يستعرض هذا المقال , بأسلوب توثيقي , معاني ( الروزنة ) في التراث الشامي والريفي الأردني , من عمارة وزراعة وتاريخ .

" الروزنة " في التراث الشامي والريفي الأردني : معانيها التاريخية والهندسية وقصصها عبر العصور


​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه


​لم تكن الكلمةُ في وجداننا الشعبي يوماً مجرد حروف تُرسم على ورق ، أو أصوات تذروها الرياح ، بل كانت دائماً وشمَ الروحِ على جسدِ التاريخ ، والشاهد الحَي على تحولات المجتمعات وسوسيولوجيا المكان . وحين نُصغي بروحٍ بحثية متأنية إلى واحدة من عيون الفولكلور الشامي والعربي المتمثلة في أغنية ( على الروزنة ) – التي خلدتها حنجرة السيدة فيروز وغنتها أيضاً أصوات تراثية عذبة مثل الفنانة دلال أبو آمنة و ( عاشقات التراث ) – نجد أننا لسنا أمام مجرد مرثية عاطفية عابرة ، بل نحن أمام " وثيقة شفوية " بالغة الأهمية ، تتقاطع فيها هندسة العمارة الترابية مع أنثروبولوجيا الجوع ، وصمود الإنسان في بلاد الشام والعراق وجهاده المرير ضد المحن .


​فما هي " الروزنة " التي شغلت الوجدان الجمعي ، وتنقلت حكاياتها بين حواضر المشرق العربي ؟


بين معجم اللغويين وطين الفلاحين :


إذا ما تتبعنا الأصل المعجمي والميداني للمفردة ، نجد أن " الروزنة " ( أو الرازونة ) لفظة معرَّبة من الفارسية ( روزن ) وتعني منفذ الضوء ، وقد استقرت في قاموس العمارة الشعبية لبلاد الشام كعنصر هندسي لا غنى عنه في بيوت الطين والعقود الحجرية القديمة . كانت الروزنة تلك الفتحة العلوية المستديرة في السقف التي تؤدي وظيفتين حيويتين : إدخال ضوء الشمس لتنوير عتمة الغرف ذات الجدران السميكة ، والعمل كمدخنة طبيعية لتصريف أدخنة ( الكانون ) ومواقد الحطب الشتوية .


​أما في عمق الريف الفلاحي والقرى الأردنية والفلسطينية القديمة ، فقد اتخذت الروزنة طابعاً عملياً وإنتاجياً خالصاً ، إذ كانت تُطلق في الموروث الميداني على الفتحة السقفية المخصصة لتلقي وتعبئة المحاصيل الإستراتيجية كالحبوب والتبن داخل المخازن والمغُر المهيأة ، أو تطلق على الكوات الجدارية المفتوحة بين البيوت المتلاصقة التي كانت تستخدمها النساء لتبادل الأطعمة وأخبار القرية دون الاضطرار للخروج إلى الزقاق .


بين الكوة المعمارية وسفينة الإغاثة :


تتعدد دلالات مفردة " الروزنة " في الموروث الميداني والشعبي ؛ فهي في الذاكرة المعمارية والزراعية فتحة أو كوة في الجدار أو السقف ، استخدمت لتخزين المحاصيل أو نافذة للضوء والتهوية . وإلى جانب ذلك ، تُذكر " الروزنة " ( أو " الروزانا " ) في إحدى أشهر الروايات الشعبية على أنها اسم سفينة أو باخرة إيطالية أو عثمانية أرسلت إلى شواطئ بيروت زمن المجاعة الكبرى سنة 1914 م ، محملة بالفواكه كالعنب والتفاح بدل الدقيق والقمح ، فقطعت قلوب الناس خيبةً .


​أما في عُرف الباحثين في علم الإشارة والآثار ، فتكتسب " الروزنة " بُعداً استكشافياً وتثبيتيّاً بالغ الأهمية .


خصائص إشارة الروزنة الدلالية :




السفربرلك ورمزية الخذلان : حين يجوع الياسمين :


تكتسب الأغنية قيمتها التاريخية الكبرى من ارتباطها بعهد ( السفربرلك ) ( النفير العام ) إبان الحرب العالمية الأولى ( 1914 - 1918 م ) . ففي الوقت الذي فرض فيه الحلفاء حصاراً بحرياً خانقاً على الشواطئ ، وجفف الجيش العثماني الموارد بمصادرة القمح والدواب ، واجتاح الجراد ما تبقى من خضرة الأرض ، ضربت ( المجاعة العظمى ) بلاد الشام ، وحصدت مئات الآلاف من الأرواح في بيروت ، وجبل لبنان ، ودمشق ، والقدس ، وحوران ، وشمال الأردن .


​وفي خضم هذه المعاناة ، تبرز روايتان أساسيتان حول قصة السفينة التي حملت اسم " روزانا " :




​فخرجت الآهة المقهورة من حنجرة الشعب صرخةَ عتبٍ سياسي وخاص مبطن ضد تجار الحروب وسلطات الاحتلال العثماني :




​وهنا يبرز البُعد الجغرافي العبقري للتكامل الشامي ، فحين أغلقت المرافئ بوجه القوت ، تيممت الوجوه شطر " حلب " – خزان القمح وعاصمة الاقتصاد التاريخي للمنطقة – لتأتي قوافلها ببلسم الشفاء الاقتصادي والتكافل الاجتماعي العابر للحدود .


التنافس الجغرافي الخلّاق : الأغنية حمالة أوجه :


إن الميزة الكبرى لـ " الروزنة " كأثر فولكلوري ، هي أنها تحولت إلى طرس ثقافي أعادت كتابته عدة حواضر بروايات مختلفة تعكس واقعها الاجتماعي :




النور يمر دائماً :


إن البحث في أصالة الروايات التاريخية للأغنية الشعبية قد لا يقودنا إلى حقيقة حرفية واحدة ، لكنه يقودنا بالضرورة إلى حقيقة أنثروبولوجية أعمق ، وهي أن " الروزنة " أصبحت هماً جمعياً ومفهوماً سوسيولوجياً صهر المعاناة والمقاومة بالفن في قالب لحني عابر للحدود الاستعمارية المصطنعة .


​لقد تجاوزت الروزنة دلالتها المادية كفتحة من طين أو حجر ، أو سفينة حملت الخذلان والأمل ، لتتحول في الذاكرة الشامية إلى رمز لـ " طاقة الأمل النافذة وسط ظلمات الأزمات " . إنها تذكر أجيالنا المتعاقبة بأن شمس الحرية والوفرة والكرامة ، مهما بلغت شدة الحصار وعتمة الجدار ، لا بد أن تجد طريقاً لِتمر وتُشرق مجدداً .. من فتحة الروزنة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. 1 ) مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، محرك البحث والمعاجم الرقمية ، مادة ( روزن ) .
  3. 2 ) موقع زمانكم التراثي الالكتروني ، دراسات وتوثيقات ميدانية في العمارة والأدوات الفلاحية الأردنية القديمة .
  4. 3 ) إلياس نصر الله ، مقال ( الروزنه بين صفد والموصل وحلب وبيروت ) ، ملحق الجمعة ، صحيفة الاتحاد .
  5. 4 ) الجواليقي ، أبو منصور موهوب بن أحمد ، كتاب ( المُعرَّب من الكلام الأعجمي على حروف المعجم ) .
  6. 5 ) أدي شير ، المطران ، كتاب ( الألفاظ الفارسية المعربة ) .
  7. 6 ) شوقي عبد الحكيم ، موسوعة ( الفلكلور والأساطير العربية ) .