تُجسد ذكرى المولد النبوي الشريف محطة إيمانية متجددة لتعزيز حب النبي محمد صلى الله عليه وسلم والاقتداء بسيرته العطرة واستلهام قيمه السامية في التراحم والعدل .
أنوار في آفاق الإنسانية : ومضات متجددة في ذكرى المولد النبوي الشريف
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تُطل علينا ذكرى المولد النبوي الشريف في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من كل عام هجري ، لتكون أعظم إطلالة للرحمة الإلهية على البشرية جميعها ، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى : ( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) . لقد وُلد النبي الأمي في هذا الموسم المبارك ، والربيع هو الموسم الذي تتفتح فيه الزهور وتغرد الطيور وتحلو الحياة ، فجاء ميلاد رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم إعلاناً لربيع الإنسانية الحقيقي ، وإيذاناً بفجر جديد أخرج البشرية من ظلمات الجهل إلى أنوار الهداية .
في مدح الهادي البشير : نفحات من الشوق والثناء :
يا من جئت إلى الدنيا رحمةً مهداةً ونوراً أضاء دياجي الظلمات ، لقد عجزت الأقلام عن وصف شمائلك ، وتفطرت قلوب المحبين شوقاً لرؤياك وسماع حديثك . فكأنَّ حسان بن ثابت رضي الله عنه كان يترجم لسان حال البشرية جمعاء حين قال في مدحك :
وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قطُّ عيني *** وَأجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِّساءُ
خُلِقتَ مُبرَّءً مِن كُلِّ عَيبٍ *** كَأنّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ
وفي ذكراك العطرة تتزاحم الكلمات لترسم أسمى آيات التبجيل لصاحب الخلق العظيم ، الذي أشرقت بقدومه الأرض وارتوت بروحه العقول والقلوب ، فكيف عسانا أن نقول في ذكرى مولدك ونحن نردد :
أرى كل مدح في النبي مقصرا *** وإن بالغ المثني عليه وأكثرا
إذا الله أثنى في الكتاب المنزل *** عليه فما مقدار ما تمدح الورى
محطات مشرقة من السيرة النبوية العطرة :
ولد النبي محمد بن عبد الله في مكة المكرمة في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل ( 571 م ) . نشأ يتيم الأب وتوفيت أمه السيدة آمنة بنت وهب وهو في سن السادسة ، فكفله جده عبد المطلب ، ثم عمه أبو طالب بعد وفاة الجد . عُرف منذ صغره بالصادق الأمين ، وعمل برعي الأغنام ثم بالتجارة ، وتزوج السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها في الخامسة والعشرين من عمره ، حتى نزل عليه الوحي وهو في سن الأربعين بعد تعبده في غار حراء ، ليهاجر لاحقاً إلى المدينة المنورة ، وينتقل إلى جوار ربه في الثاني عشر من ربيع الأول في العام الحادي عشر من الهجرة .
جذور الاحتفال التاريخية ومشروعيته الفقهية :
يُعد الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف بقراءة شيء من القرآن ، وذكر شمائله العطرة ، وإظهار السرور والفرح بنعمة الله ، أمراً حسناً لا حرج فيه عند عامة الفقهاء وأئمة السلف ، متى ما خلا من البدع المنكرة . وتعود جذور توثيق هذا الاحتفال إلى أقدم المصادر التاريخية التي ذكرها الرحالة محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي في رحلته ، حيث أشار إلى فتح منزل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ودخول الناس للتبرك به في كل يوم اثنين من شهر ربيع الأول .
أما تاريخ ظهور الاحتفال المنظم وتوسيعه جماهيرياً ، فيُعد الملك المظفر أبو سعيد كوكبري ( ملك إربل وشمال العراق ) أول من أظهر الاحتفال الرسمي بذكرى المولد النبوي الشريف في أوائل القرن السابع الهجري ، إذ كان يقيم احتفالاً ضخماً وهائلاً في شهر ربيع الأول بحضور كبار العلماء والفقهاء والصوفية وأعيان الدولة ، وتُصرف فيه الأموال والصدقات والولائم الكبرى . وقد استحسن هذا العمل كبار علماء الأمة عبر العصور ، كالحافظ ابن دحية ، والحافظ ابن حجر العسقلاني ، والحافظ السيوطي ، والشيخ محمد الخضر حسين ، وغيرهم ممن أكدوا أن إحياء هذه الذكرى تعبير صادق عن المحبة والتعظيم لجاه النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم .
