يبين هذا المقال التصاور بين المفاهيم الاسلامية المرتكزة على السياق التشريعي الاصيل ( مثل : صحيفة المدينة ) ، ومفهوم القانون الدولي الحديث ( مثل : المادة 27 من العهد الدولي ) في تأصيل حقوق الاقليات ، موضحا اوجه التقارب والاختلاف في حماية الحريات والسلم المجتمعي .

مفهوم المواطنة وحقوق الأقليات في النظام السياسي الإسلامي : دراسة مقارنة بالقانون الدولي

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يُعدّ مفهوم المواطنة وحقوق الأقليات في النظام السياسي الإسلامي التزاماً تشريعياً وقانونياً أصيلاً يقوم على أساس الحقوق والواجبات المتبادلة ، ويتقاطع في كثير من جوانبه مع مبادئ القانون الدولي المعاصر .

​1 ) مفهوم المواطنة والتعايش :

​في النظام الإسلامي : تأسس مبكرًا عبر "صحيفة المدينة" كأول وثيقة دستورية تنظيمية لإدارة التعددية السياسية والمجتمعية ، حيث اعتُبر غير المسلمين ( كاليهود وغيرهم ) جزءًا من الأمة "أمة مع المؤمنين" ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم من واجب حماية الوطن والدفاع عنه والالتزام بالسلم المجتمعي .

​في القانون الدولي : مفهوم حديث واكب ظهور الدولة الوطنية القومية واتفاقيات جنيف والعهود الدولية المعاصرة ، ويقوم على المساواة المطلقة في التمتع بالحقوق المدنية والسياسية بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللون .

​2 ) حقوق الأقليات : دراسة مقارنة وعمق أكاديمي :

​الحماية والخصوصية الثقافية والدينية :

​الفقه الإسلامي : كفَل لأهل الذمة أو المواطنين غير المسلمين حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية ودور العبادة ، وترك لهم استقلالهم الذاتي في الأحوال الشخصية ( كالزواج والطلاق والمواريث ) بحسب شرائعهم . وفي ضوء الدراسات الفقهية المقارنة والأبحاث الأكاديمية الصادرة عن الجامعات ومستودعات الإيداع الرقمي (مثل أبحاث الأكاديمية الليبية للدراسات العليا ومجلات الدراسات القانونية في الجامعة الأردنية حول "حقوق الأقليات في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي") ، فإن ما كرّسته الشريعة الإسلامية من منظومة حقوقية ورعاية للأقليات يُعتبر إطاراً متكاملاً في تأصيل حمايتهم ذاتياً ومجتمعياً ودستورياً ، متجاوزاً أحياناً الإشكالات العملية التي تواجه تطبيق النصوص الوضعية .

​القانون الدولي : تنص المادة ( 27 ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – عند النظر في مصطلح الأقلية في سياقه التاريخي كما توثقه المفوضية السامية لحقوق الإنسان (OHCHR) – على حق الأقليات الدينية أو اللغوية أو الإثنية في التمتع بثقافتهم ، المجاهرة بدينهم ، واستخدام لغتهم بوصفه مفهوماً واسع النطاق وواضح المعالم يكفل عدم التمييز .

​الأبعاد والحماية القانونية :

​الفقه الإسلامي : استند إلى نصوص شرعية قطعية وثابتة ( إلهية المصدر ) ومقاصد الشريعة الكلية (حفظ الدين ، النفس ، العقل ، النسل ، والمال) ، مما يمنحها صفة الإلزام الدائم والشمولية الأخلاقية والقانونية دون قابلية للإلغاء من أهواء الأغلبية أو السلطة الحاكمة .

​القانون الدولي : يستند إلى المواثيق والمعاهدات الدولية لحقوق الإنسان وآليات الإجراءات الخاصة للأمم المتحدة المعنية بقضايا الأقليات ، ويعاني غالباً في إشكاليته العملية من ازدواجية المعايير أو عدم وفاء بعض الدول بالتزاماتها الدستورية والقانونية تجاه حماية هذه الفئات على أرض الواقع .

