يستعرض المقال جذور قبائل المردة والموارنة وتاريخهم السياسي والعسكري والجيوسياسي في جبل لبنان .
السور النحاسي ومردة جبل لبنان : بين أساطير التاريخ ووقائع الجغرافيا
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
في ذاكرة المشرق العربي والحكايات الكبرى ، تتداخل التاريخ بالأسطورة لتنسج ملاحم عن البقاء والتحصن . وحين يُطرح اسم ( قبائل المردة ) ( الجراجمة ) مقترناً بـ ( السور النحاسي ) ، تتبادر إلى الذهن فوراً صورة الجبال الوعرة التي تقف كالدرع المنيع ، وتتداعى إلى الذاكرة حكايات المحاربين الأشداء الذين اتخذوا من أعالي جبل لبنان وأطراف الشام معقلاً وملاذاً . فما هو أصل هذا الوصف ، وكيف تشكلت هذه الإثنوغرافيا العسكرية والسياسية في صدر الإسلام ؟
الأصل والنشأة والتموضع :
ظهر اسم ( المردة ) أو ( الجراجمة ) كمجموعات مقاتلة شبه مستقلة استقرت في جبال لبنان والمرتفعات الشمالية وصولاً إلى حدود الأمانوس . ويُطلق مصطلح ( المردة ) أو ( المردائيتاي ) على المقاتلين الأشداء الذين استوطنوا جبل لبنان ، حيث تشير التسمية لكونهم جماعات عسكرية متمردة وخارجة عن طاعة الدولة الأموية ، متخذة من تضاريس الجبل الوعرة معقلاً وقاعدة لشن غاراتها . وفي سياق الدراسات التاريخية والاجتماعية ، ارتبط وجود هذه المجموعات بـ ( الموارنة ) الذين ترتبط جذورهم الأولى بشمال بلاد الشام حول دير الراهب السرياني القديس مارون ، قبل أن ينتقل أتباعه وتلاميذه لاحقاً إلى جبل لبنان هرباً من النزاعات والضغوط الدينية ، مؤسسين كيانهم الديني والثقافي عبر القرون في ظل العهود الإسلامية المتعاقبة ( الأموية والعباسية ) ، وصولاً إلى أدوارهم المحورية في تاريخ لبنان الحديث ومتصرفية جبل لبنان وتأسيس لبنان الكبير ، فضلاً عن تواجدهم التاريخي في فلسطين .
الاتفاقية والإنهاء السياسي ( 685 م - 689 م ) :
مع تولي الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان مقاليد الخلافة عام 685 م ، وتأزم الأوضاع الاقتصادية والعسكرية جراء هجمات المردة المستمرة على أراضي الشام ، لجأ الخليفة إلى الدهاء السياسي للتخلص من هذا الكواسر العسكري ، حيث :
1 ) نجح الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان في مفاوضة الإمبراطور البيزنطي يوستينيانوس الثاني وإقناعه بخذلان المردة وإجلائهم ، مستغلاً ضعف بصيرة خصمه السياسي ومفاتحته في أمرهم .
2 ) أفضت الاتفاقية والضغوط إلى إجلاء ونفي نحو 12,000 من المردة من جبال لبنان وتلال الشام إلى داخل أراضي الإمبراطورية البيزنطية مثل أرمينية وتراقيا ، للحد من نفوذهم المستقل وإضعاف شوكتهم ، وتوصل الطرفان لصلح مدته عشر سنوات يتعهد فيه الإمبراطور بالحؤول دون أي غزو مستقبلي .
( السور النحاسي ) .. مقولة ثيوفانس ودلالاتها :
يُعد ( السور النحاسي ) تعبيراً مجازياً خلّده المؤرخ البيزنطي ثيوفانس لوصف جبل لبنان بطبيعته الجغرافية الوعرة وحصونه الطبيعية التي شكلت درعاً منيعاً للموارنة . وفي سياق أوسع ، استُخدم هذا الوصف للإشارة إلى ( المردة ) أنفسهم كقوة دفاعية بيزنطية ( خط دفاع بشري صلب ) تحمي حدود الإمبراطورية من الجانب الأموي . وعبر ثيوفانس عن غضبه إزاء قرار إمبراطوره يوستينيانوس الثاني بالإجلاء قائلاً إنه ( هدم بيديه السور النحاسي المنيع ) ، معتبراً أن هذا القرار قد أزال الحاجز الذي كان يحمي آسيا الصغرى ، مما فتح الباب أمام الفتوحات والغزوات الإسلامية اللاحقة ، وغيّر الخريطة الجيوسياسية للمنطقة برمتها .
العلاقات الدولية وأدوار البقاء :
لم تكن علاقة المردة والموارنة بالقوى الدولية مجرد صدفة ، بل كانت استراتيجية واقعية لضمان البقاء في بيئة مضطربة :
ما بعد الأمويين : الاستمرارية والتحولات المعاصرة :
بعد انقضاء العهد الأموي ، اتخذ الموارنة من وعورة جبل لبنان حصناً طبيعياً للحفاظ على خصوصيتهم الدينية والثقافية ، مستغلين التضاريس الصعبة التي وفرت لهم نوعاً من الاستقلال الذاتي النسبي خلال العهود العباسية وما تلاها من عصور إسلامية . وعلى امتداد هذه العصور ، تحول وضعهم من جماعة دينية سريانية تركزت حول ( دير مار مارون ) إلى كيان اجتماعي وسياسي لعب أدواراً محورية في صياغة تاريخ لبنان الحديث ، وصولاً إلى دورهم في تأسيس ( لبنان الكبير ) . أما في العصر المعاصر ، فقد ترسخ وجود الموارنة كجماعة دينية مسيحية مشرقية لها حضورها الثقافي والسياسي والوطني المتميز ، حيث انتقل ثقلهم من دور ( المدافعين عن الحدود ) إلى دور ( الشركاء في بناء الهوية الوطنية ) ، مستمرين في تقديم نموذج فريد للتعايش والانفتاح في المنطقة ، مع الحفاظ على إرثهم التاريخي الذي يمتد بجذوره إلى عمق التاريخ السرياني والشرقي .

ملاحظات إضافية
قائمة المصادر والمراجع : المصادر التاريخية القديمة والوسيطة : 1 ) ثيوفانس المعترف . تاريخ ثيوفانس ( الوقائع البيزنطية ) . 2 ) البلاذري ، أحمد بن يحيى . فتوح البلدان . بيروت : دار الكتب العلمية . 3 ) الطبري ، محمد بن جرير . تاريخ الرسل والملوك . بيروت : دار التراث . المراجع والدراسات التاريخية الحديثة : 4 ) حتي ، فيليب خليل . تاريخ لبنان : من أقدم العصور التاريخية إلى المعاصرة . بيروت : دار الثقافة . 5 ) العقيقي ، بولس . المردة والموارنة في التاريخ . بيروت : المطبعة الكاثوليكية . 6 ) دائرة الدراسات السريانية ، مادة ( الموارنة في التاريخ ) . 7 ) دراسات وأبحاث جامعة الأقصى ( مجلة الروم ) ، مقالات محكمة في العلاقات الأموية-البيزنطية . 8 ) المرجع الإلكتروني للمعلوماتية ، دراسات في سياسة عبد الملك بن مروان الخارجية . 9 ) شبكة أخبار البلد ، مقال ( الموارنة في فلسطين ) بقلم : حنا عيسى . 10 ) الموسوعة الحرة ( ويكيبيديا ) ، مادة ( موارنة ) . 11 ) ملاحظات ومعلومات تاريخية ( سياق تاريخ الموارنة ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.