروث الثقافي للسكان .
5 ) في عمق التنين الصيني : روابط طريق الحرير البري والبحري :
لم تكن بلاد الصين بمنأى عن هذا المد الحضاري ، إذ ترصد الحوليات الرسمية الصينية لأسرة " تانغ " وصول أول بعثة دبلوماسية إسلامية رسمية في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان عام 31 هـ الموافق 651 م بتوجيه من الصحابي سعد بن أبي وقاص .
استقبل البلاط الإمبراطوري في " شيان " البعثة بحفاوة ، وأذن ببناء أول مسجد في كانتون . وعبر قرون من التجارة على طول " طريق الحرير " البري والموانئ البحرية ، استقر المسلمون وتصاهروا مع أهل البلاد ، لتولد عرقية " الهوي " وهم صينيون عرقاً وثقافة ولغة ، ومسلمون عقيدة ، إلى جانب الأقوام التركية كالأويغور في تركستان الشرقية ، ليشكلوا جميعاً جزءاً من النسيج التاريخي للصين .
خلاصة : فلسفة المد الإسلامي في آسيا :
إن قراءة خارطة انتشار الإسلام في آسيا تكشف عن مرونة استثنائية في فلسفة هذا الدين وقدرته الإنسانية على التكيف ، حيث استعمل القوة السياسية والعسكرية لتفكيك الإمبراطوريات الاستبدادية الكبرى كالساسانية وتانغ لفتح الفضاء المعرفي أمام الشعوب ، بينما اعتمد المرونة والتعايش السلمي والتجارة في المناطق الساحلية والشرقية ، مما جعله يتغلغل عميقاً في بنية المجتمعات الآسيوية ويصبح جزءاً لا يتجزأ من هويتها الروحية والحضارية .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) البلاذري ، أحمد بن يحيى ( ت 279 هـ ) . فتوح البلدان . تحقيق عبد الله ومروان أنيس طباع ، بيروت : دار النشر للجامعيين ، 1957 م .
- 2 ) الطبري ، محمد بن جرير ( ت 310 هـ ) . تاريخ الرسل والملوك . تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، القاهرة : دار المعارف ، 1967 م .
- 3 ) ابن الأثير ، علي بن محمد الجزري ( ت 630 هـ ) . الكامل في التاريخ . بيروت : دار صادر ، 1965 م .
- 4 ) قتيبة بن مسلم الباهلي وحملاته في ما وراء النهر ، مجلة الدراسات التاريخية ، جامعة دمشق ، العدد 45 ، 2007 م .
- 5 ) أرنولد ، توماس . الدعوة إلى الإسلام : بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية . ترجمة حسن إبراهيم حسن وآخرون ، القاهرة : مكتبة النهضة المصرية ، 1970 م .
- 6 ) مؤنس ، حسين . أطلس تاريخ الإسلام . القاهرة : الزهراء للإعلام العربي ، 1987 م .
- 7 ) نصر ، السيد فرج . تاريخ انتشار الإسلام في جنوب شرق آسيا . الإسكندرية : دار المعرفة الجامعية ، 2001 م .
- 8 ) الأقليات المسلمة في الصين : دراسة في التاريخ والديموغرافيا ، مجلة البحوث الآسيوية ، جامعة القاهرة ، المجلد 12 ، 2015 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.