تجسد المخافر الإنجليزية القديمة في الأردن إرثاً معمارياً وتاريخياً يوثق مرحلة تأسيس الدولة وفرض الأمن في البادية ، حيث تتنوع حالاتها اليوم بين مقرات أمنية عاملة ، ومعالم سياحية ، وأبنية تراثية تنتظر الترميم .
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تظل الصحراء الأردنية بجمالها المهيب شاهدة على تحولات تاريخية كبرى ، رسمت ملامح الدولة الأردنية الحديثة . وفي قلب هذه الرمال ، ترتفع قلاع حجرية شامخة ، ليست مجرد أبنية صماء ، بل هي فصول من حكاية الأمن والاستقرار التي بدأت قبل نحو قرن من الزمان . إنها " المخافر الإنجليزية " ، تلك الأيقونات المعمارية التي ولدت من رحم الانتداب البريطاني ، لتتحول إلى ركائز أساسية في بناء هوية البادية الأردنية .
فجر التأسيس : من العشوائية إلى التنظيم
في بدايات تأسيس إمارة شرق الأردن ، واجهت الدولة الناشئة تحديات أمنية كبيرة في ضبط مساحات الصحراء الشاسعة . ومع بزوغ عام 1930 م ، بدأت مرحلة جديدة كلياً حين تولى " جون باجوت غلوب " ( غلوب باشا ) قيادة قوة البادية . ومن هنا ، انطلقت شرارة البناء ، فلم تعد المهمة مجرد حراسة ، بل أصبحت بناء مراكز سيادة ثابتة ، صُممت بأيدٍ هندسية بريطانية لتكون قلاعاً حصينة تفرض هيبة القانون في أقصى نقاط الدولة .
الخريطة الشاملة : التوزيع الجغرافي
توزعت هذه القلاع والحصون عبر خريطة الأردن لتغطي كافة المحاور الاستراتيجية والجغرافية للمملكة :
- محور الشمال ( إربد والمفرق والحدود الشمالية ) : شُيدت هذه المخافر لتأمين الحدود الشمالية والسيطرة على المعابر والسهول ، واستُخدم في كثير منها الحجر البازلتي الأسود . وتضم في محافظة إربد ( مخفر الرمثا ) ، و ( مخفر الحصن ) الذي أُقيم لتأمين جنوب إربد والطرق المؤدية للعاصمة ، و ( مخفر سد وادي العرب ) الواقع بالقرب من السد لتأمين منطقة الشفا والأغوار الشمالية ، وغيرها من المخافر والشرط المنتشرة بالقرى الحدودية . أما في محافظة المفرق فبرز ( مخفر دير الكهف ) في أقصى الشمال الشرق ، و ( مخفر إم القطين ) ، و ( مخفر المدور ) على الطرق الحدودية ، و ( مخفر حوشا ) لتأمين القرى والبادية الغربية للمفرق ، إضافة إلى ( مركز قوة الحدود في المفرق ) بالقرب من القاعدة الجوية القديمة ، وغيرها من المخافر .
- محور الجنوب ( العمق الصحراوي والحدود الجنوبية ) : تضم هذه المنطقة الأيقونات المعمارية الأبرز لقوة البادية . ومنها ( مخفر وادي رم ) المبني عام 1932 م من الحجر الرملي ، و ( مخفر باير ) شرق معان بأبراجه الدائرية الشهيرة ، و ( مخفر الجفر ) في قلب الصحراء الجنوبية ، و ( مخفر المدورة ) في أقصى الجنوب على الحدود السعودية ، وغيرها من المخافر .
- محور الشرق ( خط النفط IPC والحدود الشرقية ) : تم بناء هذه السلسلة لحماية خط أنابيب النفط ( كركوك - حيفا ) والمنافذ الشرقية . وتضم ( مخفر الرويشد / H4 ) في أقصى الشرق ، و ( مخفر الصفاوي / H5 ) على طريق بغداد الدولي ، و ( مخفر الأزرق الجنوبي ) ، وغيرها من المخافر .
