يتناول هذا المقال قصة " البشكير الألماني " الذي تحول إلى رمز عريق للتراث وهويّة نساء الرمثا وما جاورها .

البشكير الرمثاوي : رمز الفخر والتراث في سماء الرمثا وما جاورها

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

​يتناول هذا المقال قصة " البشكير الألماني " الذي تحول إلى رمز عريق للتراث وهويّة نساء الرمثا وما جاورها . ويُعدّ هذا البشكير واحداً من أبرز المفردات التراثية والزي الشعبي الذي تميزت به المرأة في مدينة الرمثا والقرى المحيطة بها في أقصى شمالي الأردن . وبات علامة فارقة وهويّة محلية تتردد على ألسنة المواطنين بعبارة " من البشكير الألماني عرفنا أنها رمثاوية " لتحديد هوية المرأة الرمثاوية أينما كانت ، سواء في رحلات داخل الأردن أو خارجه ، أو في التجمعات العربية ومواسم الحج والعمرة .

كيف بدأ البشكير الألماني رحلته إلى الرمثا ؟

​تعود جذور قصة البشكير إلى فترة الأربعينات والستينيات من القرن الماضي ( أو فترة إعادة إعمار ألمانيا عقب الحرب العالمية الثانية ) ، حين توجه عدد كبير من أبناء الرمثا المتعطلين عن العمل إلى ألمانيا الغربية بحثاً عن الرزق والعمل والتبادل التجاري وتحسين ظروف حياتهم .

​طالت غربة الشبان هناك ، فبدأوا بحمل الهدايا لنسائهم وأمهاتهم وأخواتهم عند عودتهم ، وكانت عبارة عن قطع قماشية قطنية ( بشكير ) ذات ألوان زاهية وملمس مخملي ناعم تزينها نقوش ورسومات زهرية دقيقة كالورد الجوري والفاوانيا والقرنفل لتجعل رأس المرأة يبدو كلوحة فنية تشد الانتباه .

يذكر بعض المهتمين أن البشكير الألماني يُعد من أغلى أنواع البشاكير وأثمنها في العالم ، ويُخصص صنعه خصيصاً للمرأة الرمثاوية في شمال الأردن ولمنطقة أخرى في الصين فقط ، إذ كان يعادل نوعاً من الرفاهية ويصل ثمنه إلى خمسين ديناراً أردنياً ، ويتميز بلونه الأسود المزين برسومات دقيقة ( ومن أبرز أنواعه وأكثرها شهرة ماركة " النسر " ) .

​يرى حسين أبو الشيح ، رئيس بلدية الرمثا الكبرى ، أن البشكير كان يُقدم للأم والأخت والأحباء حاملاً دلالات الورد والأزهار المطرزة ، فبدلاً من باقة ورد تذبل بعد أيام ، يبقى ورد البشكير معبراً عن مشاعر صادقة ، كما كان دلالة تباهٍ بأن أحد أفراد الأسرة يعمل في ألمانيا ، إذ كان أبناء لواء الرمثا السباقين للعمل هناك وفتح خط التجارة .

​ترتبط الذاكرة الشعبية الرمثاوية بهذا الإرث عبر امتداد التاريخ الاجتماعي لتثبت قدرة المجتمع المحلي على التفاعل مع الثقافات الوافدة وصياغتها في قالب تراثي خاص يتماشى مع أصالتهم وتقاليدهم العريقة في مدينة حوران والشمال الأردني .

ي

سهم هذا الإرث في تعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية من خلال تبادل الهدايا القيّمة بين المغتربين وذويهم ، مما جعل البشكير وسيلة تعبير وجدانية متكاملة تختصر سنوات البعد والغربة في قطعة قماش فاخرة تحمل عبق المودة والوفاء .

