يستعرض المقال دور الأردن الحيوي في العهد المملوكي ، من حيث تنظيمه الإداري ، وشبكات الاتصال ، والنهضة الاقتصادية واللغوية .
عبقرية الجغرافيا وعظمة الإدارة ... الأردن في كنف الدولة المملوكية ( 1250 – 1516 م )
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
حين نرتد ببصرنا صوب تخوم التاريخ ، ونستنطق الحجر والمدر في ثرى الأردن الطهور ، تستوقفنا حقبة مملوكية باذخة ، لم تكن مجرد عهد سياسي عابر ، بل كانت بعثاً حضارياً جعل من شرقي الأردن عماداً للدولة وقلبها النابض ، فبين صليل السيوف وبراعة العمران ، رُسمت ملامح هوية تاريخية لا تزال شواهدها ماثلة للعيان حتى يومنا هذا .
الاستهلال التاريخي : في رحاب الدولة المملوكية ونشأتها
انبثق فجر المماليك من رحم التربية العسكرية الصارمة ، فهم صفوة المحاربين الذين صُهروا في بوتقة الإسلام ليكونوا حماة الديار ، ومع أفول شمس الأيوبيين ، قبضوا على زمام المبادرة في مصر عام 1250 م ، وبسطوا سلطانهم على بلاد الشام والحجاز ، مشكلين سداً منيعاً في وجه الأخطار الكبرى ، لا سيما دحر المغول في عين جالوت ورد طغيان الصليبيين عن قلاع الساحل والداخل .
وقد تمايزت دولتهم إلى مدرستين سياسيتين وعرقيتين :
1 ) دولة المماليك البحرية ( 1250 – 1382 م ) : وينحدر جلهم من أصول تركية ، ومن أشهر سلاطينهم الملك المظفر قطز والملك الظاهر بيبرس والملك المنصور قلاوون .
2 ) دولة المماليك البرجية ( 1382 – 1517 م ) : وينحدرون بصفة أساسية من أصول شركسية ، ومن أشهر سلاطينهم الملك الظاهر برقوق والملك الأشرف قايتباي والملك قانصوه الغوري .
أولاً : الهندسة الإدارية ومفهوم النيابة
ابتكر المماليك نظاماً إدارياً هرمياً دقيقاً ، برز فيه مصطلح النيابة ، وهي الوحدة الإدارية الكبرى التي تمثل إقليماً إدارياً مستقلاً ( تعادل المحافظة الكبرى في وقتنا الحالي ) ، حيث يمارس فيها نائب السلطنة صلاحيات سيادية واسعة نيابة عن السلطان ، وقد شملت الخارطة الأردنية :
1 ) نيابة الكرك ( تقع في جنوب الأردن وتشتهر بكونها قلعة السلاطين ومركز الحكم المستقل ) : وكانت تتبع مباشرة للقاهرة ، مما يعكس ثقلها الاستراتيجي وكونها منفذاً لحجاج الشام ومأوى لبعض السلاطين المبعدين ، وامتدت سطوتها من وادي الموجب ( يقع في وسط الأردن وتشتهر بعمقه السحيق ) وصولاً إلى العقبة ( تقع في أقصى الجنوب وتشتهر بكونها ثغر الأردن الباسم ) .
2 ) نيابة دمشق ( تقع في سورية وتشتهر بكونها المركز الإداري الذي يتبع له شمال الأردن ) : وتتبعها ولايات فرعية كعجلون والبلقاء ، وشملت المنطقة من نهر اليرموك ( يقع في الشمال وتشتهر بكونه حداً طبيعياً ) حتى وسط الأردن .
3 ) الأعمال الإدارية الصغرى ( تعادل الألوية في وقتنا الحالي ) : وهي تقسيمات تلي النيابة ، مثل عمل الشوبك ( تقع في جنوب الأردن وتشتهر بإرثها العسكري ) ، وعمل زغر ( تقع في الأغوار الجنوبية وتشتهر بإنتاج سكر الأغوار الشهير ) ، وعمل السلط التي شكلت صلة وصل إدارية وعسكرية بالغة الأهمية .
