يُعد الزواج في المجتمع الأردني الركيزة الأساسية لبناء النسيج الاجتماعي ، والضمانة الأولى لصيانة الأمن المجتمعي ، فهو ليس مجرد عقد قانوني أو اتفاق عابر بين فردين ، بل هو ” نسب ومصاهرة ” استراتيجية تربط بين عائلات وعشائر ممتدة عبر الجغرافيا والتاريخ . لقد تميزت طقوس الزواج في الدولة الأردنية بقدرتها الفائقة على المزاوجة بين الحفاظ على الأصالة الموروثة من عبق البادية وشموخ الريف
منظومة الزواج في المجتمع الأردني: دراسة في التحولات الأنثروبولوجيا والروابط السوسيولوجية
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
موروث العائلة ودستور المودة
يُعد الزواج في المجتمع الأردني الركيزة الأساسية لبناء النسيج الاجتماعي ، والضمانة الأولى لصيانة الأمن المجتمعي ، فهو ليس مجرد عقد قانوني أو اتفاق عابر بين فردين ، بل هو " نسب ومصاهرة " استراتيجية تربط بين عائلات وعشائر ممتدة عبر الجغرافيا والتاريخ . لقد تميزت طقوس الزواج في الدولة الأردنية بقدرتها الفائقة على المزاوجة بين الحفاظ على الأصالة الموروثة من عبق البادية وشموخ الريف ، وبين الانفتاح الواعي على مدنية العصر الحديث . يتناول هذا المقال ببحثٍ مستفيض فلسفة الزواج وأنماطه التاريخية ، ومراحله التي تبدأ بـ " فنجان القهوة " الرمزي الذي يختزل كبرياء العشيرة ، وتنتهي بوليمة " القرى " الاحتفالية ، مسلطاً الضوء على ذلك التنوع الثقافي الفريد والأركان الشرعية والضوابط القانونية التي تحفظ كيان الأسرة .
1 ) الجذور التاريخية والتحولات ( من عهد الإمارة إلى اليوم )
تاريخياً ، وفي عهد إمارة شرق الأردن ، كان الزواج يتم غالباً داخل القرية الواحدة أو نطاق العائلة الواحدة ( زواج الأقارب ) ، وذلك خوفاً من انتقال ملكية الأراضي الزراعية إلى خارج العائلة . ومن الظواهر التي سادت آنذاك زواج الرجال بنساء أكبر منهم سناً لأسباب اقتصادية واجتماعية ، وكانت الزوجة التي لا تملك شهادة تثبت سنها يُقدر عمرها عن طريق الحاكم الإداري والمختار رسمياً . ومع تطور الدولة ، انتقل المجتمع من دائرة " الحصر العائلي " إلى آفاق أرحب ، مع بقاء " الرغبة العشائرية " حاضرة في مباركة هذا الارتباط ، وظلت احتفالات الزواج من أبرز المناسبات التي تجمع السكان وتعكس تكافلهم .
2 ) أنماط الزواج في المجتمع الأردني ( التقليدي ، البدل ، الغر ، والعرفي )
تعددت أنماط الزواج في الأردن تبعاً للظروف الاجتماعية والقانونية :
الزواج التقليدي : النمط السائد والأكثر استقراراً ، يبدأ بترشيح الأم وقريبات العريس ، ثم زيارات " الرشوف " الاستطلاعية قبل الخطوات الرسمية .
زواج البدل : نمط قديم يقوم على مبادلة ( أخ بأخت ) ، ورغم اندثاره حالياً ، إلا أنه كان سبباً تاريخياً في العديد من النزاعات وحالات الطلاق ، إذ ارتبط مصير الزوجة الأولى بنجاح أو فشل زواج الأخرى .
زواج الغر : نمط ارتبط سابقاً بـ " القضاء العشائري " كدية لإصلاح قضايا الدم ، وتلاشى تماماً في الأردن المعاصر لمخالفته القانون والشرع وحقوق الإنسان .
الزواج غير الرسمي ( الزواج العرفي ) : حذر القانون الأردني بشدة من هذا النوع ، وبحسب المادة ( 36 / ج ) من قانون الأحوال الشخصية ، يُعاقب العاقد والزوجين والشهود إذا لم يوثق العقد رسمياً ، حمايةً للحقوق ومنعاً لضياع الأنساب .
3 ) عادات وتقاليد الزواج حسب البيئة والتنوع الثقافي
مجتمع البادية : يتسم بالهيبة والوقار ، والطلب يكون عبر الشيخ أو كبار العشيرة ، ويشتهر بـ " السامر " الأردني وذبح الذبائح كرمز للكرم .