خمسة أسباب للاحتفال بمولد النبي ﷺ - احكِ لأولادك عنها :
إيماناً بأهمية غرس حب النبي في نفوس الأجيال ، تبرز خمسة أسباب نبوية وتاريخية تستحق الاستحضار والحديث عنها مع الأبناء :
1 ) سنة الاحتفال النبوي باليوم : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحتفل بيوم مولده الشريف بصيام يوم الاثنين من كل أسبوع شكراً لله تعالى على نعمة الإيجاد والهداية .
2 ) التعليل النبوي الشريف : عندما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب صيامه ليوم الاثنين ، أجاب بقوله : ( ذلك يوم وُلدت فيه ) ، مما يجعله أصلاً نبوياً كريماً في استحضار فضل هذا اليوم العظيم .
3 ) توافق الميلاد والهجرة : لقد أكرم الله نبيه الكريم بأن جعل يوم مولده يوم الاثنين متوافقاً مع يوم هجرته المباركة ، وجعل شهر ميلاده ( ربيع الأول ) هو ذات شهر هجرته .
4 ) منهج السلف في التذاكر : كان التابعون رضوان الله عليهم يجمعون الناس في يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم ليحكوا لهم سيرته العطرة ويغرسوا حبّه في قلوبهم .
5 ) إدخال البهجة والسرور : جرت العادة عبر التاريخ ، كأهل مصر والشام والعراق ، على صنع الحلوى للأطفال تحبيبًا لهم في يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم وإدخالاً للسرور والبهجة على نفوسهم .
وفي هذا السياق ، يُراعى دائماً أدب الاختلاف الفقهي المعتبر ، فمن يترك الاحتفال على وجه الاتباع والتأسّي ليس جافياً ولا جاهلاً ، بل هو مستند إلى قول فقهي معتبر صدر عن أهل العلم والأصول ، مما يوسع دائرة الفهم ويحفظ أواصر التآلف بين المسلمين .
البعد العالمي لمظاهر الاحتفال :
يحتفل المسلمون في شتى بقاع الأرض بهذه الذكرى العطرة في مختلف الدول الإسلامية والعالمية — كالمملكة العربية السعودية ، والإمارات ، وفلسطين ، ومصر ، وتونس ، وباكستان ، وماليزيا وغيرها — ليس باعتبارها عيداً تشريعياً مستحدثاً ، بل إظهاراً للفرح العميم بنعمة الله . وتتنوع مظاهر الابتهاج بين إقامة مجالس الذكر والابتهالات ، وتقديم الحلويات وتوزيع الطعام ، وإضاءة المعالم البارزة ، ونشر الدروس التي تسلط الضوء على صفاته الكريمة ومواقفه العظيمة .
دروس مستفادة لمحطة النور :
تحمل هذه الذكرى في طياتها معاني عظيمة ، من أهمها :
- الاقتداء بالخلق العظيم : ترجمة أخلاقه الكريمة التي وصفها القرآن الكريم بقوله : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) في تعاملاتنا اليومية .
- تعزيز قيم التراحم والعدل : نشر روح السلام والمحبة والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع .
- الصبر والثبات : استنباط العبر من مسيرة الدعوة والصبر على الأذى في سبيل إعلاء الحق والفضيلة .
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين . إن ذكرى المولد النبوي الشريف تظل دعوة متجددة لإصلاح القلوب ، ومناراً يهتدي به السائرون نحو السلام والفضيلة .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم : آيات الذكر الحكيم ( سورة الأحزاب ، سورة التوبة ، سورة آل عمران ) .
- 2 ) رحلة ابن جبير : محمد بن أحمد بن جبير الكناني الأندلسي ( صفحات توثيق مظاهر الاحتفال بمولد النبي في مكة المكرمة ) .
- 3 ) حسن المقصد في عمل المولد : الحافظ جلال الدين السيوطي ( توثيق دور الملك المظفر أبو سعيد في إظهار الاحتفال ) .
- 4 ) الباعث على إنكار البدع والحوادث : الحافظ أبو شامة الشافعي .
- 5 ) فتاوي الحافظ السخاوي : محمد بن عبد الرحمن السخاوي .
- 6 ) المنهاج في المعراج : الشيخ عبد المجيد المغربي الطرابلسي .
- 7 ) الموسوعات التربوية والتعليمية الرقمية : منصات توثيق السيرة النبوية ومظاهر الاحتفال العالمية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.