يستعرض هذا المقال ، اقتصاد الاكتفاء الذاتي في ريف شمال الأردن القائم على ثلاثية الحظيرة والحقل والحاكورة مع بيان أصولها اللغوية .
اقتصاد الحظيرة والحقل والحاكورة : قصة الاكتفاء الذاتي في ريف شمال الأردن
بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه
في ثنايا الريف الأردني الممتد كلوحة من ذهب تحت شمس الشمال ، كانت الحياة تُصاغ بأيدي رجال ونساء آمنوا بأن الأرض هي الأم الرؤوم ، وبأن كرامة العيش تُستمد من كدِّ اليمين وعرق الجبين . لقد نسج أجدادنا اقتصاداً فريداً ، لم يقم على أرقام البورصات أو تعقيدات الأسواق ، بل قام على " ثلاثية الحياة " : الحظيرة ، والحقل ، والحاكورة . هي منظومة ليست مجرد أدوات للرزق ، بل هي فلسفة كاملة في التكافل والاستدامة ، حيث كانت كل قطعة أرض وكل دابة في الدار تمثل لبنة في صرح أمننا الغذائي ، وحكاية عشق لا تنتهي بين الفلاح وتراب وطنه .
إن تأمل كلمة " الحاكورة " بحد ذاته يفتح لنا نافذة على عمق إرثنا اللغوي ، فبينما يذهب المعجميون العرب كالفراهيدي إلى ربطها بجذر " حكر " بمعنى الجمع والادخار والمشقة ، نجد في المقابل أن الدلالات الوظيفية للكلمة في واقعنا الريفي تقترب أكثر من جذور سامية مشتركة . ففي اللغة الأكادية نجد " ايكارو " ( Ikarru ) التي تعني المزارع أو الفلاح ، وفي الآرامية والسريانية نجد " أكارا " ( Akara ) التي تدور حول الفلاحة والزراعة ، وهو ما نجده في العبرية أيضاً بلفظ " ايكار " ( Ikar ) . ومن المثير في باب " الإبدال " اللغوي - أو ما يسميه فقهاء اللغة بـ " الاشتقاق الأكبر " - أن تبادل الحروف بين الهمزة والحاء أمر معهود في اللغات السامية ، لذا يرجح تحليلياً أن تكون " الحاكورة " في لهجتنا العامية قد حملت الحاء كإبدال للهمزة الأصلية في تلك اللغات القديمة ، لتصبح " الحاكورة " بمفهومها الشعبي هي الوريث الأقرب لمعاني الفلاحة والزراعة التي عرفتها حضارات الشرق القديم .
كان البيت الريفي في شمال الأردن وحدة إنتاجية متكاملة ، تعتمد على الاكتفاء الذاتي بشكل تام من خلال منظومة جميلة تجمع بين الحظيرة والحقل والحاكورة القريبة من المنزل . ولم يكن هذا النجاح المعيشي وليد الصدفة ، بل قام على تضافر جهود جميع أفراد العائلة الذين شاركوا معاً في إعداد الأرض ، وحراثتها ، وزراعتها ، وحصادها بروح التكاتف والتعاون ، حيث كان لأفراد الأسرة دور أساسي في رعاية الحاكورة المنزلية ، بينما تولت المرأة الريفية دوراً عظيماً إلى جانب الرجل في كافة أعمال الحقل والمطبخ ، وكبر الأبناء ليساهموا بقوة في جني الثمار وإعداد الأرض .
وفي قلب هذه المنظومة ، مثلت " الحظيرة " - وهي في مفهومها الريفي المبسط مأوى الحيوانات الملحق بالمنزل ، ومصنع الطاقة الحية ، وبنك البروتين الطبيعي - ركيزة معيشية كبرى . فلم تقتصر تربية الحيوانات على الأغنام والماعز فحسب ، بل ربى الفلاح الأبقار للحصول على الحليب الدسم وصناعة أجود أنواع الأجبان ، واللبن ، والجميد ، والزبدة ، والسمن البلدي ، فضلاً عن الاستفادة من لحومها . كما عجّت الحظيرة بالطيور الداجنة مثل الدجاج ، والديك الرومي ( الحبش ) ، والبط للحصول على لحومها وبيضها الطازج ، إلى جانب تربية الأرانب للحصول على لحومها الطرية .
وإلى جانب الحظيرة ، امتدت " الحاكورة " حول المنزل لتمثل في تعريفها المبسط تلك المساحة الترابية الصغيرة والمحيطة بالمسكن ، والتي تُعَد " حَكْراً " على استهلاك الأسرة اليومي . وقد شكّلت الحاكورة عبر التاريخ ركيزة أساسية للأمن الغذائي والاستقلالية ، حيث أطلق عليها هذا الاسم لأن إنتاجها محصور ومحفوظ لتلبية الاحتياجات المنزلية اليومية . وقد أشرف أفراد الأسرة عليها بعناية لزراعة الخضروات الورقية والثمرية كالخيار ، والبندورة ، والكوسا ، والباذنجان ، والحمص ، والبازيلا ، والنعنع ، والبقدونس ، والكزبرة . وفي الأراضي الواسعة خارج نطاق المنزل ، اعتمد الفلاح على الزراعات الصيفية كالشمام والبطيخ ، والزراعات الكبرى كالقمح ، والشعير ، والعدس في مساحات أوسع ليصنع منها لاحقاً البرغل والفريكة .
