يُعد "بيت الشعر" في العرف البدوي رمزاً للهوية والكرم؛ حيث تتكامل عبقرية هندسته المناخية والمساحية داخلياً وخارجياً لتمثل مدرسةً قاومت الحداثة وصانت القيم العربية الأصيلة.

بيت الشَّعَر ... هندسة الصحراء المفتوحة على الكرم والفخر وبيت العز البدوي

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​في قلب البادية العربية بشكل عام والأردنية بشكل خاص ، لا يمثل  " بيت الشَّعَر "  مجرد مأوى عابر يقي تقلبات الطقس ، بل هو رمزٌ للهوية ، وعنوانٌ عريض للأصالة والعرف البدوي والعشائري في مختلف البوادي العربية . إنه  " بيت الشَّعَر "  بلفظه الأصيل ، وليس  " الخيمة "  كما يظن الكثير من سكان الحواضر ، فالخيمة لفظ عام ، أما بيت الشعر فله مكانة كبرى في الوجدان العربي لا يدرك أبعادها العميقة إلا الحكماء ومن خبروا حياة البادية وقيمها . وهو الذي ارتبط بالكرم والجود حتى غدا مرادفاً لـ ** " بيت العز " ** و " بيت الطيب والكرامة "  ، ومسكناً تُعقد فيه المجالس وتُصان فيه العهود وتُحل فيه النزاعات والعطوات العشائرية .

​عبقرية الهندسة المناخية : النسيج الذكي وعزل الصحراء :

​من أسرار بيت الشعر التي تثير الدهشة ، تلك العبقرية الفيزيائية والمناخية في طريقة صناعته . يُحاك البيت يدوياً من قِبل نساء البادية اللواتي يتوارثن هذه المهارة كإرث ثقافي غير مادي . ويُغزل من شعر الماعز الأسود أو البني الداكن  ( وهو اللون السائد نظراً لتوفر هذه الألوان في مواشي المنطقة )  مخلوطاً بصوف الغنم والوبر .

​هذا التكوين يمنح البيت ميزتين مذهلتين :

1  )  في الصيف : يتسع نسيج شعر الماعز وتظهر فيه مسامات دقيقة تسمح بمرور الهواء الساكن والضوء وتخفيف حرارة الجو الداخلية .

2  )  في الشتاء : تتمدد ألياف الصوف والشعر وتنتفخ بمجرد هطول الأمطار وارتوائها بالماء ، فتنغلق تلك المسامات تماماً وتمنع تسرب مياه الأمطار إلى الداخل ، مما يجعله دافئاً ومقاوماً للرياح العاتية .

​من طقوس المطر  " كِنْ يابيت الشعر كِنْ "  : عندما تهطل الأمطار بغزارة ، يردد أهل البادية عبارة  ( كِنْ يابيت الشعر كِنْ )  وهم يضربون جسم البيت بعصا خفيفة أثناء المطر ، والهدف الفعلي من هذه الحركة هو مساعدة خيوط الصوف والشعر على التشبع السريع بالماء لتنتفخ وتلتحم بسرعة ، فيمنع نفاذ الماء قطرة واحدة إلى الداخل .

​التشريح الهيكلي لبيت الشعر : توزيع ذكي للمساحات :

​تُحاك هذه البيوت من شرائح طولية تُسمى  " الشُّقُوق "  تُخاط معاً لتشكل السقف والجدران ، وتقوم هندسته على تقسيم اجتماعي ووظيفي دقيق يلبي احتياجات العائلة والقبيلة ، ويفصل بينهما ستارة قماشية منسوجة مزخرفة تُسمى  ( العِدّ )  أو  ( القاط )  أو  ( الساحة )  :

​1  )  ﺍﻟﺸِِﻖْ  ( بكسر الشين وتسكين القاف )  : هو القسم الرئيسي لبيت الشعر ، ويُعرف بـ  " شق الرجال "  . هو بمثابة  " المضافة "  أو ديوان العشيرة . فيه يجلس الرجال ، وتُسمع ألحان  " الربابة "  , وتُدار دلال القهوة والسمر . ويكون الشق عادةً على جهة اليمين من البيت عند معظم العشائر الأردنية .

2  )  ﺍﻟﻤْﺤَﺮَﻡ  ( بتسكين الميّم وفتح الحاء والراء )  : هو  " شق النساء "  ، ويُعد مملكة المرأة البدويّة ومكان حفظ عائلتها وأغراضها ، وسُمي بذلك لأنه يُحرم على الرجال الأجانب دخوله .