مجتمع الريف : يرتبط بمواسم الحصاد والخير ، ويتميز بـ " التعليلة " الممتدة لعدة ليالٍ وأغاني " المهاهاة " و " الهجيني " التي ترددها النساء .
مجتمع المدينة : يميل للتنظيم الحديث في الصالات ، مع الحفاظ الصارم على " الجاهة " كبروتوكول أساسي لا غنى عنه .
الزواج الشركسي : يتميز بحفل " الفنطزية " بقيادة منظم يسمى ( حتيلقوة ) ، ومن تقاليدهم أن أم العروس لا تحضر الزفاف ، والزواج الثاني عندهم نادر جداً .
الزواج عند الطوائف المسيحية : يتم من خلال عقد القران في الكنيسة ، ويعد الكاهن ( رجل الدين المسيحي ) الشاهد الأول . تاريخياً ، كان زواج ابنة العم ممنوعاً إلا بإذن المطران ، ولا يجوز الجمع بين زوجتين ، وتتم المراسم بصلوات وترانيم دينية معينة .
4 ) مراحل الزواج وأركانه الشرعية والقانونية
يقوم الزواج الصحيح في الأردن على أركان ثابتة تضمن صحة العقد وهي : ( الإيجاب والقبول ، أهلية الخاطب والمخطوبة ، حضور شاهدين رجلين أو رجل وامرأتين ، ووجود الولي ) .
1 ) الجاهة وطلب العروس : البروتوكول الرسمي حيث يبرز " فنجان القهوة " كأداة دبلوماسية ، فلا يُشرب إلا بعد إجابة الطلب بعبارة " اشرب قهوتك وحياك الله ، مآخذك متمم " .
2 ) الخطبة وإشهارها : تشمل الاتفاق على المهر ( المعجل والمؤجل ) وتلبيس " الشبكة " الذهبية كإعلان رسمي للارتباط .
3 ) عقد القران ( كتب الكتاب ) : يتم بواسطة مأذون مرخص من " دائرة قاضي القضاة " ، مع اشتراط " الفحص الطبي " الإلزامي لضمان بناء أسرة سليمة .
5 ) مراسم الزفاف والطلاق في الوجدان الشعبي
ليلة الحناء : تمثل ليلة الوداع العاطفية للعروس في بيت أهلها ، حيث تجتمع النساء وسط الشموع والحناء والأهازيج التراثية .
الزفة والقرى : يوم " الكبيرة " حيث يُزف العريس من المضافة ، وتُقام وليمة المنسف ( القرى ) لإشهار الزواج وإطعام الطعام .
الطلاق : تاريخياً ، ساد الطلاق في بعض الحالات لأسباب منها زواج البدل أو غياب الزوج الطويل . وفي عهد الإمارة ، كان يتم مقابل دفع مبالغ معينة وحقوق النفقة ، وتجري دعوى طلب الطلاق في المنطقة التي عُقد فيها الزواج .
تظل منظومة الزواج في الأردن الحارس الأمين على القيم المجتمعية ، والقلعة التي تتحطم عليها محاولات التغريب . إنها رحلة تبدأ بـ " الجاهة " وتنتهي بـ " بناء الأجيال " ، حيث يمتزج فيها التكافل الاجتماعي بين المسلمين والمسيحيين ، والعرب والشركس ، في لوحة وطنية فريدة تعكس روح التسامح التي سادت منذ عهد الإمارة . إن الالتزام بالأركان الشرعية والضوابط القانونية يضمن بقاء الهوية الأردنية شامخة ، متماسكة ، وأصيلة ، قادرة على مواجهة التحولات العالمية دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية .
معرض الصور
قائمة المصادر والمراجع
1 ) العبادي ، أحمد . ( العادات والتقاليد الأردنية ) .
2 ) أبو حسان ، محمد . ( تراث البدو الاجتماعي ) .
3 ) الغرايبة ، قيصر صالح . ( دراسات في المجتمع الأردني المعاصر ) .
4 ) دائرة قاضي القضاة ، قانون الأحوال الشخصية الأردني .
5 ) أرشيف المكتبة الوطنية ( مئوية الدولة الأردنية - قسم الوثائق الخاصة ) .
6 ) دائرة الإفتاء العام الأردنية ( الفرق بين الزواج الصحيح والباطل والفاسد ) .
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.