يستعرض هذا المقال ، بأسلوب توثيقي ، جذور مدينة الرمثا التاريخية وتطورها الديموغرافي والعمراني عبر مختلف العصور .
الرمثا ... جذور في عمق التاريخ وشواهد على استمرارية الاستيطان
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
تعتبر مدينة الرمثا الواقعة في أقصى شمال المملكة الأردنية الهاشمية ومركز لواء الرمثا في محافظة إربد القريب من الحدود المشتركة مع سوريا بطول يبلغ نحو 37 كيلومتراً مربعاً ، واحدة من أبرز الحواضر التاريخية وأسرعها نمواً اليوم ، إذ تعد سادس أكبر بلدية في المملكة ، ويقدر تعداد سكانها اليوم بمئات الآلاف من النسمات في لوائها وبلديتها . وتمتد أصول التسمية وتاريخها العريق عبر عصور مختلفة ، حيث قيل إن اسم " الرمثا " مأخوذ من نبات الرمث الذي كان ينبت بكثافة في سهول المنطقة ليكون مرعى للإبل ، بينما تشير آراء أخرى إلى أن أصل الكلمة سرياني تعني الارتفاع والعلو أو بركة لجمع مياه الأمطار ، أو تحريفاً لاسم يوناني مثل " أرثما " أو " راماثا " . وتتميز المدينة بموقع استراتيجي فريد جعلها نقطة التقاء ثقافية واقتصادية وتجارية حيوية ، يربطها بامتداد جغرافي متصل بلدة حوارة التي تشكل حلقة الوصل الحيوية والبوابة الرئيسية بين مدينة إربد ومدينة الرمثا ، ويفصل بين أراضيهما جغرافياً وادي الأصيلة العريق . فضلاً عن تضاريسها المتنوعة بين السهول الواسعة المستوية والأودية والتلال التي تعزز من قيمتها الزراعية وتجعلها بيئة غنية ومتنوعة . وما يميز هذا العمق الديموغرافي الحديث هو جذورها التاريخية الراسخة القائمة على استمرارية السكن وعدم انقطاع الحياة فيها عبر العصور ، لتشكل على الدوام شريان حياة حيوياً ومحطة استراتيجية على خط تجارة القوافل وطريق الحج الشريف .
أصل التسمية والنشأة الأولى :
يعود أصل تسمية الرمثا بهذا الاسم نسبة لنبات الرمث الذي كان ينتشر بكثافة في سهول المنطقة ، وبالذات في منطقة الرميث القريبة من جامعة العلوم والتكنولوجيا ، حيث كانت تعتاش عليه المواشي والجمال . وكانت الرمثا جزءاً أصيلاً من سهل حوران التاريخي المعروف بـ سلة غذاء روما ، ومكاناً رئيسياً للتزود بالماء والكلأ للحجاج ، إذ كانت آنذاك غنية بعيون الماء العذب والبرك مثل بركة المحاسي التي كان يستقي منها الحجاج ، فضلاً عن وديان المنطقة البارزة مثل وادي الشيح الغني بنباتاته العطرية و وادي الشلالة الذي يضم أنفاقاً أثرية وجسراً رومانيّاً يعبر أطراف الوادي السحيق . وتشير السجلات العثمانية للفترة الممتدة بين 1596م و 1597م إلى أن الرمثا كانت تابعة لناحية البطين الممتدة من جحفية جنوباً حتى بصرى الشام شمالاً ، وكان عدد سكانها في الوقت نفسه 16 عائلة و 3 عزاب سكنوا المغر والكهوف والعرقان التي تمثل أخاديد في الصخر ، قبل أن تسكنها عائلات مثل الحجازات والمريان والكيالي التي غادرتها في أواخر عام 1775م ، لتتوافد العائلات الحالية للسكن فيها لاحقاً .
الإشارات الأولى : من قبائل الضفير إلى رحلة النابلسي :
تعود أولى الإشارات الموثقة لمن سكن الرمثا في العصور الحديثة إلى عشائر الضفير بقيادة ابن الصويت في عام 1640م - وهو ما يرتبط أيضاً بلقب عيال صويت المنسوب للممنطقة الممتدة من غرب الرمثا باتجاه الشلالة والتي كان يطلق عليها الصويت ، أو كما يرى آخرون نسبةً لتلبية النداء لدحر الغزاة - وهي محطة مفصلية تثبت أهمية الموقع كاستراحة ومستقرار للبدو والحاضرة على حد سواء .
ولم تقتصر الرمثا على كونها محطة عبور ، بل ذكرها الرحال عبد الغني النابلسي بوضوح في رحلته الشهيرة للحج بتاريخ 2 صفر 1106هـ ، حيث وثق نشاط أهلها التجاري المتميز على طريق الحج ، ووصف كيف كانوا يبيعون الحجاج الخبز والفطائر والمأكولات المتنوعة ، لتكون هذه أول إشارة مدونة عن الرمثا في أدب الرحلات .
ومع تنامي الاستيطان ، لمست الدولة العثمانية الأهمية الاستراتيجية للموقع ، فأعفت سكان الرمثا من الضرائب عام 1785م ، ليشير الرحالة والمؤرخ بيركهارت في عام 1812م لاحقاً إلى أن عدد سكانها بلغ 500 نسمة ، مع وجود شواهد تاريخية تشير إلى تأسيس مدرسة الرمثا الثانوية في أواخر العهد العثماني عام 1914م لتكون مدرسة ابتدائية آنذاك .