3  )  ﺍﻟﺮﻭﺍﻕ : وهو الغطاء الخلفي الممتد الذي يحمي البيت كاملاً من الخلف ويسد مهب الريح .

4  )  ﺍﻟﺮُﻓَﻪ  ( بضم الراء وفتح الفاء )  : وهي الأغطية الجانبية من اليمين واليسار  ( نهاية البيت )  ، وسُميت بذلك لأنها ترفُّ وتتحرك بفعل الرياح والأهوية الصحراوية .

​بروتول اتجاه البيت وعادات الضيافة :

​لا يُنصب بيت الشعر عشوائياً . إذ يقضي العرف البدوي والهندسة المناخية بأن يُنصب البيت بحيث يكون ظهره  ( الرواق )  باتجاه الرياح الباردة والمطر  ( غالباً الجهة الشمالية والغربية )  لحماية الساكنين . أما الواجهة الأمامية فتبقى مفتوحة تماماً باتجاه الشرق أو الجنوب لضمان دخول دفء الشمس الصباحية ، ولتكون بمثابة دعوة مفتوحة وترحيب صريح بالمارة والضيوف من مسافات بعيدة .

​ومن أخلاق وأدب الضيافة المتبعة ، ألا يدخل الضيف إلى  " شق الرجال "  من الأمام مباشرة ، بل يأتيه من الخلف أو من الجوانب ، ملقياً السلام بصوت مسموع قبل ظهوره ، وذلك احتراماً لحرمة البيت وسكانه وصوناً لخصوصية شق النساء المجاور .

ومن دقيق العادات البدوية في الضيافة ونظافة المضافة : تعليق قطعة قماش متينة وتسمى  ( المِسْيَر )  أو  ( الممسحة )  على أحد حبال البيت القريبة في الشق أو تُربط بعمود الواسط ، حيث يتناوب الضيوف وأهل البيت بعد فراغهم من تناول الطعام والمنسف البدوي الدسم على مسح أيديهم بها وتنظيفها مما علق بها من بقايا السمن الغنمي والطعام ، في بروتول توارثته الأجيال قبل ظهور المناديل الحديثة .

​المكونات الداخلية والأثاث الكامل لبيت العز البدوية :

​تكتمل هيبة بيت الشعر من الداخل بمنظومة متكاملة من الفرش والأدوات الحياتية التي تضمن العيش الكريم وتلبي متطلبات الكرم وحفظ المتاع ، وهي تتوزع كالتالي :

​أولاً : نقرة النار وأدوات صناعة القهوة  ( في الشق )  :


​ثانياً : الفراش ، البسط ، والجواعد  ( أثاث الجلوس والنوم )  :


​ثالثاً : مواضع السلاح ، اللباس ، والمعاليق العرفية :


​رابعاً : أثاث ومحتويات شق النساء  ( المحرم )  وحفظ الأطعمة :


​دلالة بقايا العظام والذبائح حول بيت الشعر :

​من المشاهدات التراثية الأصيلة التي تلفت انتباه العارفين بسير البادية ، وجود بقايا عظام الأغنام والخراف متناثرة في محيط بيت الشعر وعلى أطراف مساحته الخارجية . هذا المشهد لا يمثل عبثاً أو إهمالاً ، بل هو وثيقة اجتماعية بصرية صامتة يقرأ منها البدوي والضيف عنوان الكرم المفتوح .

​فوجود هذه البقايا بكثرة وبشكل مستمر حول البيت يعد دليلاً قاطعاً على أن  " نار الصاحب لا تخبو وعظام ذبائحه لا تجف "  ؛ وهي رسالة لعيون المارة وعابري السبيل من القبائل الأخرى تعكس الملاءة والجاه والقدرة على استقبال جموع الضيوف وقراهم في كل وقت وحين ، وتدل على منعة العشيرة ومحافظتها على الموروث الأصيل في نصرة الملهوف وإطعام الطارق ، حتى غدت هذه البقايا معياراً ورموزاً يتفاخر بها أهل البيوت العامرة بالطيب .

