تُعد الصورة البصرية لمدينة إربد ” عروس الشمال ” ناقصة دون استحضار مهنة ” المزين “، تلك الحرفة التي حبست في ثنايا صالوناتها أسرار المجتمع وتحولاته. لم يكن الحلاق في إربد قديماً مجرد بارع في استخدام المقص، بل كان مثقفاً وسياسياً ومعالجاً شعبياً، وصالونه يمثل ” برلماناً ” يومياً لرجالات المدينة. ومع تطور الزمن، تحولت هذه الحرفة من دكاكين بسيطة إلى مراكز تجميل متطورة، مع بقاء بعض المعالم التي تأبى الاندثار.
بين المقص والموس: حكاية صالونات الحلاقة في ذاكرة إربد
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
تُعد الصورة البصرية لمدينة إربد " عروس الشمال " ناقصة دون استحضار مهنة " المزين “، تلك الحرفة التي حبست في ثنايا صالوناتها أسرار المجتمع وتحولاته. لم يكن الحلاق في إربد قديماً مجرد بارع في استخدام المقص، بل كان مثقفاً وسياسياً ومعالجاً شعبياً، وصالونه يمثل " برلماناً " يومياً لرجالات المدينة. ومع تطور الزمن، تحولت هذه الحرفة من دكاكين بسيطة إلى مراكز تجميل متطورة، مع بقاء بعض المعالم التي تأبى الاندثار.
أولاً: الرعيل الأول وشيوخ الكار في إربد (عصر التأسيس):
ارتبط تاريخ الحلاقة في إربد بأسماء عصامية نقلت المهنة من البيوت إلى المحال التجارية الثابتة:
- أبو حامد الحلاق (محمد محي الدين اللحام): (1898 - 1983 م) ، شيخ الحلاقين وأول من افتتح صالوناً مؤسسياً في إربد عام 1929 م. استأجر محله في بناية (علي عمر أبو غنيمة) في شارع الهاشمي. كان صالونه " ثلاثة في واحد “: صالون حلاقة، وعيادة طبية ، ومكان لبيع المواد التموينية. عُرف بثقافته الواسعة، وكان صالونه مِحجاً لرجالات الحركة الوطنية الأردنية وسدنة الفكر، حيث كانت تُناقش فيه قضايا الاستقلال والقضية الفلسطينية على أنغام إذاعة القاهرة والشرق الأدنى.
- برهان الحلاق: من أشهر وأقدم حلاقي إربد القديمة، وكان صالونه ملتقى لوجهاء المدينة، ومن أبرز زبائنه الدائمين المرحوم (ضيف الله كريزم).
- محمود الصفدي: أحد أعلام المهنة القدماء، وكان محله يقع في منطقة حيوية في " شارع الملك طلال " قرب مطعم ياسين الفوال، وشكل ركناً أساسياً من ذاكرة الأسواق القديمة.
- الحاج نمر موسى سمارة (أبو ماهر): من أوائل من امتهنوا الحلاقة في محافظة إربد منذ الأربعينيات، واستمر في عمله لأكثر من 65 عاماً، ويُعد من المراجع الحية لتاريخ المهنة.
- ماجد منير خريم (أبو نسيم): صاحب " صالون الإتيكيت " في شارع إيدون قبالة سرفيس المستشفى العسكري . توارث المهنة عن والده الحاج منير منذ عام 1965 م ، ولا يزال صالونه أيقونة تراثية تحافظ على الراديو القديم والمرايا الكلاسيكية، ويقصدها حتى اليوم أساتذة جامعة اليرموك.
ثانياً: حلاقو بلدة حوارة وجدل العلاقة مع المركز:
أما فيما يتعلق ببلدة حوارة، فقد شهدت السبعينيات والثمانينيات بزوغ أسماء تركت بصمة واضحة في الذاكرة المحلية:
- المرحوم محمود غزلان (أبو محمد): يُعد أشهر الحلاقين الذين ظهروا في بلدة حوارة خلال تلك الحقبة. فحين نذكر مهنة الحلاقة، يتبادر للأذهان اسم هذا الشخص الذي تنقل في عدة مواقع داخل البلدة لممارسة مهنته. ورغم ظهور العديد من الصالونات ومراكز التجميل لاحقاً في حوارة، إلا أن القرب الجغرافي من مركز مدينة إربد جعل جلَّ الناس ومعظمهم يتوجهون إلى صالونات المدينة الكبرى ليقصوا شعورهم ويتزينوا في أروقتها التاريخية، مما خلق نوعاً من التمازج الاجتماعي والمهني بين القرية والمدينة.
ثالثاً: الحلاق المعالج .... عيادة الحي الشعبية:
إلى جانب الحلاقة والسياسة، كانت دكاكين الحلاقين تعمل كعيادات طبية تقدم خدمات ضرورية تلاشت اليوم:
- الحجامة والعلاج بالعلقة: استخدام " دودة العلقة " لامتصاص الدم ، أو " كاسات الهوا " لعلاج آلام الظهر.
- خلع الأضراس: بطرق طريفة ومؤلمة أحياناً باستخدام الخيط المعدني ومقبض الباب أو " الكماشة “.
- التطهير (الختان) : حيث كان الحلاق هو المرجع الأول لهذه المهمة في الأحياء والقرى.
مشهد بصري من ذاكرة الصالونات
قائمة المصادر والمراجع:
- أبو غنيمة ، زياد. (الكتاب الموسوعي: إربدي يتذكر)
- الغرايبة، قيصر صالح. (دراسات في التراث الشعبي لمدينة إربد)
- حجازي، رائد عبد الرحمن. (سيرة الرواد: أبو حامد الحلاق نموذجاً).
- مدونة " إربديات " و " الأردن قديماً " . (2021 - 2026 م)
- المواقع الإلكترونية الإخبارية: (البلد نيوز، كنانة نيوز، جراسا نيوز، سرايا نيوز)
- الأرشيف الشفوي لسكان شارع الهاشمي وشارع الملك طلال.
الكاتب قيصر غرايبة
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.