تُعد مهنة الدلال مؤسسة تاريخية عريقة تجاوزت الوساطة التجارية لتلعب دوراً محورياً في نقل الأخبار والبلاغات الرسمية والاجتماعية عبر العصور .
مهنة الدلال في نقل الأخبار والتوجيه المجتمعي : الجذور التاريخية والتحولات المؤسسية
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُعد مهنة " الدلال " أو " الدلالة " ( المعروفة تاريخياً واقتصادياً بالسمسرة ) إحدى أهم المؤسسات الشعبية العريقة التي عرفها العرب منذ مئات السنين كوساطة أمينة بين البائع والشاري ، ولم تقتصر هذه المهنة على الأبعاد الاقتصادية البحتة المرتبطة ببيع السلع والعقارات والحيوانات في الأسواق المحلية ، بل تجاوزتها لتلعب دوراً محوريّاً في منظومة الاتصال ونقل الأخبار . ففي مرحلة اتسمت بالأمية الواسعة وغياب وسائل الإعلام الحديثة ، اعتمد الدلال على حسن السمعة ، وقوة الإقناع ، ومعرفة أسعار السوق بدقة ، ليكون الوسيط الإعلاني والإعلامي الشفهي الأول في الأسواق والأحياء العربية ، رابطاً بين أروقة الإدارة وتفاصيل الحياة اليومية في الحواضر والقرى والبوادي .
أولاً : الناطق الرسمي للبلاغات الحكومية والفرمانات العثمانية :
في ظل التنظيمات الإدارية العثمانية المستحدثة بعد عام 1864 م وتشكيل المتصرفيات والأقضية في بلاد الشام وعموم الأقطار العربية ، واجهت السلطات تحدياً حقيقياً في إيصال القوانين والقرارات إلى الأهالي في التجمعات الريفية والبادية . وكان الحل الإداري المباشر هو الاعتماد الكلي على منادي البلدة أو الدلال .
وكان الدلال يحمل تكليفاً ضمنياً أو رسمياً من القائم مقام أو مدير الناحية للوقوف في الساحات العامة والأسواق المركزية ، ليبدأ نداءه بعبارات استهلالية تفرض الهيبة والاهتمام مثل : " يا أهالي الدار ... اسمعوا ما قيل ويقال " . وتضمنت البلاغات الرسمية التي ينقلها :
1 ) إبلاغ السكان بقرارات وتعليمات السلطات أو البلديات وفرض الضرائب ورسوم الأغنام والأشجار .
2 ) أوامر النفير العام والخدمة العسكرية الإجبارية المعروفة تاريخياً بـ ( السفربرلك ) .
3 ) البلاغات الأمنية وقرارات الحكام الإداريين المتعلقة بمنع التجول أو تسليم الفارين من التجنيد .
ثانياً : السلطة الإخبارية والمهام التجارية في الفضاء الاجتماعي :
لم يقتصر دور الدلال على البلاغات السياسية ، بل امتد ليغطي النسيج الاجتماعي بجميع تفاصيله ، حيث كان المصدر الأول لشؤون العبادة والاجتماع والأفراح والأتراح . وتجلت هذه الأدوار في جانبين رئيسيين :
1 ) إذاعة الأحداث الطارئة والدعوات : التنبيه من الأخطار ، ونقل أخبار الاجتماعات العامة والوفيات والمفقودات ، حيث كان الدلال يجوب حواري البلدة صائحاً بأسماء المتوفين ومواعيد التشييع ، أو يبحث عن الحيوانات الضالة ( مثل الإبل والدواب التي تعد عصب الاقتصاد المعيشي ) مقابل أجر رمزي أو عينية تعرف بـ " حلوان الدلال " ، إضافة إلى تكليفه بدعوة أهالي القرى المجاورة لحضور ولائم الأعراس الكبرى .
2 ) الترويج التجاري وقيادة المزادات : مناداة الأسعار وفتح المزادات العلنية للسلع والماشية والعقارات في الأسواق الشعبية المعروفة بأسواق الأغنام أو " الماكف " . ويكون للدلال في هذه المزادات الكلمة النهائية ، مستخدماً صوته الجهوري ، وحركات يديه ، وتعابير وجهه للترويج للسلعة وجذب انتباه المشترين . وتتعدد تسميات الممارسين بحسب المناطق ، فتُعرف بالسمسرة في حمص وحماه ، وبالمزايدة في دير الزور . وفي الفقه الإسلامي ، تُعتبر الدلالة من أعمال السسمرة والوساطة المشروعة التي لا بأس بها ، شرط خلوها من الكذب والغش وعدم كتمان عيوب السلعة ، حيث يستحق فيها الدلال أجره كاملاً بتمام عمله واستيفاء الشروط المعتبرة كضمانة لحفظ الحقوق وتوثيق المعاملات في دفاتر خاصة .