ثانياً : قلاع الاتصال وشبكات الاستشعار المبكر
صاغ المماليك في الأردن نظام اتصال تاريخي مذهل ، اعتمد على سرعة النقل ودقة الإشارة والربط العسكري الحصين :
1 ) عمارة القلاع : أعادوا الروح لقلعة السلط ( تقع في وسط الأردن وتشتهر بموقعها المشرف على القدس الشريف ) ، وحصنوا قلعتي عجلون والكرك لتكون دروعاً منيعة ومستودعات للسلاح والذخيرة وحفظ الغلال في أوقات المحن .
2 ) البريد والزاجل : ربطوا الأقطار بمحطات بريدية ومنازل للخيل في مواقع مثل غور الصافي وحسبان ( تقع جنوب عمان وتشتهر بتاريخها الإداري العريق ) وإربد ( تقع في شمال الأردن وتشتهر بسهولها الزراعية الفسيحة ) ، لضمان وصول المراسيم السلطانية في أسرع وقت .
3 ) نظام المناور : وهو إبداع يعتمد على إيقاد النيران ليلاً والدخان سهارى فوق رؤوس الجبال كجبل عجلون وطيبة ( تقع غرب إربد وتشتهر بإطلالتها على فلسطين ) ، لنشر الخبر بسرعة البرق من القاهرة إلى دمشق عبر الأراضي الأردنية .
ثالثاً : النهضة الاقتصادية واللغوية
تحول الأردن في عهدهم إلى خلية نحل إنتاجية وزراعية وتجارية كبرى ، واصطبغت لغتهم بمصطلحات دقيقة تصف مهام حماية الدولة وتنظيم شؤونها :
1 ) الديادب : وهي جمع كلمة ديدب ، وتشير إلى الحراس والرقباء والطلائع الذين يتقدمون الجيش للاستطلاع ، وأصلها من دَبَّ أي مشى على هينته للمراقبة الخفية لحماية الطرق التجارية .
2 ) صناعة السكر : التي بلغت ذروتها في الأغوار ( تقع في غرب الأردن وتشتهر بكونها مصنع السكر العالمي ) ، حيث أقيمت المطاحن والمصانع المتقدمة لعصر قصب السكر ، حتى بات سكر الأردن مطلباً رئيسياً في أسواق فلورنسا ( تقع في إيطاليا وتشتهر بكونها عاصمة التجارة في أوروبا ) والمدن الأوروبية الكبرى .
3 ) المناجم والثروات : استُخرج الحديد من عجلون لصناعة العدة والأسلحة ، والنحاس من وادي فينان ( يقع في جنوب الأردن وتشتهر بكونه من أقدم مناجم النحاس في العالم ) ، إلى جانب الاستفادة من المراعي الواسعة لتخوم البادية الأردنية في تربية الخيول والإبل لدعم الجيوش .
رابعاً : مسرد المصطلحات المملوكية
1 ) النيابة : إقليم إداري مستقل ( يعادل المحافظة حالياً ) يتولاه نائب مفوض عن السلطان .
2 ) المناور : مراصد النور والدخان لإبلاغ الثغور بحركات العدو .
3 ) الديادب : العيون الساهرة والرقباء الذين يرصدون تحركات العدو ويزودون الدولة بالأخبار .
4 ) الجوامك : الأرزاق والرواتب المقررة للجند والعمال .
5 ) المكوس : الرسوم التجارية في المحطات كالحسا ( تقع في جنوب الأردن وتشتهر بكونها محطة قوافل تاريخية هامة ) .
6 ) الجناح : الرمز البريدي السريع المتمثل في الحمام الزاجل .
يبقى العصر المملوكي في الأردن صفحة مشرقة من صفحات العز ، برهن فيها الإنسان الأردني على قدرته في تطويع الجغرافيا لخدمة التاريخ ، لتظل تلك القلاع والآثار شهوداً صامتة تنطق بمجد غابر وعزيمة لا تلين .

قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) ابن فضل الله العمري ، التعريف بالمصطلح الشريف ، القاهرة ، 1312 هـ .
- 2 ) القلقشندي ، أحمد بن علي ، صبح الأعشى في صناعة الإنشا ، القاهرة ، 1913 م .
- 3 ) البخيت ، محمد عدنان ، مملكة الكرك في العهد المملوكي ، عمان ، 1976 م .
- 4 ) غوانمة ، يوسف درويش ، التاريخ الحضاري لشرقي الأردن في العصر المملوكي ، عمان ، 1982 م .
- 5 ) ابن إياس ، بدائع الزهور في وقائع الدهور ، القاهرة ، 1984 م .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.