يُسلط المقال الضوء على مسيرة القائد والرحالة الصيني المسلم تشنغ خه ( حجّي محمود شمس ) وأسطوله البحري الضخم الذي جاب المحيطات داعياً إلى السلام والتعاون الحضاري .

الرحالة والقائد العسكري الصيني تشنغ خه : رائد البحار ومكتشف عوالم التاريخ

​بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه

​يُعتبر التاريخ الإنساني حافلاً بالشخصيات الاستثنائية التي صنعت فارقاً جوهرياً في مسار الحضارات ، ومن أبرز هؤلاء الأعلام القائد والبحار الصيني الذي فتح آفاقاً جديدة لربط الشرق بالغرب ، حيث يُعد تشنغ خه ( وُلد عام 1371 م وتوفي عام 1433 أو 1435 م ) ، أحد أبرز الشخصيات التاريخية في فن الملاحة والاستكشاف والدبلوماسية العالمية ، إذ قاد أسطولاً بحرياً ضخماً جعل الصين سيدة البحار في القرن الخامس عشر الميلادي .

​النشأة والمسيرة :

​وُلد تشنغ خه في مقاطعة يوننان لعائلة مسلمة عريقة تنتمي إلى قومية " الهوي " ، وكان اسمه الأصلي " ما هي " . نشأ في بيئة تأثرت بأداء والده وجده فريضة الحج ، قبل أن يقع أسيراً في صراعات سلالة " مينغ " ويُرسل للخدمة في بلاط الأمير " تشو دي " الذي أصبح لاحقاً الإمبراطور يونغلي . وبفضل كفاءته وشجاعته الاستثنائية ، حظي بثقة الإمبراطور الذي منحه لقب " تشنغ " . انطلق بين عامي 1405 م و 1433 م في سبع رحلات بحرية كبرى استغرقت 28 عاماً ، جاب فيها سواحل المحيط الهندي ، وجنوب آسيا ، وشرق إفريقيا ، ووصل إلى مناطق الخليج العربي ، والبحر الأحمر ، ومكة المكرمة ، حاملاً معه بضائع كثيرة ومجسداً أسمى معاني التواصل الثقافي والحضاري .

​الريادة الملاحية والمقارنة الحضارية :

​تميزت رحلات تشنغ خه بسبقها الزمني والحضاري لرحلات المستكشفين الأوروبيين اللاحقين مثل كريستوفر كولومبوس ، وفاسكو دي غاما ، وماجلان . وقد اتسم أسطوله بضخامة غير مسبوقة ، إذ تشير التقديرات إلى أن سفينة كانت أكبر حجماً من سفينة كولومبوس بمرتين أو أكثر ، وضم مئات السفن المعروفة بـ " سفن الكنز " وعشرات الآلاف من البحارة والعلماء .

​وعلى عكس النهج الاستعماري الدموي الذي مارسه بعض المستكشفين الغربيين لاحقاً بحق السكان الأصليين — كالهنود الحمر في أمريكا أو الأبورجنيين في أستراليا — تميزت رحلات تشنغ خه بطابع سلمي بحت ، فلم تشعل حروباً أو تُلحق الأذى بالشعوب ، بل استهدفت بناء الجسور الدبلوماسية ، مما جعل الصين تحتفي به رسمياً عام 2005 م بمرور 600 عام على انطلاق أولى رحلاته الكبرى ، مطلقة عليه لقبي " رسول المهمات الدبلوماسية " و " رجل السلام " .

​فرضيات الاكتشافات المبكرة والخرائط التاريخية :

​تطرح العديد من الدراسات والنظريات التاريخية احتمالية تفوق تشنغ خه في الوصول إلى أقاليم أبعد بكثير من السجلات الرسمية المتبقية ، حيث يُعتقد أنه وصل إلى سواحل الأمريكتين قبل كولومبوس ، وإلى أستراليا قبل الكابتن كوك . وتُعد خريطة العالم لعام 1418 م ، المنسوبة إليه والتي تُظهر تفاصيل جغرافية للأمريكتين قبل الاكتشاف الأوروبي ، واحدة من أبرز الشواهد التي تدعم هذه الفرضيات والجهود الاستكشافية الكبرى التي غيرت ملامح التراث الملاحي العالمي .

​هكذا يبقى إرث هذا الرحالة العظيم شاهداً على أن التفوق الحقيقي لا يُقاس بحجم الغزوات ، بل بقدرة الإنسان على مد جسور التعارف والسلام بين مختلف الأمم والشعوب عبر العصور .

قائمة المصادر والمراجع

  1. قائمة المصادر والمراجع :
  2. ​1  ) ابن بطوطة ، محمد بن عبد الله . ( 1987 م ) . تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار . بيروت : دار الكتاب اللبناني .
  3. ​2  ) الماوردي ، علي بن محمد . ( 1985 م ) . الأحكام السلطانية والولايات الدينية . القاهرة : دار الكتب العلمية .
  4. ​3  ) ليفاتس ، لويز . ( 2003 م ) . سفن الكنز الصينية : رحلات الأسطول الإمبراطوري في القرن الخامس عشر . ترجمة مركز الدراسات الآسيوية . القاهرة : دار الفكر العربي .