وامتدت منظومة الاكتفاء الذاتي لتشمل تحضير المؤونة الصيفية واستعدادات الخبيز المنزلي ، حيث استغلت النساء وفرة الصيف لتحضير وتخزين ما تحتاجه الأسرة طوال أيام الشتاء الباردة عبر عمليات التجفيف ، والتنشيف ، والتفريز ، والتخليل :
وعلى غرار هذا الإرث الريفي العريق في الحاكورة وتدبير المؤونة ، تتجلى الذاكرة المقدسية بحواكيرها المتاخمة للبيوت وأزقة القدس العتيقة لتؤكد المعنى ذاته ، فحاكورة البيت المقدسي لم تكن مجرد مساحة خضراء صغيرة تزرع فيها النعنع والبقدونس وتفوح منها روائح الياسمين والريحان ودالية العنب ، بل كانت رمزاً للاستقلالية والأمن الغذائي ، وملاذاً تنعكس على ينابيعه وخرير مائه حكايات الأجداد وذكريات يافا وبيارات البرتقال ، وتلتئم فيها العائلة على المصاطب الحجرية تحت ضوء قمر القدس . إن نفض الغبار عن هذه الذاكرة الحية والعودة إلى جذورنا الفكرية والأدبية هو طريقنا لبناء الغد وصنع الحياة في وجه كل التحديات .
وعلى الرغم من التحديات التي واجهت هذا الإرث عبر الزمن وتراجع بعض مظاهره لصالح الاستهلاك الحديث ، وما أطلقته الجهات الرسمية والوطنية من مبادرات رائدة كمشروع " الحاكورة " لدعم الأسر الريفية وتفعيل بيت المونة وتأسيس ثقافة العمل والإنتاج لمحاربة الفقر والبطالة ، إلا أن هذا المفهوم يظل ركيزة أصيلة تؤكدها المؤشرات الرسمية المعاصرة ، إذ تشير البيانات الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي من الغذاء في الأردن قد بلغت نحو 61.4 % ، مع تحقيق فوائض إنتاجية ضخمة في الخضروات وبعض المنتجات الحيوانية ، مما يؤكد أن روح الاعتماد على الذات والتدبير المنزلي التي أصلها الفلاح الأردني ما زالت حية ومستمرة .
إن هذه القصة ، المكتوبة بأيدٍ مباركة على صفحات الأرض ، ليست مجرد ذكريات لنطويها ، بل هي بوصلة تدعونا للعودة إلى ذواتنا . ففي ظل عالم متسارع لا يرحم ، تظل الحاكورة التي ترفد مائدتنا بما نزرع ، والحظيرة التي تمثّل عمق اتصالنا بالطبيعة ، هما الملاذ الحقيقي والدرس البليغ في الاستقلال والكرامة . لنحفظ هذا الإرث ، ولنغرس في نفوس أجيالنا أن لقمة الخبز من زرع اليد هي أشهى طعمٍ وأغلى قيمة ، فمن لا يملك قوت يومه من أرضه ، لا يملك قراره ، ومن يحيي أرضه ، يحيي في نفسه وفي وطنه معاني العزة والبقاء .


قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) التراث الشعبي لقرى شمال الأردن ، دراسات في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للريف الأردني .
- 2 ) الذاكرة الشفوية للمجتمع الريفي في إربد وحوران ، روايات الأجداد حول تدبير المعيشة والاكتفاء الذاتي .
- 3 ) التل ، رعد محمود . ( 2026 ) . " الاكتفاء الذاتي الغذائي في الأردن " ، وكالة عمون الإخبارية .
- 4 ) الشريدة ، ناصر . ( 2019 ) . " ( الحاكورة ) إرث زراعي ذهب مع تقادم الأيام " ، صحيفة الرأي الأردنية وموقع نبض الإخباري .
- 5 ) موسوعة التراث والتاريخ المحلي في بلاد الشام ، تقنيات الإنتاج الزراعي والحيواني في القرية القديمة .
- 6 ) الباحث الشيخ مازن أهرام ، " حارات مقدسية : الحاكورة المقدسية " .
- 7 ) الفراهيدي ، الخليل بن أحمد . ( كتاب العين ) .
- 8 ) دراسات لغوية مقارنة في اللغات السامية ( الأكادية ، الآرامية ، العبرية ) حول اشتقاقات الجذور الزراعية .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.