محنة الطاعون الكبير ونزوح الرماثنة إلى الشجرة :
لكن التاريخ حمل في طياته اختبارات قاسية ، ففي عام 1816م ، ضرب وباء الطاعون العظيم منطقة حوران برمتها بما فيها الرمثا ، وأتى على أخضرها ويابسها فحصد أرواح عدد كبير من السكان .
هذا الظرف القاسي دفع القسم الأكبر من من تبقى من أهالي الرمثا للنزوح والهروب جماعياً بحثاً عن النجاة إلى قرية الشجرة المجاورة ، حيث استقر الرماثنة هناك واتخذوها داراً لهم لما يقارب خمسة وعشرين عاماً .
" صايمة مياس " .. شرارة العودة و " عراق بيبرس " :
ظلت الرمثا خاوية على عروشها لفترة من الزمن حتى جاءت قصة صايمة مياس لتغير مجرى التاريخ وتعيد النبض للمدينة .
تروي الذاكرة التاريخية أن صايمة تزوجت من رجل في قرية طفس السورية ، ولكنه زواج لم يستمر طويلاً في تلك الديار ، إذ قررت العروس الهرب أثناء حفل زفافها والعودة للاحتماء بمنزل أبيها القديم في الرمثا ، وتحديداً في منطقة خربة عراق بيبرس .
هذه الخطوة الجريئة لم تكن مجرد فرار شخصي ، بل كانت الشرارة التي أوقدت جذوة الحنين ، فقد دفعت الشجاعة بأقاربها وأهل عشيرتها للالتحاق بها والسكن إلى جوارها في الرمثا لحمايتها ومساندتها . ومن هناك ، بدأت كرة السواحل بالدوران ، وتوافدت العشائر تدريجياً للعودة إلى ديار الآباء والأجداد .
نهضة جديدة وتوثيق رسمي :
لم تمض سوى سنوات قليلة حتى عادت الرمثا لتأخذ مكانتها الطبيعية كمركز استيطاني وتجاري نابض بالحياة . ويوثق التقرير الرسمي لسالنامة ولاية سوريا لعام 1871م هذا النمو المتسارع ، مبيناً أن عدد سكان الرمثا قفز ليصل إلى 2300 نسمة ، وهو ما يعكس عودة كافة العشائر والبطون التي أجبرتها ظروف الطاعون على الرحيل قبل عقود ، لتتواصل مسيرة النماء حتى العصر الحديث مسجلة حضورها المزدهر بين مدن الأردن .
معالم وحضارة متجددة :
تتزين الرمثا ومحيطها الجغرافي بشبكة عريقة من الوديان الحيوية ذات العمق البيئي والتاريخي مثل وادي الشيح ووادي الأصيلة الذي يفصل بين أراضي حوارة ومدينة الرمثا ، وتحتضن المدينة إرثاً حضارياً وعمرانياً يمتد عبر التاريخ من خلال بلداتها وقراها المجاورة وعلى رأسها بلدة حوارة التي تمثل البوابة الرئيسية وحلقة الوصل المباشرة مع مدينة إربد ، إلى جانب الطرة التي بنا فيها المماليك برجاً للمراقبة ونقل البريد بين دمشق والقاهرة ، و الشجرة ، و عمراوة ، و البويضة ، فضلًا عن خربها الأثرية الشاهدة على تعاقب الحضارات الرومانية والبيزنطية والأموية والمملوكية مثل خربة الرميث ، و خربة الزوايد ، و خربة أم العظام ، و خربة الحويرة ، و خربة العدسية .
ولا تقتصر أهمية المدينة على الماضي العريق ، بل امتدت لتصبح منارة تعليمية وطبية واقتصادية حاضنة لصروح كبرى مثل جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية المؤسسة عام 1986م ، و مستشفى الملك المؤسس عبد الله الجامعي ، و مدينة الحسن الصناعية ، إضافة إلى دور أبنائها " البحارة " في تنشيط حركة التجارة الحدودية ، لترسم بذلك مزيجاً فريداً يربط أصالة التاريخ بريادة الحاضر . وفي خاتمة المطاف ، فإن قصة الرمثا ليست مجرد سرد لأرقام وتواريخ ، بل هي ملحمة صمود بشري أزلي ، بدأت بقوافل الضفير والتجارة المزدهرة على طريق الحج ، مروراً باختبار الطاعون القاسي ونزوح الشجرة ، وصولاً إلى شجاعة امرأة أعادت بحنينها البوصلة ، لتستعيد الرمثا وجهها الحضاري المزدهر الذي يتوهج باستمرارية لا تعرف الانقطاع .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع المعتمدة :
- 1 ) سالنامة ولاية سوريا للأعوام ( 1785م ) و ( 1816م ) و ( 1871م ) .
- 2 ) كتاب تاريخ مدينة الرمثا ولواؤها للمرحوم العقيد المتقاعد فاروق نواف السريحين .
- 3 ) كتاب الرمثا ولواؤها تاريخ وحضارة .
- 4 ) كتاب تاريخ شرقي الأردن .
- 5 ) لواء حوران ( 1864-1914م ) .
- 6 ) تاريخ لواء حوران الاجتماعي .
- 7 ) موسوعة ويكيبيديا الحرة ( بيانات لواء وبلدية الرمثا ) .
- 8 ) موقع وزارة الداخلية الأردنية وموسوعة المملكة الأردنية الهاشمية .
- 9 ) مدونات ومقالات تاريخية حول الرمثا وقراها الأثرية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.