كثيراً ما يتردد على مسامعنا في حواراتنا اليومية ونقاشاتنا الفكرية عبارة ” هنا مربط الفرس “، فنستحضرها كلما رغبنا في الإشارة إلى جوهر المقصد، أو تسليط الضوء على نقطة الارتكاز التي يدور حولها الحوار. إنها الكلمة الفصل التي تختصر المسافات وتضع النقاط على الحروف. لغوياً، ” المربط ” هو اسم مكان مشتق من الفعل (ربط) ، ويقصد به الموضع الذي تُشد إليه الخيل وتستقر فيه، ولكن خلف هذا التركيب اللغوي البسيط تكمن قصة ضاربة في جذور الشهامة العربية والفروسية الأصيلة.

مقال أرشيفي توثيقي

" هنا مربط الفرس “: من ذاكرة الصحراء إلى بلاغة الكلمة . . .. قصة "الشهيلة" التي خلدت المثل

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

جوهر المعنى ومكمن الحقيقة:

كثيراً ما يتردد على مسامعنا في حواراتنا اليومية ونقاشاتنا الفكرية عبارة " هنا مربط الفرس “، فنستحضرها كلما رغبنا في الإشارة إلى جوهر المقصد، أو تسليط الضوء على نقطة الارتكاز التي يدور حولها الحوار. إنها الكلمة الفصل التي تختصر المسافات وتضع النقاط على الحروف. لغوياً، " المربط " هو اسم مكان مشتق من الفعل (ربط) ، ويقصد به الموضع الذي تُشد إليه الخيل وتستقر فيه، ولكن خلف هذا التركيب اللغوي البسيط تكمن قصة ضاربة في جذور الشهامة العربية والفروسية الأصيلة.
هنا مربط الفرس

1. ​ ملاحم الصحراء: حين تلتقي " شمر " بـ " الأساعدة “:

تروي لنا الذاكرة الشعبية وقصص القبائل رواية تعد هي الأشهر في تفسير نشوء هذا المصطلح، بطلها شيخ من شيوخ قبيلة " شمّر " العريقة، حين نزل ضيفاً مكرماً في مضارب شيخ من شيوخ " الأساعدة “. وكعادة العرب في إكرام الضيف، كانت القهوة الصباحية هي موعد اللقاء والسمر، إلا أن غياب الضيف " الشمري " في أحد الصباحات أثار قلق المضيف، ليبعث في طلبه مستفسراً عن حاله، فجاء الخبر اليقين: لقد سُرقت " الشهيلة “، وهي الفرس الأصيلة التي يعتز بها الضيف، مما حال بينه وبين لقاء مضيفه خجلاً وحزناً.

2. ​كبرياء الخيل: " الشهيلة " وتحدي اللحاق بها:

حين عاتب شيخ الأساعدة ضيفه على عدم إبلاغه بالسرقة فور وقوعها، رد الضيف بعبارة تحمل في طياتها اعتزازاً بفرسه ويأساً من استعادتها، قائلاً: " لم أظن أن لديكم فرساً يستطيع اللحاق بالشهيلة " . كان هذا التصريح بمثابة تحدٍ غير مقصود لفروسية المضيف وخيله، فما كان من شيخ الأساعدة إلا أن أمر ابنه الشاب بركوب فرسه " العبية " الصغيرة، واقتفاء أثر السارق لاستعادة " الشهيلة " في الحال.

3. ​ العودة بالخبر اليقين: رأس السارق ومربط الفرس:

غادر الفتى في وقت الضحى، ومع حلول العصر، شوهد عائداً على صهوة فرسه " أم التوادي " وحيداً دون " الشهيلة “. ظن الضيف حينها أن حدسه كان في محله، وأن فرسه لا تُدرك، ولكن المفاجأة كانت بانتظار الجميع حين اقترب الفتى ليعلن لأبيه وللضيف حقيقة ما جرى. قال الفتى بفروسية الواثق: " والله لقد تعبت من الجري فربطتها في مكان قريب، ومعها رأس السارق معلق هناك، فأدركوها بالماء لأنها عطشى “.

4. ​تخليد الموضع: من واقعة تاريخية إلى مثلٍ سائر:

هرع القوم إلى المكان الذي وصفه الفتى، ليجدوا صدق مقالته، " الشهيلة " مربوطة هناك، ونهاية السارق كانت عبرة لمن اعتبر. ومنذ تلك اللحظة، عُرف ذلك الموضع التاريخي عند قبائل العرب بـ " مربط الفرس “، تخليداً لتلك الوقعة التي أثبتت أن لكل خيل أصيلة خيلاً تسبقها، ولكل قول فعلاً يصدقه.
​​لم تكن قصة " مربط الفرس " مجرد استعادة لفرس مسروقة، بل كانت إعلاناً عن قدرة الفارس العربي على حماية حماه وصون كرامة ضيفه. واليوم، حين نقول " هنا مربط الفرس “، فنحن لا نستذكر مكاناً جغرافياً فحسب، بل نستحضر قيمة الصدق، والدقة، والوصول إلى الغاية المنشودة بعد عناء البحث، لتظل هذه العبارة شاهداً على بلاغة لغتنا وعمق تراثنا.
مربط الفرس

قائمة المصادر والمراجع:

1. ​ العبادي ، أحمد. (العادات والتقاليد الأردنية)
2. أبو حسان، محمد. (تراث البدو الاجتماعي)
3. الغرايبة، قيصر صالح. (دراسات في المجتمع الأردني المعاصر)
قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.