يُسلط ( المقال ) الضوء على ( إيوان كسرى ) باعتباره ( درة المعمار الساساني ) و ( شاهداً تاريخياً ود دينياً ) بارزاً في ( العراق ) .

إيوان كسرى ( طاق كسرى ) : درة المعمار الساساني وشاهد العصر في ( العراق )


​بقلم : الاستاذ قيصر صالح الغرايبه


​الموقع الجغرافي :


​يُعد ( إيوان كسرى ) أحد أبرز الشواهد الأثرية والحضارية لتاريخ بلاد ما بين النهرين في العصر الساساني . يقع الأثر في منطقة ( المدائن ) قطيسفون القديمة ، التي تقع إدارياً إلى محافظة بغداد ، وتُعرف محلياً ولدى العامة باسم ( سلمان باك ) نسبةً إلى الصحابي الشهير ( سلمان الفارسي ) المدفون هناك ، وتحديداً على الضفة الشرقية لنهر دجلة على بعد نحو 35 إلى 40 كيلومتراً إلى الجنوب الشرقي من العاصمة العراقية بغداد . وقد كانت المدائن واحدة من أعظم المدن في بلاد الرافدين القديمة ، وأكبر مدينة في العالم من عام 570 ميلادية حتى سقوطها عام 637 ميلادية . ويُمثل هذا الصرح العظيم الباقي الوحيد الظاهر للعيان من عاصمة الإمبراطورية الساسانية التي امتد ملكها لتشمل ( العراق ) إيران وأجزاء من آسيا ، فضلاً عن كونها الإمبراطورية التي تنافس الإمبراطورية البيزنطية في عظمتها ونفوذها .


​التاريخ والبناء والنشأة :


​تتعدد الروايات التاريخية حول الباني الحقيقي لهذه التحفة المعمارية ، غير أن الإجماع الأثري والتاريخي يرجح بدء بناء هذا الإيوان في عام 540 ميلادية في عهد الملك الساساني ( أنوشروان الأول ) ( الروحِ الخالدة ) قَباد الأول أو خسرو الأول ، وذلك بعد الحملة العسكرية على البيزنطيين عام 540 ميلادية . وقد بُني ليكون جزءاً أساسياً من المجمع القصر الإمبراطوروي الضخم المعروف بـ ( القصر الأبيض ) في مدينة طيسفون ، حيث يتوسطه ( إيوان كسرى ) الذي يمثل قاعة عرش كسرى وغرفة العرش المتوقعة تحت أو خلف القوس ، والتي نُقشت على جدرانها معركة أنطاكية التي دارت بين الفرس والروم . وكان يُستخدم قاعةً للاستقبالات الكبرى ، وعرش الملك ، وإصدار المراسيم الملكية ، واستقبال الوفود الدبلوماسية الأجنبية . وقد أخبر المهندسون الذين قاموا بتصميمه ( كسرى ) بأنه لا يتصدع إلا بالقيامة . وقد استلهم منه الكثير من الشعراء الفارسيين ( إيوان كسري ) ، ويُعد الوصف الأكثر شهرة لخاقاني في القصيدة المسماة ( بايوان مدائن ) ، كما وصفه بالعربية الشاعر ( البحتري ) في سينيتة المشهورة . وقد انتهت إمبراطوريتهم عام 651 ميلادية الموافق 30 هجرية على أيدي المسلمين .


​العمارة والتصميم الهندسي الفذ :


​يُعتبر إيوان كسرى معجزة هندسية في عصره نظراً لضخامته وتقنيات بنائه المبتكرة ؛ فهو أكبر إيوان من الطوب في العالم وأكبر قبو من الطوب في العالم وأكبر قوس قائم بذاته تم بناؤه حتى العصر الحديث ، حيث تم بناؤه دون الاعتماد على الدعامات والتسليح ودون استخدام سقالات خشبية معقدة بالكامل أثناء التشييد :




​البعد التاريخي والديني :


​يحظى الموقع بأهمية بالغة في الذاكرة التاريخية والإسلامية بوصفه شاهداً على إرهاصات النبوة وبشائر الفتح ؛ إذ روى أهل السير خبر ارتجاسه وسقوط شرفاته الأربع عشرة ليلة مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن ( كسرى أنوشروان ) بن قباذ بن يزدجرد بن بهرام جور ، إيذانًا بأن مولده الشريف ﷺ هو بداية النهاية لإمبراطورية فارس التي دامت قروناً كثيرة ، وبشارة بدخول أهل البلاد الخاضعة لها في نور الإسلام . وقد سقط من شرفات هذا القصر أربعة عشر شرفة وكانت علامة على عدد من تبقى من ملوكهم ، ففي زمن سيدنا أمير المؤمنين ( عثمان بن عفان ) رضي الله عنه كان آخر ملوكهم ودالت دولتهم إلى قيام الساعة ، عملاً بقوله ﷺ : ( إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ) . وقد قال القاضي عياض رحمه الله : ( فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبح كِسرى وقد انقصم طاق ملكه من غير ثقل ) . وقال البوصيري رحمه الله :