- محور الغرب والوسط ( الشريط الغربي والمرتفعات ) : تركزت لتأمين المنافذ والمعابر والحدود الغربية . ومن أبرزها ( مخفر ناعور ) غرب العاصمة ، و ( مخفر ماركا ) شرق عمان ، و ( مخفر سويمة ) في الأغوار ، وغيرها من المخافر .
واقع المخافر اليوم : بين الاستخدام الأمني والتوظيف السياحي والإهمال
تباينت مصائر هذه المخافر التاريخية في وقتنا الحاضر ، لتنقسم حالتها الواقعية اليوم إلى ثلاثة مسارات رئيسية تعكس تحولات الدولة والمجتمع :
- مراكز أمنية عاملة : لا يزال عدد من هذه القلاع يؤدي وظيفته الأمنية الأصلية كمقرات تابعة لمديرية الأمن العام ( قيادة شرطة البادية الملكية ) ، حيث دُمجت مع التقنيات الحديثة مع الحفاظ على هيكلها الحجري القديم ، كما هو الحال في ( مخفر الجفر ) و ( مخفر باير ) .
- معالم سياحية وتراثية : تحولت بعض المخافر إلى أيقونات سياحية ومراكز للزوار ، وأبرزها ( مخفر وادي رم ) الذي يزوره السياح من كافة أنحاء العالم لجمال تصميمه واندماجه مع الطبيعة الرملية ، وكذلك ( مخفر الأزرق ) الذي أصبح جزءاً من المسار السياحي للمنطقة .
- أبنية مهجورة تنتظر الترميم : تعاني بعض المخافر النائية ، خاصة تلك المرتبطة بخط النفط القديم أو الواقعة في أطراف البادية الشمالية مثل ( مخفر دير الكهف ) وبعض محطات ( H4 ) و ( H5 ) ، من التصدعات وعوامل التعرية والإهمال ، مما يتطلب تدخلاً من دائرة الآثار العامة لإدراجها ضمن برامج الترميم الوطني وحمايتها من الاندثار .
العمارة كرسالة : أكثر من مجرد حجارة
إن الناظر لهذه المخافر يدرك أنها صُممت لتكون مراكز إشعاع ، فبالإضافة لوظيفتها العسكرية ، ضمت هذه القلاع عيادات طبية صغيرة ، وغرفاً لاستقبال شيوخ العشائر ، وآباراً لجمع مياه الأمطار . لقد كانت " البيوت الأولى " للدولة في قلب الصحراء ، حيث اختلطت فيها الخبرة الهندسية الإنجليزية بروح الشجاعة الأردنية .
إن هذه المخافر الإنجليزية القديمة ، الصامدة في وجه الريح والزمن ، هي أكثر من مجرد أبنية وظيفية اليوم . إنها سجلات مكتوبة بالحجر ، توثق قصة كفاح الأردنيين في تحويل الصحراء الموحشة إلى واحة للأمن . إن الحفاظ على هذا الإرث المعماري ، وإعادة تأهيل ما تهدم منه ، هو واجب وطني لتبقى هذه القلاع منارات تحكي للأجيال القادمة كيف بنيت مداميك الوطن الأولى بعزيمة لا تلين .




قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) غلوب ، جون باجوت . " حياتي في المشرق " . لندن ، 1957 م .
- 2 ) موسى ، سليمان . " تاريخ الأردن في القرن العشرين " . عمان ، منشورات وزارة الثقافة .
- 3 ) دائرة الآثار العامة الأردنية . " السجل الوطني للمباني التاريخية في البادية " .
- 4 ) اللوزي ، نايف . " قوة البادية الملكية : النشأة والتطور " . عمان ، 2005 م .
- 5 ) أرشيف شركة نفط العراق ( IPC ) . " سجلات حماية خطوط الأنابيب في شرق الأردن " .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.