ثالثاً : صفات الدلال والانتشار الجغرافي للمهنة في العصر العثماني :
تطلبت مهنة الدلال مواصفات شخصية وبدنية دقيقة لتترسخ مكانته كواحد من أبرز وجوه الحياة العامة ، وتمثلت أبرز ركائز شخصيته في :
1 ) قوة الصوت وخفة الحركة : امتلاك حنجرة قوية وصوت جهوري ومجلجل يصل إلى أبعد نقطة دون مكبرات صوت ، إلى جانب الفطنة وسرعة البديهة والجرأة في ملاقاة الناس .
2 ) الأمانة والمصداقية : التمتع بسمعة طيبة لدى الأهالي والتجار لضمان قبول أخباره ومعاملاته وعلاقاته الواسعة ، إذ قامت المهنة أساساً على الكفالة والرضا بين البائع والشاري ومعرفة الأعمار والعيوب عن طريق الفحص والمعاينة .
3 ) القبول الاجتماعي والزي التقليدي : تميز بزي تقليدي أنيق يعكس هيبة المهنة ، ولباقة عالية تمنحه حصانة عرفية مجتمعية تسمح له بالمرور بين التجمعات دون عائق .
أما من الناحية الجغرافية ، فقد تدرجت المهنة بحسب طبيعة التجمعات السكانية :
1 ) في المدن الكبرى ومراكز الأقضية : كانت المهنة مؤسسية ومنتظمة بوجود دلالين رسميين للأسواق المركزية يتولون المزادات والإعلانات اليومية .
2 ) في القرى الريفية : كان يتولى المهمة شخص معروف بصوته وأمانته وعلاقاته الواسعة بكل بيت وقطعة أرض ( مثل منادي البلدة أو المختار ) يُستعان به عند الحاجة .
3 ) في المجتمعات البدوية والقبائل : كانت الأخبار تنتقل عبر المرسال أو شعراء الربابة ، بينما تستعين التجمعات القريبة من الأسواق بدلالي المواسم .
رابعاً : تحولات الدور وتطور المهنة مع انطلاقة الدولة الأردنية الحديثة :
مع تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 م وبناء مؤسسات الدولة الأردنية الحديثة ، بدأت الإدارة المركزية تنظم وسائل الاتصال العامة وتعتمد الصحف الورقية مثل صحيفة " شرق الأردن " والبلاغات المكتوبة التي توزع على المخاتير والوجهاء . ورغم هذا التحول التدريجي ودخول المذياع لاحقاً في حقبة الثلاثينات والأربعينات ، ظل الدلال يحتفظ بمكانته الحية في القرى والأرياف لسرعة وصوله وقدرته على مخاطبة وجدان الناس بلغتهم البسيطة .
وفي العصر الحديث ، ومع تطور وسائل الاتصال وظهور منصات التسويق الإلكتروني ومزادات الإنترنت ، تراجعت الصورة التقليدية للدلال المعتمد على الصوت والحراج اليدوي في الأسواق المفتوحة . وتحولت المهنة تنظيمياً إلى مكاتب وشركات منظمة تعرف بالوساطة العقارية أو التجارية ، تخضع لقوانين رسمية وأنظمة تشريعية دقيقة تحكم عمل السماسرة والدلالين ، تاركة وراءها إرثاً عريقاً يجسد أصالة التفاعل الاجتماعي في تاريخ الأردن والمنطقة العربية .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) البخيت ، محمد عدنان . ( 1989 م ) . ولاية الشام في العصر العثماني : دراسة في الوثائق الإدارية والمالية . عمادة البحث العلمي ، الجامعة الأردنية .
- 2 ) العروي ، عبد الله . ( 1997 م ) . مفهوم التاريخ ومفهوم المجتمع : دراسات في البنية التاريخية العربية . المركز الثقافي العربي .
- 3 ) الطرونة ، هنداوي . ( 2004 م ) . الحياة الاجتماعية والاقتصادية في شرقي الأردن في العصر العثماني ( 1864 م - 1918 م ) . وزارة الثقافة ، عمان .
- 4 ) السالم ، سيار الجميل . ( 1998 م ) . التاريخ الاجتماعي لبلاد الشام في القرن التاسع عشر . دار الشروق للنشر والتوزيع .
- 5 ) عبد الرحمن ، محمد . ( 2020 م ) . مقال بعنوان « الدلالة ».. مهنة عرفها العرب منذ مئات السنين تواجه الانقراض . جريدة اليوم السابع .
- 6 ) فتاوى الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ( موقع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ) وموقع إسلام ويب : أحكام السسمرة والدلالة واستحقاق الأجر بتمام العمل في المعاملات المالية .
- 7 ) تشريعات الأردن : نظام الدلالين والسماسرة العثماني .
- 8 ) المقابلات الشفوية والذاكرة الشعبية المحلية : شهادات موثقة من الرواة والأهالي في مناطق شمال الأردن ( إربد ، حوارة ، الكورة ) حول تقاليد الأسواق الشعبية وأدوار المنادين والدلالين خلال النصف الأول من القرن العشرين .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.