على امتداد السهول الشمالية الأردنية، حيث تتجلى ” حوارة ” كبساطٍ سندسيٍّ يصافح الأفق، تشرقُ حكايةٌ من أنبل حكايات الوفاء الإنساني. لم تكن حوارة، تلك الرابضة على بوابة إربد الشرقية، مجرد إحداثية جغرافية في دفاتر اللجوء، بل كانت ” داراً للأنصار ” استبقت الحدث بقلبٍ مفعمٍ بالعروبة، فشرعت أبوابها قبل أن تُغلق بوجه الأشقاء الدروب. في هذا التقرير، نسبر أغوار ملحمة ” المؤاخاة ” التي سطرها أهل حوارة وعشيرة الغرايبة وعموم عشائر البلدة، الذين تقاسموا مع أشقائهم المهاجرين لقمة العيش، وشقاء الكد، وطموح البناء، في تلاحمٍ فريدٍ صهر الهويات في بوتقةٍ وطنية واحدة لا تقبل القسمة.

توثيق اجتماعي • ذاكرة مكان • سرد وجداني

حوارة / إربد: نموذج المؤاخاة والاستقبال التاريخي للعائلات من أصول فلسطينية منذ العشرينيات

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

غلاف المقال - حوارة وإربد

على امتداد السهول الشمالية الأردنية، حيث تتجلى " حوارة " كبساطٍ سندسيٍّ يصافح الأفق، تشرقُ حكايةٌ من أنبل حكايات الوفاء الإنساني. لم تكن حوارة، تلك الرابضة على بوابة إربد الشرقية، مجرد إحداثية جغرافية في دفاتر اللجوء، بل كانت " داراً للأنصار " استبقت الحدث بقلبٍ مفعمٍ بالعروبة، فشرعت أبوابها قبل أن تُغلق بوجه الأشقاء الدروب. في هذا التقرير، نسبر أغوار ملحمة " المؤاخاة " التي سطرها أهل حوارة وعشيرة الغرايبة وعموم عشائر البلدة، الذين تقاسموا مع أشقائهم المهاجرين لقمة العيش، وشقاء الكد، وطموح البناء، في تلاحمٍ فريدٍ صهر الهويات في بوتقةٍ وطنية واحدة لا تقبل القسمة.

فجر الروابط وجذور المودة (1920 - 1947 م):

لم تكن العلاقة بين حوارة والعائلات ذات الأصول الفلسطينية وليدة أزمات سياسية طارئة، بل كانت امتداداً طبيعياً لوحدة الأرض والدم. فمنذ عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، استقبلت حوارة طلائع العائلات التي وفدت للعمل في التجارة والزراعة المتقدمة.

ويُسجل التاريخ بمداد من الفخر أن عائلة الصوالحة كانت من أوائل العائلات الفلسطينية التي استقبلتها حوارة وعشائرها بحفاوة بالغة في عشرينيات القرن الماضي، حيث كان استقرارهم المبكر لبنة أساسية في نسيج البلدة الاجتماعي. كان استقبال عشيرة الغرايبة وأهالي البلدة آنذاك استقبالاً يتجاوز مفاهيم الضيافة العابرة، إذ فُتحت المضافات قبل البيوت، ودمج القادمون في المجتمع كأبناءٍ بررة لا كغرباء عابرين. ومن هذا السهل المنبسط، انطلقت أولى لبنات التكامل التجاري والزراعي، حيث نقل الوافدون خبراتهم، ليجدوا في كرم أهل حوارة بيئة خصبة للاستقرار الذي لم يخدشه شعور بالغربة يوماً.

