يتناول هذا المقال ، رثاء متوارث يربط بين وجع فقد العم والوالد والأحبة .
في حضرة الغياب ... رثاء متوارث على عتبات الفقد
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
بين دفتي الزمن ، وفي طيات الذكريات التي لا تشيخ ، أعود اليوم إلى تلك القصاصة الورقية القديمة ، إلى ذلك الجرح الذي نُقش بمداد الحزن والأسى في جريدة ( الرأي ) الغراء بتاريخ 9 / 6 / 2003 م . كانت كلماتٍ خطّها والدي الحبيب ، المرحوم الحاج صالح مصطفى الغرايبه ( أبو خلدون ) ، ليرثي بها قطعةً من روحه ، شقيقه المرحوم فالح مصطفى الغرايبه ( أبو فراس ) ، بعد أربعين يوماً من رحيله .
لقد خطّ والدي يومها بقلبه قبل قلمه :
" يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، فقد كنت لنا البلسم الشافي ، ونعم الصادق الوفي في الملمات والكروب ... "
تلك الكلمات كانت صرخة قلبٍ موجوع ، حين كان ألم الفقد غضاً وطازجاً ، وحين كانت لفحة الفراق الأولى تحرق نياط قلبه على أخٍ لم يكن مجرد شقيق ، بل كان السند العضيد والبلسم الشافي في الشدائد . لقد رسم والدي في ذلك الرثاء صورةً أخويةً نادرة لرجلٍ لم يعرف الناس عنه إلا النبل ، ولم يدافع طيلة حياته إلا عن الحق .
ولم يكن يعلم والدي حينها ، وهو يخط تلك السطور الدامعة ، أن الأقدار تخبئ له دوراً آخر في مسرح الفقد الأبدي . مرت الأيام ، وتوالت السنون بطئها وثقلها ، وفي عام 2009 م ، وبعد ستة أعوامٍ تماماً من ذلك الرثاء ، انطوت صفحة والدي هو الآخر . رحل ( أبو خلدون ) ليلحق بمن رثاه ، ويترك خلفه في نفسي غصةً مضاعفة ووجعاً لا يبرأ .
إن ألم الفقد هو بحرٌ عميقٌ لا شاطئ له . لقد ذقت مرارة فقد العم وأنا أرى والدي ينهار تحت وطأتها ، ثم ذقت مرارة فقد الوالد ، وهو الفقد الأعظم الذي لا يعادله شيء . كيف يغدو البيت صامتاً بعد رحيلهم ؟ وكيف تذبل الأركان التي كانت يوماً تضج بحضورهم ، وبهيبتهم ، وبأصواتهم التي تملأ الكون دافئاً وآمناً ؟ إن رحيلهم لم يكن مجرد غياب لأشخاص ، بل كان انطفاءً للمصابيح التي كانت تضيء دروب حياتنا .
لكن ، آهٍ لو يعلمون من رحل بعدهم ! رحلت أمي ( أم خلدون ) ، ثم رحل أخي الغالي خلدون ( أبو محمد ) ، ثم رحلت الغالية أختي دلال رحمهم الله جميعاً ؛ لقد تجرعنا في وداعهم مرارة الأيام الحالكة ، وتكسرت على عتبات فراقهم قسوة الليالي وصعابها .
اليوم ، أقف هائماً بين صفحات الرثاء : ( رثاء الوالد للعم ) ، و ( رثائي للوالد ) ، و ( رثائي لأمي الحبيبة ، ولإخوتي الغاليين ، ولأختي الغالية ) . كل هذه الكلمات تختصر وجعاً ممتداً ، وقصة عائلة تعاهدت على الوفاء حتى في مماتها . رحل الصابرون الذين كانوا يحملون همومنا ، وبقينا نحن حراساً لذاكرتهم ، نقتات على بقايا حكاياتهم ، ونسترجع كلماتهم التي خلدتها الصحف ، علّها تخفف عنا بعضاً من ثقل هذا الفراق الأبدي .
رحمكم الله جميعاً يا من كنتم نبض حياتي ، وأسكنكم فسيح جناته ، وجعل ما أصاب قلوبنا في رحيلكم كفارةً ورفعةً .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) مدونة الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ( التوثيق الشخصي والعائلي لتواريخ الوفيات والسير الذاتية لأفراد العائلة ) .
- 2 ) أرشيف الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ( قصاصة جريدة الرأي الصادرة بتاريخ 9 / 6 / 2003 م ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.