طريقة الارتداء والزي المرتبط به :

  1. ​حلّ البشكير الألماني على رأس المرأة مكان " العصبة " التقليدية ( قطعة قماش سوداء شفافة تطوى بعرض الكف وبطول أربعة أمتار تقريباً ) ، ليلف فوق " الشنبر " الذي يغطي منطقة العنق والصدر ، ومترافقاً مع الثوب الأسود الطويل ( رداء الجسم الطويل ) ليزيد المرأة وقاراً وحشمة وأناقة .
  2. ​يوضح غازي أبو عاقولة ، أحد وجهاء الرمثا ، أن هذا الزي يتناسب مع جمال الرمثا ، بينما تؤكد الحاجة أم قاسم ( 90 عاماً ) من قرية الطرة أن المرأة الكبيرة لا يكتمل جمالها وأناقتها دونه ، وتختلف جودته بحسب المناسبة بين البيت والاحتفالات ، مشيرة إلى أن ماركة النسر هي الأكثر جمالاً .
  3. ​على الرغم من أن ارتدائه بات في الوقت الحالي يقتصر غالباً على النساء المسنات ممن هن في سن الخامسة والنفحين فما فوق في طريقها إلى التلاشي نسبياً ، إلا أنه يظهر في المناسبات الوطنية والأفراح بنسب عالية ، واعتبره حكمت النوايسة ، مدير التراث في وزارة الثقافة ، جزءاً أصيلاً ومميزاً من موروث الأزياء الأردنية بغض النظر عن خلفيته .
  4. ​تعكس دقة التفاصيل المصاحبة للزي المتكامل تناغماً فريداً بين الهيئة الخارجية والوقار الداخلي للمرأة الرمثاوية ، حيث يشكل تداخل الألوان الزهرية الساطعة على الخلفية السوداء الداكنة للمخمل لوحة بصرية متكاملة تعبر عن الذوق الرفيع والحس الجمالي المتأصل في وجدان المجتمع المحلي .
  5. ​يتأقلم الزي الشعبي بصورة مستمرة مع متغيرات العصر الحديث ، حيث تشهد المناسبات الوطنية والمهرجانات التراثية إقبالاً واسعاً من الأجيال الجديدة على ارتداء أجزاء من هذا الزي كنوع من الاعتزاز بالهوية الفلكلورية وتوريثها للأبناء والأحفاد لضمان ديمومتها وعدم انقراضها .
  6. ​تم تخليد هذه القصة الفريدة عبر التاريخ والزمن بإنشاء معلم تذكاري ونصب يجسد البشكير الألماني في أحد دوّارات مدينة الرمثا ، ليبقى شاهداً على قصة جمعت بين الهجرة والهوية والتراث .

نفحات وفاء واعتزاز بالبشكير الرمثاوي :

​يبقى البشكير الرمثاوي يرفرف عالياً وخفاقاً في سماء الرمثا وما جاورها ، حاملاً معه معاني العزة والكرامة والتراث . وفي هذا السياق ، تبرز كلمات الوفاء والتقدير التي تؤكد على قيمة هذا الإرث :

​" اعلمي يا بنت الأكرمين ، أن البشكير الرمثاوي هو رمز فخرنا وعزنا وكرامتنا لأنه ملبوس أمهاتنا ، واللي بلبسه وبتفاخر بلبسه فهو واحد مننا . والدكتورة خديجة الضامن أنت أخت لينا بعهد الله . "


​ولا يزال التراث الشعبي والأهازيج تخلد هذه الظاهرة الجميلة ، ومن أشهر ما غُني له في الرمثا :

​دق ألماني دروب دروب .. عالفرقة يا صبر أيوب
والله لأبعثله مكتوب .. يبكي حجار الصواني
يا رَمثاويّة
يا أُمّ البشكير الألماني
تِتْصَكَّل بالذُّهبان


قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1 ) الصور التوثيقية التراثية ( العامية الأردنية / Colloquial Jordanian ).
  3. 2 ) مقال وكالة عمون الإخبارية : بشكير الرمثاوية " دقة ألماني " ( الكاتبة : رؤيا البسام ).
  4. 3 ) تقرير موقع مدار الساعة : " البشكير الألماني " .. تاج يزين رؤوس نساء الرمثا ( نقلاً عن الأناضول ).
  5. 4 ) ويكيبيديا الموسوعة الحرة : مقالة " بشكير ألماني ".