تجسد ( بصري الشام ) جوهرة تاريخية وإسلامية فريدة تمزج بين عبقرية العمارة البازلتية وأمجاد السير النبوية العطرة .
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
الموقع الجغرافي :
تُعد مدينة ( بصرى الشام ) إحدى أبرز العواصم التاريخية والحضارية في بلاد الشام ، وتحتل مكاناً استراتيجياً فريداً في جنوب ( سوريا ) . تقع المدينة إدارياً ضمن محافظة درعا في منطقة حوران التاريخية ، وتحديداً على هضبة حوران البركانية على بعد نحو 40 كيلومتراً إلى الشمال الشرقي من مركز محافظة درعا ، ونحو 140 كيلومتراً إلى الجنوب من العاصمة السورية دمشق ، وقريبـاً من الحدود الأردنية .
وقد كانت بصرى عبر العصور مفترق طرق رئيسياً للقوافل التجارية القديمة ، ولا سيما طريق الحرير وطريق القوافل المتجهة نحو الجزيرة العربية ومكة المكرمة ، مما جعلها ملتقى للحضارات الإنسانية المتعاقبة ومركزا تجارياً وثقافياً مزدهراً في قلب المنطقة .
التاريخ والبناء والنشأة :
تضرب جذور التاريخ في ( بصرى الشام ) في أعماق الزمن ؛ فقد ورد ذكرها لأول مرة في سجلات الفرعون المصري ( تحتمس الثالث ) في القرن الخامس عشر قبل الميلاد ، وفي ألواح ( العمارنة ) في القرن الرابع عشر قبل الميلاد باسم ( بوزرونا ) .
غير أن عصرها الذهبي الحقيقي بدأ عندما أصبحت عاصمة للولاية العربية الرومانية ( Arabia Petraea ) في عام 106 ميلادية في عهد الإمبراطور ( تراجان ) ، حيث أُطلق عليها اسم ( نوفا ترایانا بوسترا ) . وقد شهدت المدينة ازدهاراً معمارياً واحداثاً اقتصادية هائلة ، وتحولت في العهد البيزنطي إلى مركز ديني وتجاري ضخم .
ومع الفتوحات الإسلامية ، فتحها المسلمون بقيادة الصحابي الجليل ( أبو عبيدة بن الجراح ) رضي الله عنه ( وقيل صلحاً على يد القائد خالد بن الوليد بأمر من الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ) في عام 14 للهجرة الموافق 634 ميلادية ، لتصبح أول مدن حوران التي يدخلها الإسلام سلماً ، ولتلعب دوراً محوريّاً في العصور الإسلامية اللاحقة كمعبر لحجاج بيت الله الحرام ومحطة رئيسية على طريق التجارة بين مكة ودمشق .
العمارة والتصميم الهندسي الفذ :
تُعتبر ( بصرى الشام ) متحفاً مفتوحاً للعمارة القديمة نظراً لفرادة مبانيها التي شُيدت بالكامل من الحجر البازلتي الأسود الصلب ؛ فهي تحتضن معالم معمارية نادرة تجمع بانسجام تام بين الإرث الآكادي والآرامي والنبطي والروماني والبيزنطي والإسلامي :
بصرى الشام في السيرة النبوية والمكانة الدينية :
تحظى بصرى الشام بمكانة رفيعة استثنائية في الذاكرة الدينية والتاريخية والإسلامية بوصفها شاهداً على محطات نبوية مباركة وأحداث ذات شأن عظيم في السيرة النبوية الشريفة :
1 ) بشارة الميلاد النبوي الشريف : ارتبطت بصرى بأنوار مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؛ فقد أضاءت قصورها وأسواقها وأعناق إبلها . وفي ذلك تخبر أم رسول الله ﷺ السيدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها : ( رأيت نوراً كأنه شهاب خرج مني حين وضعته أضاءت لي أعناق الإبل ببصرى ) ، وفي رواية : ( أضاءت له قصور الشام وأسواقها ، حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى ) ، مصداقاً لقول النبي ﷺ : ( رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور فضاءت له قصور بصرى بالشام ) وفي رواية أخرى : ( حين حملت بي ) .
2 ) القدوم الشريف إلى بصرى : تشرفت هذه البلدة بأن قدم إليها النبي ﷺ مرتين وربما أكثر ؛ مرة في حداثة سنه برفقة عمه أبي طالب ( قيل كان عمره ﷺ تسع سنين ، وقيل بلغ الثانية عشرة ) ، ومرة أخرى وهو شاب قد بلغ الخامسة والعشرين من عمره الشريف ﷺ أثناء قيادته لقافلة السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها مع غلامها ميسرة .
