يستحضر المقال براءة الطفولة وأحلامها البسيطة، مقارناً إياها بواقع الحياة المعقد تعبيراً عن شدة الحنين إلى الماضي.

زمن البراءة المفقود .. لماذا نشتاق إلى عالم رسمناه بخمسة دنانير؟

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​تأخذنا أحياناً عاصفة الحنين إلى الوراء ، فنقف على أطلال طفولةٍ عبرت ، لا ندرك حينها هل نبتسم لأن الذكريات كانت تفيض بالجمال ، أم نبكي لأن قطار الماضي مضى ولا يعود؟ في ذلك الزمن البعيد القريب ، عشنا في ثنايا براءةٍ شكلت وعينا الأول ، ورسمنا للعالم لوحةً بسيطة ، لم نكن نعلم أن الأيام ستتكفل بتعقيد تفاصيلها .

​فلسفة الطفولة : سقف من الأحلام البسيطة :

​في صغرنا ، كانت الأشياء تُقاس بمقاييس لا تعرف زيف الحياة ، كنا نؤمن بيقينٍ تام أن جميع الأصدقاء أوفياء لا يغدرون ، وأن ذلك المنزل الصغير الذي كنا نبالغ في رسم مدحنته وتتصاعد منها خطوط الدخان الزرقاء على دفاتر الرسم هو بيتٌ رخيص الثمن يمكن لأي منا امتلاكه . كان  " القلب الأحمر "  المطبوع في المجلات أو المحفور على المقاعد الدراسية ، والذي يخترقه سهمٌ خطته أقلامنا ، هو التجسيد الحقيقي والوحيد لمفهوم الحب .

​لم تكن الفلسفة حينها معقدة ، بل كانت طوع بناننا ، نصطنع السعادة بأبسط التفاصيل ، نلتهم قطعة المثلجات في وضح النهار ، وحين تؤلمنا أسناننا من شدة البرودة ، كنا نُسرف في الضحك هرباً من الوجع ، في بروتولٍ طفولي عفوي يعكس قدرتنا على تجاوز الألم بالبهجة .

​معارك وهمية وأوجاع بطعم الشوكولاتة :

​إذا ما فتشنا في دفتر  " أعظم الأوجاع "  في ذلك الوقت ، لم نكن نجد سوى وخزة إبرة الطبيب ، أو ثقل الاستيقاظ الباكر للذهاب إلى المدرسة . كانت عذابات الانتظار تتلخص في ترقب الحلقة القادمة من مغامرات  " المحقق كونان "  ، ولم يكن في مخيلتنا اتساعٌ لشرٍّ أكبر من شر  " شرشبيل "  ، ولا خطرٌ يفوق قسوة  " الآنسة منشن "  .

​أما في قاموس الأخلاق الطفولية ، فكانت  " أكبر الخيانات "  هي أن يسرق أحدهم قطعة الشوكولاتة الخاصة بك من الحقيبة ، بينما تتربع على عرش  " أعظم الأحلام "  ثروةٌ خيالية نقدرها في وجداننا بخمسة دنانير ، نرى فيها مفتاحاً لشراء العالم بأسره .

​كنا نعيش في عالمٍ ورديّ ، تؤكد فيه الحكايات أن جميع قصص الحب تنتهي حتماً بزواج الأميرة من فارسها ، وأنه لا وجود للنهايات الحزينة في هذا الكون .

​مواجهة الواقع : هل تغير العالم أم تغيرنا نحن؟ :

​مع مرور السنين ، نكتشف أن المدخنة التي رسمناها باتت تكلف عمراً من الشقاء ، وأن القلوب المطعونة بالسهام تدمي أصحابها في الواقع ، وأن الخيانات لم تعد تقف عند حدود قطعة شوكولاتة ، بل تتعداها إلى مواقف تزلزل الثقة والوجدان . نكتشف أن  " شرشبيل "  و " الآنسة منشن "  لم يكونوا سوى رموزٍ مبسطة لشخوصٍ ومواقف نلتقيها في معترك الحياة اليومية بملامح أكثر تعقيداً وقسوة .

​إن الحنين إلى تلك الأيام ليس مجرد رغبة في استعادة زمنٍ ولى ، بل هو توقٌ إلى النقاء والبساطة التي افتقدناها في زحام الماديات والمسؤوليات . يبقى ذلك الماضي مدرسةً نعود إليها كلما أرهقتنا تفاصيل الحاضر ، لنستمد من براءتها طاقةً تعيننا على مواصلة المسير ، محتفظين بابتسامةٍ دافئة لذكرى أيامٍ عشناها بكامل قلوبنا .

قائمة المصادر والمراجع

  1. المصادر والمراجع :
  2. ​1  )  التجربة الذاتية الحية لكاتب المقال والمستندة إلى ذكريات الطفولة العفوية .
  3. 2  )  المشاهدات الإنسانية والمعايشة الشخصية الممتدة عبر السنين الطويلة وتراكم الأعوام .
  4. 3  )  دروس مدرسة الحياة المختلفة ومواقف المعترك اليومي التي صقلت الفارق بين زمن البراءة والواقع الحالي .