​الفضاء الخارجي المحيط ببيت الشعر : منظومة "الفِناء" وتوزيع الحلال :

​لا تكتمل هندسة بيت العز البدوي بمجرد نصب جدرانه وأعمدته ، بل إن الفضاء الخارجي المحيط بالبيت  ( الفناء أو المراح )  يُنظم بأعراف دقيقة وقواعد هندسية صارمة تُوزع فيها أماكن الدواب والمواشي  ( الحلال )  بما يضمن الأمن ، السكينة ، وحسن الضيافة . وقد قُسّم هذا المحيط الحيوي إلى مناطق محددة لكل منها اسم ووظيفة في العرف البدوي :

​أولاً : مَربط الخيل  ( المَعْقَل أو المِقْود )  : رمز الفخر والجاهزية :

​الخيل عند البدوي هي عنوان الفخر ، والمنعة ، والجاهزية للذود عن الحمى . لذلك ، يحظى مربط الخيل بعناية فائقة ويخضع لبروتوكول صارم في مكان اختياره :


​ثانياً : المُرَاح  ( مَبْرك الإبل وضِجاع الذَّود )  :

​الإبل هي  " سفينة الصحراء "  وعماد ثروة البدوي وعصب حياته وتنقله ، لذا خُصص لها الفضاء الأوسع في محيط البيت :


​ثالثاً : المَراح والتَّصْريب  ( حظائر الغنم والماعز )  :

​تمثل الأغنام والماعز مصدر الرزق اليومي للبيت البدوي من حليب ، وسمن ، وجميد ، بالإضافة إلى كونها مصدر  " القِرى "   ( الذبائح )  للضّيوف . ولأنها تحتاج إلى رعاية ومحواة مستمرة ، فقد وُزعت في المحيط كالتالي :


​رابعاً : مَعاطف الحطب والماء والموجُودات الخارجيّة :


​أعمدة البيت : دلالات القوة والمكانة الاجتماعيّة :

​تُرفع هذه البيوت بواسطة أعمدة خشبية قوية يتراوح طولها بين 2 إلى 2,5 متر ، وقد تصل في البيوت الكبيرة إلى 3 أمتار . ولكل عمود في البيت اسم ودلالة تشير إلى موقعه الاجتماعي والفيزيائي الفارق ، حيث تنقسم هذه الأعمدة كالتالي :

​1  )  الواسط : وهو العمود الذي يوضع في وسط البيت وهو أطول الأعمدة جميعاً ، ويمثل عماد البيت الرئيسي والركيزة العرفية والفيزيائية التي يرتكز عليها الثقل الأكبر .

2  )  المِقْدم  ( ويُلفظ مِجْدِم )  : وهو العمود الذي يوضع في مقدمة البيت عند الطرف الأمامي ، ويمثل واجهة البيت ومستقبل القادمين والضيوف .

3  )  الميْخر  ( بتسكين الياء وفتح الخاء )  : وهو العمود الذي يوضع في مؤخرة البيت عند الطرف الخلفي ، ويمثل عمود التثبيت الأساسي الحامي للبناء من الخلف .

4  )  الكاسر : وهو العمود الذي يوضع في نهاية البيت من جهة المحرم ، وسُمي بذلك في العرف لأن موضعه يكون من جهة النساء الكسيرات  ( بمعنى المحميات بالعرف واللواتي تجب حمايتهن وصونهن )  .

5  )  العامر : وهو العمود الذي يوضع في نهاية طرف البيت من جهة الشق ، وسُمي بالعامر دلالة على وجوده في موضع عامر بالخير ، والكرامة ، والقهوة العربية ، وبشاشة الوجه للقرير والضيف .

​ويدعى كل عمود يقع على جانبي البيت بارتفاعات أقل باسم  ( الشُّعبَة )  .

​حجم البيت ومكانة صاحبه في العرف :

​تنعكس وجاهة البدوي ومكانته الاجتماعية بشكل مباشر على عدد أعمدة وسطه  ( الأواسط )  . فالبيت الذي يحتوي على واسط واحد يُسمى  ( قطبة )  , وإذا احتوى على واسطين يسمى  ( مدوبل )  أو  ( صهوة )  , وإذا احتوى على ثلاثة يسمى  ( مثولث )  , والأربعة  ( مربوع )  , والخمسة  ( مخومس )  .. وصولاً إلى المشدّد والمثمن . كلما زاد عدد الأعمدة ، دلّ ذلك على كبر مساحة البيت وعلوّ شأن صاحبه وقدرته المالية والاجتماعية على استضافة جموع القبيلة وعابري السبيل .

​بيت الشعر في التاريخ والوجدان الإنساني : ميسون الكلبية نموذجاً :

​تتجلى قيمة بيت الشعر في الوجدان العربي كرمز للحرية والأنفة العشائرية ، حتى أفضله أبناء البادية على قصور الملوك وحواضر عمرانهم . ولعل الشاهد التاريخي الأبرز على هذا العشق ، هو ما جرى مع السيدة ميسون بنت بحدل الكلبية ، عندما تزوجها أمير المؤمنين الخليفة معاوية بن أبي سفيان ، ونقلها من حياة البادية البسيطة إلى دمشق عاصمة الخلافة الأموية ، وأسكنها في الماجد من القصور المنيفة والرياش الفاخر .