​يوم تفرس فيه الفرس أنهم


قد انذروا بححلول البؤس والنقم


​وبات إيوان كسرى وهو منصــــدعٌ


كشمل أصحاب كسرى غير ملتئـم


​وقد امتدت بشائر هذا القصر لتشمل رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم له أثناء حصار الأحزاب حين عرضت للمسلمين صخرة عظيمة عجزوا عنها فتناول ﷺ المعول فضرب الصخرة فبرقت بارقة فقال ﷺ : ( الله أكبر ، أعطيت مفاتيح فارس ، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض ) . وقد كان المنافقون يوم الأحزاب يسخرون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون : ما يأمن أحدهم أن يذهب للخلاء ، وهو يعدهم كنوز كسرى وقيصر ، فأكذب الله تعالى المنافقين ، وفتح للمسلمين وصدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده .


وصولاً إلى منتصف شهر صفر الخير من عام 16 للهجرة النبوية حين عبر المسلمون نهر دجلة خائضين بجيوشهم ليلاً يمشون فوقه بخيلهم في كرامة خصوا بها رضي الله عنهم ، فأشرق الصبح وقد انتصروا وطلع النور على جدران هذا الأيوان الضخم ، فصاح المسلمون : ( الله أكبر ، هذا ما وعدنا الله ورسوله ، وصدق الله ورسوله ) ، ودخلوا فاتحين مكبرين شاكرين ذاكرين لله تعالى حامدين لله تعالى على ما أولاهم من نعمة الفتح وإخضاع أكبر ممالك العالم حينها لحكم الإسلام .


إن ارتجاس هذا الإيوان العظيم وسقوط شرفاته ، كان بشرى بمولده ﷺ ، وفي طياتها بشريات بفتح البلاد ، ودخول العباد إلى الإسلام . وتداعى إيوان كسرى ولولا آية منك ما تداعى البناء .




​التحديات البيئية ومخاطر الانهيار :


​عبر القرون ، تعرض ( طاق كسرى ) لهزات أرضية وفيضانات مدمرة لنهر دجلة غيرت مجراه قليلاً وأضعفت البنيان ، فضلاً عن انهيار أجزاء واسعة منه بفعل الأمطار الغزيرة في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . وقد خضع لعدة عمليات ترميم وصيانة جزئية من قبل فرق آثار عراقية ودولية لمحاولة حمايته من السقوط والانهيار التام ، باعتباره إرثاً إنسانيا ً عالمياً مسجلاً .


​يظل إيوان كسرى أو ما يُعرف في اللهجة العراقية ( طاق كسرى ) رمزاً شاهداً على عراقة التاريخ الهيكلي والمعماري في ( العراق ) ، ومحطة بالغة الأهمية للباحثين في تاريخ الحضارات القديمة ، حيث يختزل بين أطلابه قصة صعود وسقوط إمبراطورية كبرى تركت بصمتها الواضحة في التراث الإنساني .


ملاحظات إضافية

زرت هذا المعلم الأثري في العراق في نيسان عام 1992 م ، وقد أدهشني بجماله وروعة دقته وتصميمه الذي ما زال ماثلاً للعيان ، لا سيما ذلك الصدع التاريخي الذي ظهر في جدرانه ليلة مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1   ) الطبري ، محمد بن جرير . تاريخ الرسوخ والملوك . بيروت : دار الكتب العلمية ، 1987 .
  3. 2   ) البلاذري ، أحمد بن يحيى . فتوح البلدان . بيروت : دار الهلال ، 1988 .
  4. 3   ) اليعقوبي ، أحمد بن إسحاق . البلدان . بيروت : دار صادر ، 2002 .
  5. 4   ) سوسة ، أحمد . تاريخ الإري والسياسة في العراق القديم . بغداد : مطبعة الإدارة المحلية ، 1970 .
  6. 5   ) موقع المنصة . طاق كسرى : إرث تاريخي يقاوم الزمن والإهمال . 2025 .