​3 ) أوجه التقارب والاختلاف :

​التقارب : يتفق النظاران في حماية النفس ، العرض ، المال ، وحرية العبادة ، ورفض التهميش أو الإقصاء القسري للأقليات ، فضلاً عن إقرار مبدأ جبر الضرر والمسؤولية الجنائية والمدنية المتساوية أمام القضاء .

​الاختلاف : يكمن في المرجعية والمنهج ؛ فالنظام الإسلامي يربط الحقوق بمنظومة قيمية وأخلاقية ودينية ملزمة (السياسة الشرعية والأحكام الدائمة) ، بينما يعتمد القانون الدولي على التعاقد الوضعي والآليات الأممية والمواثيق القابلة للتعديل بحسب التوافقات الدولية .

​4 ) آليات الدمج والتطبيقات التاريخية :

​في التجربة التاريخية الإسلامية : برزت تطبيقات عملية عميقة في العصور الإسلامية المختلفة ، حيث أتيح لغير المسلمين تولي الوظائف الإدارية والمالية (باستثناء الولاية الكبرى) ، وظهرت مؤسسات الوقف الإسلامي التي خدمت مرافق المجتمع العامة دون تمييز ديني ، مما رسخ مبدأ التكافل الاجتماعي والتناغم الحضاري .

​في المعايير الدولية المعاصرة : تؤكد إعلانات الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية أو دينية أو لغوية على ضرورة تعزيز الهوية الثقافية وضمان المشاركة الفعالة في الحياة العامة وصنع القرار ، وهو ما يتقاطع مع الجوهر الإنساني الذي أكد عليه الفقه الإسلامي المبكر في بناء الدولة المستدامة .

​مثّل النظام السياسي الإسلامي في تعامله مع التعددية وحقوق الأقليات نموذجاً متقدماً في حفظ كرامة الإنسان وتنظيم العلاقة التعاقدية بين الدولة ومختلف مكوناتها ، متكاملاً في غاياته الإنسانية الكبرى مع مبادئ العدالة التي تنشدها المواثيق الدولية المعاصرة ، ومؤكداً سبقه التاريخي في إقرار منظومة حقوق متكاملة ومستدامة تكفل التعايش والسلم المجتمعي بناءً على قواعد رصينة وثابتة .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) القرآن الكريم .
  3. ​2  ) محمد حميد الله ، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلفاء الراشدين ، دار النفائس ، بيروت .
  4. ​3  ) الجاحظ ، أبو عثمان عمرو بن بحر ، الحيوان ، تحقيق : عبد السلام هارون ، دار الجيل ، بيروت .
  5. ​4  ) دراسات دار المنظومة : حقوق الأقليات بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي ، قاعدة بيانات المنظومة للأبحاث والدراسات القانونية والمقارنة .
  6. ​5  ) منصة الفهرسة المغاربية للجلات العلمية ( ASJP ) : الأقليات والمواطنة وحقوق الأقليات - دراسة قانونية وشرعية ، مجلة الدراسات القانونية المقارنة .
  7. ​6  ) أرشيف الإنترنت ( Internet Archive ) : حماية الأقليات في ظل النزاعات المسلحة بين الفقه الجنائي الإسلامي والقانون الدولي الإنساني ، دراسة مقارنة .
  8. ​7  ) مستودعات الجامعة الأردنية للأبحاث والدراسات ( archives.ju.edu.jo ) : أثر السياسة الشرعية في تجسيد المواطنة من خلال الالتزام بقوانين الدولة وأنظمتها .
  9. ​8  ) المفوضية السامية لحقوق الإنسان ( OHCHR ) : نبذة عن الأقليات وحقوق الإنسان ، في سياق المادة ( 27 ) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية .
  10. ​9  ) مستودع الأكاديمية الليبية للدراسات العليا ( dspace.academy.edu.ly ) : حقوق الأقليات في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي : دراسة تحليلية مقارنة .