3 ) لقاء الراهب بحيرا والبشارة بالنبوة : تلقى رسول الله ﷺ في بصرى البشارة بالنبوة مما وجده الراهب بحيرا في بقايا كتب أهل الكتاب ، مصداقاً لقول ربنا جل وعلا : ( يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ) . فقد خرج بحيرا من ديره المجاور للنخلة ـ هذا الذي ترونه في الصورة بجانب النخلة ، وكان لا يخرج لأحد ـ ورأى العلامات الدالة على نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأثبتها ، فرأى خاتم النبوة في ظهره الشريف ، ورأى الحجر والشجر يسجدان له قبل وصوله ، ورأى الغمامة تظلله ، ورأى فيء الشجرة يميل إليه . وحين سأله عن أبيه وأمه أُجيب بأنهما ماتا ، وسأله باللات والعزى فأجاب رسول الله ﷺ : ( لا تسلني باللات والعزى شيئاً ، فو الله ما أبغضت شيئاً قط بغضهما ) . فاستثبت بحيرا أنه هو المقصود بنبي آخر الزمان ، وأمر عمه بالرجوع به خوفاً عليه من اليهود والروم قائلاً : ( إن لهذا الغلام لشأناً عظيماً ، وإن ابن أخيكم هذا سيد العالَمين ، وإن الله يبعثه رحمة للعالمين ) ، وتمنى أن يدركه زمان بعثته ، وفي ذلك يقول الشاعر :
لما رآه بحيرا قال نعرفه ... بما حفظنا من الأسماء والسيم
4 ) تحقق علامات الساعة ( نار الحجاز ) : في بصرى تحققت علامة كبرى من علامات الساعة التي أخبر عنها النبي ﷺ ؛ وهي نار الحجاز التي خرجت من جوار المدينة المنورة سنة 654 للهجرة والتي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنها تضيء لها أعناق الإبل ببصرى . وقد كان ذلك حقاً ؛ فرواه الرواة ودونوه ، وشهده الناس ، وحدثت به الأعراب ، وكتبت الكتب على ضوئها ببصرى وبعث بها إلى المدينة ، وكما تحدثت عنها في منشور سابق ، فإنه في بصرى تحققت علامة من علامات الساعة التي أخبر بها النبي ﷺ .
5 ) ذكرها في وصف الجنة : وردت بصرى في سياق وصف دار نعيم المؤمنين في الآخرة ، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( والذي نفس محمد بيده ! إن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر أو كما بين مكة وبصرى ) .
وقد بقيت بصرى عبر التاريخ الإسلامي محط إجلال وتقدير ، وشهدت أراضيها ومساجدها خطوات كبار الصحابة والتابعين ، ولا سيما في العهد العمري الراشدي حين زارها أبو بكر الصديق مع بعض الصحابة قبل معركة بدر ، وأصبحت بعد الفتح قاعدة متقدمة للمسلمين في فتوحات الشام .
التحديات البيئية ومخاطر الحفاظ :
عبر القرون المتعاقبة ، تعرضت ( بصرى الشام ) لهزات أرضية مدمرة وعوامل مناخية قاسية أثرت على بعض أجزاء من نسيجها العمراني الفريد ، فضلاً عن التحديات المأساوية الكبرى والدمار الواسع الذي نالها جراء النزاعات المسلحة منذ اندلاع الثورة في مارس 2011 وما رافق ذلك من قصف واشتباكات أدت إلى تضرر منازلها القديمة وأجزاء من المعالم الأثرية ( كالمسرح الروماني وسرير بنت الملك والقلعة الأيوبية ) ، إلى جانب مخاطر الإهمال وغياب الصيانة وعبث لصوص الآثار والتنقيب العشوائي.
ورغم تسجيلها على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ عام 1980 ، وما شهدته لاحقاً من مساعٍ توثيقية وجهود ترميم جزئية في خندق القلعة والجدران المنهارة ومساعي التوثيق الرقمي ثلاثي الأبعاد ، فإنها لا تزال تواجه تحديات جسيمة تتطلب تحركاً جاداً لحماية حجارتها البازلتية السوداء وصيانة إرثها الحضاري العريق من خطر الاندثار والتدمير .
يظل إرث بصرى الشام أو ما يُعرف في الذاكرة التاريخية بـ ( مدينة الأبراج والمسرح ومحطة القوافل ) رمزاً شاهداً على عراقة الهندسة المعمارية والتاريخ الممتد في ( سوريا ) ، ومحطة استثنائية للباحثين والمؤرخين في دراسة تعاقب الحضارات الإنسانية على أرض بلاد الشام المباركة .













قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع :
- 1 ) القرآن الكريم .
- 2 ) ابن هشام ، عبد الملك بن هشام . السيرة النبوية . تحقيق : مصطفى السقا وآخرون ، دار إحياء التراث العربي .
- 3 ) البيهقي ، أحمد بن الحسين . دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة . تحقيق : عبد المعطي قلعجي ، دار الكتب العلمية ، بيروت .
- 4 ) ابن كثير ، إسماعيل بن عمر . البداية والنهاية . دار إحياء التراث العربي ، بيروت .
- 5 ) ابن بطوطة ، محمد بن عبد الله . تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ( رحلة ابن بطوطة ) . دار الكتب العلمية .
- 6 ) البلاذري ، أحمد بن يحيى . فتوح البلدان . دار الكتب العلمية ، بيروت .
- 7 ) الحموي ، ياقوت بن عبد الله . معجم البلدان . دار صادر ، بيروت .
- 8 ) العباس ، محمود . آثار حوران : دراسة ميدانية وتاريخية لمعالم بصرى الشام . وزارة الثقافة السورية ، دمشق .
- 9 ) الباشا ، حسن . الآثار الإسلامية في بلاد الشام . دار المعارف ، القاهرة .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.