زلزال اللجوء ومسارات التغريبة (1948 - 1967 م) :

حين عصفت رياح النكبة عام 1948 م ثم النكسة عام 1967 م، تجلى المعدن الأصيل لبلدة حوارة في أبهى صوره. لقد كان معظم المهجرين الذين استقروا في إربد بشكل عام، وحوارة بشكل خاص، ينتمون جغرافياً إلى قلب شمال فلسطين، حيث وفدت العائلات من مناطق الجليل، والحولة، ومرج ابن عامر، بالإضافة إلى نابلس وقراها، وطوباس وقراها، وصفد، وجنين وقراها، وسيلة الظهر، وطيرة حيفا (طيرة الكرمل)، وطيرة بيسان، وغيرها من الحواضر الشمالية.

وفي شهادة حية على تلك الحقبة، أذكر ما رواه لي شخصياً جدي المرحوم الحاج مصطفى سليم الغرايبة (أبو غازي)، ففي أعقاب حرب عام 1967 م، قام هو وشقيقه المرحوم الحاج يوسف سليم الغرايبة (أبو فخري) باستقبال عائلة فلسطينية كريمة من عائلة (شعواطة) في منزلهم الواقع بوسط بلدة حوارة بالقرب من مسجد أسامة بن زيد.

لم يكتفِ الجد وعمه بفتح أبواب المنزل فحسب، بل مدّوهم بالمؤن والأدوات اللازمة وتشاركوا معهم تفاصيل الحياة اليومية، حيث بقيت عائلة شعواطة مضافة ومكرمة لفترة زمنية لا بأس بها قبل أن ينتقلوا لاحقاً للاستقرار في مدينة إربد.

لقد تسابق أهل حوارة في تقديم الأراضي والمساحات لبناء المساكن، وتقاسموا لقمة العيش بعفويةٍ مطلقة، حتى غدت البيوت بيتاً واحداً، وذابت في طرقاتها كل مسميات " اللاجئ " و " النازح " لتستقر مكانها كلمة واحدة هي " الأخ “.

الاندماج التعليمي وفسيفساء حوارة الجميلة:

لقد انعكس هذا الانصهار الاجتماعي في أبهى صوره داخل أسوار مدارس حوارة. فحين كنا يافعين على مقاعد الدراسة، كانت الصفوف المدرسية عبارة عن لوحة فسيفسائية مذهلة الجمال، تضم أبناء عشائر حوارة جنباً إلى جنب مع أشقائهم من أبناء العائلات التي وفدت من فلسطين.

كانت تلك اللوحة تعبر عن اندماجٍ واضحٍ وعفويّ، فلم نكن نعرفُ يوماً فرقاً بين ابن هذه العشيرة أو تلك العائلة الفلسطينية، إذ كان يجمعنا هدفٌ واحدٌ هو العلم والتحصيل، وكانت " العصبية " بعيدة كل البعد عن عقولنا وأهدافنا. لقد نشأنا في بيئةٍ مدرسيةٍ صهرت الجميع في بوتقة الأخوة والمواطنة الصالحة، فغدت مدارس حوارة المختبر الأول لنجاح هذه التجربة الوحدوية الفريدة.

حوارة الحاضنة القومية (التسعينيات وما بعدها) :

استمرت حوارة في دورها كحاضنةٍ وجدانية وقومية لم تقتصر على الأشقاء الفلسطينيين فحسب، بل امتدت لتشمل كل مكلومٍ عربي. فعقب أحداث عام 1990 م وما تبعها من أزمات، استقبلت حوارة العائدين من دول الخليج، كما فتحت ذراعيها لاحقاً للأشقاء من سوريا والعراق وغيرهم من الجنسيات العربية التي تعرضت بلدانهم للحروب والنكسات المتتابعة.

بينما كانت قصص معاناة الفلسطينيين في المنافي والشتات تدمي القلوب — كحال من يبحث عن قبر يضمه في بلاد الاغتراب — كانت حوارة تمثل " الوطن البديل عن الغربة “، حيث استقبل أهالي البلدة الجميع بروح الترحيب ذاتها، مما حفز الوافدين على استثمار خبراتهم في بناء النهضة العمرانية والاقتصادية المعاصرة للبلدة، لتصبح حوارة نموذجاً للوحدة الوطنية والعروبية الراسخة.