​ورغم رغد العيش والترف ، إلا أن ميسون حنّت إلى موطنها وأصالتها ، فضاق صدرها بزخارف القصور وبهرجها ، واشتاقت إلى بيت الشعر وحياة البرية الفسيحة والرياح التي تلفح جوانبه ، فأنشدت أبياتها التاريخية الخالدة التي تعبر عن رغبتها وتحفظ طبعها البدوي الأصيل قائلة :

​لَبَيْتٌ تَخْفِقُ الأَرْوَاحُ فِيهِ .. أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَصْرٍ مُنِيفِ

وَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي .. أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ

وَأَكْلُ كِسَيْرَةٍ فِي كِسْرِ بَيْتِي .. أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَكْلِ الرَّغِيفِ

وَأَصْوَاتُ الرِّيَاحِ بِكُلِّ فَجٍّ .. أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَقْرِ الدُّفُوفِ

... وَكَلْبٌ يَنْبَحُ الطُّرَّاقَ دُونِي .. أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قِطٍّ أَلُوفِ

​بيت الشعر في عيون الشعراء :

​ولم يكن بيت الشعر ملهماً لميسون وحدها ، بل ظل محوراً لقصائد الفخر والاعتزاز بحياة البر والحرية عبر العصور . ومما قاله الشاعر عودة البلوي واصفاً هذه المكانة العالية :

​بـيـت الـشـعـر عـز وفـخـر ومـقـيـال .. يـجـمـع نـفـوس طـيـبـات الـمـنـال

بـيـت عـامـر بـالـفـنـاجـيـن ودلال .. ونـجـرن يـنـادي لـلـمـسـايـيـر حـال

يـا مـا حـلـى جـمـع الـنـشـامـى والأشـمـال .. مـسـكـانـهم بـالـبر عـز الـرجـال

وقـت الـرّبـيـع وشـوفـه تـسـعـد الـبـال .. فـيـه الـنـشـامـى حـايـشـيـن الـحـلال

وصـلاة ربـي مـنـزل آيـات الأنـفـال .. عـلـى مـحـمـد عـد نـجـم الـلـيـال

​وعلى هذا الإيقاع الذي يفوح برائحة الهيل والقهوة العربية الأصيلة ، يبقى بيت الشعر في الأردن والجزيرة العربية شاهداً حياً على نمط حياة قاوم الحداثة وظل محافظاً على رمزيته . فهو ليس مجرد مسكن متنقل ، بل هو مدرسة تُوارث فيها القيم البدوية ، وتُصان فيها الذمم .

​المصادر والمراجع :

​1  )  مدونة التراث الثقافي الأردني غير المادي - وزارة الثقافة الأردنية .

2  )  وكالة الأنباء السعودية  ( واس )  - تقرير وثائقي بعنوان :  " بيت الشَّعَر .. خيوط من صوف تنسج تاريخ البادية "  .

3  )  جريدة الرياض السعودية - دراسة ميدانية بعنوان :  " شق النساء في بيت الشعر مملكة المرأة ومكان حفظ زينتها "  .

4  )  موقع التقرير العربي - دراسة إثنوغرافية بعنوان :  " حكاية بيت الشَّعْر في التراث والعادات البدوية العربية "  .

5  )  وكالة الأنباء الكويتية  ( كونا )  - التقارير الثقافية المعنية بالحياة البدوية في المشرق العربي .

قائمة المصادر والمراجع

  1. المصادر والمراجع :
  2. ​1  )  مدونة التراث الثقافي الأردني غير المادي - وزارة الثقافة الأردنية .
  3. 2  )  وكالة الأنباء السعودية  ( واس )  - تقرير وثائقي بعنوان :  " بيت الشَّعَر .. خيوط من صوف تنسج تاريخ البادية "  .
  4. 3  )  جريدة الرياض السعودية - دراسة ميدانية بعنوان :  " شق النساء في بيت الشعر مملكة المرأة ومكان حفظ زينتها "  .
  5. 4  )  موقع التقرير العربي - دراسة إثنوغرافية بعنوان :  " حكاية بيت الشَّعْر في التراث والعادات البدوية العربية "  .
  6. 5  )  وكالة الأنباء الكويتية  ( كونا )  - التقارير الثقافية المعنية بالحياة البدوية في المشرق العربي .