قامات وتاريخ تجذر بالعمل والمصاهرة:

إن تاريخ حوارة لا يُقرأ بمعزلٍ عن أسماءٍ وقاماتٍ شامخة من العائلات التي عاشت في كنف عشائر حوارة، وتصاهرت معهم حتى غدا النسبُ حبلَ وريدٍ لا ينقطع. لقد ساهم هؤلاء بجهودهم في كافة قطاعات الحياة، من وظائف حكومية وتجارة وزراعة وحرف دقيقة.

ومن هذه الأسماء التي نذكرها بكل فخر واعتزاز، على سبيل الذكر لا الحصر، كأعمدةٍ في مجتمع حوارة:

علي سليمان شتيه ابو عمر ، وعديله عبد الكريم النوباني ، رضوان زيدان ابو محمد ، اسماعيل ابو السل ، أبو غالب توفيق التاج ، أبو ثابت التاج ، أبو إبراهيم التاج ، أبو مشرف التاج ، داود محمد شحادة البداوي ابو داود ، عبد الكريم العابد ابو مالك ، أيوسف الصوالحة بو سامي ، وشقيقه أبو نايف الصوالحة ، صبحي الصوالحة ، فالح الصوالحة ، أبو خالد الصراوي ، سعود الربيقي ابو أكرم ، أبو رامز ، ابو النمر ، أحمد ابو حماد ، وشقيقه حسني ابو حماد ، أبو محمد البلعاوي ، أبو عدنان البلعاوي ، أبو العبد قزمار ، أبو زكريا كنعان ، مروح ابو مازن ، رسمي ابو شنب ، أبو الخير ابو ليل ، أبو سعاد ( الذي أصبح يُكنى فيما بعد بأبي إبراهيم الغزاوي ) ، أبو محمد الجوابرة ، سميح الريماوي ابو توفيق ، أبو اليسر وغيرهم الكثير الكثير .

هؤلاء الرجال وعائلاتهم لم يكونوا مجرد سكان، بل كانوا شركاء في الدم والمصير، حيث تجذرت علاقتهم بأهل حوارة عبر المصاهرة والنسب، فأصبحوا نسيجاً واحداً يشدُّ بعضه بعضاً.

إن حوارة اليوم، بشموخ عشائرها وعطاء العائلات العربية المستقرة فيها، تقفُ كشاهدِ عيانٍ على قرنٍ من " المؤاخاة " الصادقة. هي المكان الذي لا تُسأل فيه عن جنسيتك إلا لتُعرف من أي بيوت الكرم أنت. ستبقى حوارة " ذاكرة المكان " التي لا تنسى فضل المحتضن ولا جهد الباني، والنموذج الذي يُحتذى في الوحدة التي تجلت في أسمى معانيها فوق هذا السهل الأردني الطيب.

معرض الصور

المصادر والمراجع:

  1. أرشيف بلدية إربد الكبرى وحوارة ، توثيق التوسع السكاني والمخططات التنظيمية.
  2. مركز دراسات اللاجئين والنازحين ، سجلات الهجرة والاندماج الاجتماعي في الشمال.
  3. الروايات الشفوية لكبار السن من عشائر حوارة وعائلاتها.
  4. الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية ، تاريخ الاستقرار في شرق الأردن.
  5. وكالة شمس نيوز الإخبارية ، تقارير حول التغريبة الفلسطينية والمعاناة في المنافي (2021 م)
  6. دائرة الإحصاءات العامة ، بيانات النمو السكاني وأثر الهجرات العربية.
  7. المقابلات الميدانية والتوثيق الأهلي للمهن والحرف التقليدية في بلدة حوارة.
  8. سجلات الأحوال المدنية ، توثيق علاقات المصاهرة والنسب التاريخية في المنطقة.
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.