مقال أرشيفي توثيقي
ذاكرة الضوء والظل: تاريخ وفنون التصوير الفوتوغرافي في إربد
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
تُعد الصورة الفوتوغرافية المرآة التي حبست تفاصيل الزمان في مدينة إربد، "عروس الشمال“، فهي ليست مجرد توثيق لملامح الوجوه، بل هي سجل بصري يرصد تحولات المدينة العمرانية والاجتماعية. منذ أن دخلت الكاميرا شوارع إربد القديمة، بدأت حكاية جيل من الرواد الذين طوعوا الضوء والظل ليحفظوا لنا ذاكرة لا تصدأ، فكانت استوديوهاتهم ومعداتهم البسيطة هي الحارس الأمين لتاريخنا المحفور في وجدان الحجر والبشر.
دفتر الضوء والذاكرة
من الكاميرا الخشبية إلى أرشيف المدينة
بدأ التصوير الفوتوغرافي في إربد كحرفة دقيقة تعتمد على الضوء الطبيعي والخبرة اليدوية والصبر الطويل.
حفظ الرواد ملامح الناس والأسواق والوجوه، فغدت الصورة وثيقة حياة لا مجرد لقطة عابرة.
ومن خلال الاستوديوهات الصغيرة، تشكلت ذاكرة بصرية ما زالت تنبض حتى اليوم.
حراس الضوء في عروس الشمال
لم يكن المصورون مجرد أصحاب مهنة، بل كانوا أمناء على لحظات الفرح والهوية والتحول الاجتماعي.
وفي عدساتهم التقت شوارع إربد القديمة بوجوه أهلها، فصار الألبوم الشعبي جزءاً من تاريخ المدينة.
لهذا تبقى صورهم شاهدة على زمن لا يعود، لكنه لا يغيب.
المسار الزمني لفنون التصوير في إربد
الخمسينيات
عهد التأسيس
ظهور التصوير الشمسي والكاميرات الخشبية الصندوقية وانتشار المصورين في الساحات العامة.
الستينيات والسبعينيات
الاحتراف والانتشار
ارتباط المهنة بالمراكز الحيوية ودوائر الدولة وازدهار الاستوديوهات التاريخية في شارع السينما والهاشمي.
الذاكرة الباقية
الأرشيف البصري
تحولت صور الرواد إلى جزء أصيل من التراث الشعبي والذاكرة العمرانية والاجتماعية لمدينة إربد.
أولاً: عهد التأسيس وعصر التصوير الشمسي (الخمسينيات والستينيات):
بدأت مهنة التصوير الفوتوغرافي في إربد كحرفة يدوية دقيقة تعتمد على " التصوير الشمسي " والكاميرات الخشبية الصندوقية المنصوبة على قارعة الطريق والمغطاة بالقماش الأسود. في تلك الحقبة، كان المصورون " سدنة الضوء " ينتشرون في الساحات العامة لتقديم صور بالأبيض والأسود، تتركز غالبيتها على البورتريهات الشخصية التي أصبحت اليوم جزءاً أصيلاً من التراث الشعبي للمدينة.
رواد " سوق السروجية “: برز في سوق السروجية أو الإسكافية (شارع الهاشمي حالياً) وبالقرب من سوق الفخار القديم، مجموعة من المصورين الفطريين، ومنهم " المصورون الأربعة " الذين اشتهروا في السبعينيات (الجمل، الأشقر العمري، أبو فتحي، وزميل رابع لهم).
عميد المصورين: يُعد تيسير خليفة العمري (الأشقر) (1943 - 2021 م) من أقدم مصوري المحافظة الذين أفنوا حياتهم في شارع الهاشمي، يرافقه في تلك الذاكرة المصور زكريا العمري، أحد الوجوه البارزة في تاريخ هذا الشارع العريق.
ثانياً: مرحلة الاحتراف والمراكز الحيوية (الستينيات والسبعينيات):
مع اتساع رقعة المدينة وتطور الحاجة للتوثيق الرسمي، انتقل مركز ثقل المهنة ليرتبط بالمراكز الحيوية ودوائر الدولة:
منطقة شارع السينما والجوازات: نظراً لوجود دائرة الجوازات قديماً في هذا النطاق، تجمهر المصورون بالقرب من " عيادة الدكتور بركات " لتلبية حاجة المواطنين للصور الرسمية. في هذا الموقع، برز اسم المصور أبو زيد الجمل (رحمه الله) الذي استقر بجانب " مكتبة الجهاد " في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات.
مدرسة آل سرحان: الريادة التاريخية للأشقاء (جودت ومصطفى وعادل سرحان)، إذ يُعتبر جودت سرحان (1922 - 2014 م) رائد هذا الفن ومؤسس مدرسة احترافية نقلت التصوير من مجرد حرفة إلى فن مؤسسي بامتياز.
ثالثاً: بيوتات الذاكرة .... أقدم الاستوديوهات التاريخية:
شكلت الاستوديوهات الثابتة صالونات اجتماعية وثقت ذكريات أجيال متعاقبة، حيث كانت رحلة الوصول إليها من القرى المحيطة (كدير أبي سعيد، وزحر، والنعيمة، والصريح، وحوارة، وشطنا، وكفرسوم، وحرتا وغيرها) رحلة مبهجة وشاقة في آن واحد:
استوديو البيروتي: أحد أبرز المقاصد القديمة، اشتهر بكرسيه الدائري الصغير المتحرك، وغرفته الصغيرة الملحقة المجهزة بمرآة منتصبة وفرشاة شعر أسطوانية لتجهيز " الهندام " قبل اللقطة الحاسمة.
استوديو رمسيس وميشيل: من أعرق المواقع في " شارع السينما “، حيث استقر ميشيل هناك منذ الخمسينيات، وكان رمسيس وجهة رئيسة لطلاب المدارس والعائلات.
استوديو قرمز: المعلم الأبرز في " شارع الإسكافية " قديماً (قرب سوق البخارية حالياً أو سوق الفخار القديم).
جيل السبعينيات الذهبي: شهدت هذه المرحلة بزوغ استوديوهات (أوغاريت، الكرمل، الكرنك، وكليوباترا لصاحبه سعيد رباح)، والتي واكبت عصر " الفلاش " والدخان المتصاعد من لمبة الكاميرا، ولقطات المناظر الطبيعية في الخلفية.
رابعاً: طقوس الصورة وأسرار " الغرفة المظلمة “:
لم يكن التصوير مجرد ضغطة زر، بل طقساً يتضمن ارتداء " جاكيت " الاستوديو الجاهز وربطة العنق ، وتمليس الشعر في صالونات (فارس أو أبو رياض) القريبة. كانت الصور تُسلم بعد أسبوع مقابل وصل مالي يحمل ملاحظة شهيرة: " المصور لا يعطي المسودة “. كما شهدت هذه الفترة بدايات ظهور الكاميرات الشخصية بين الرفاق، ولهفة انتظار تحميض أفلام " كوداك " (36 صورة) وما يرافقها من خيبات احتراق الأفلام أو أفراح الصور الزائدة.
إن استحضار أسماء هؤلاء المصورين وتلك الاستوديوهات العريقة، ليس مجرد حنين للماضي، بل هو تكريم لروادٍ صنعوا لنا " هوية بصرية " نعتز بها. لقد رحل الكثير منهم ، وبقيت صورهم بالأبيض والأسود تنبض بالحياة، تخبرنا عن إربد الأمس وتعلمنا أن اللقطة الصادقة هي التي تبقى حين يغيب الغائبون . سيبقى أرشيف هؤلاء المبدعين شاهداً حياً على عظمة " عروس الشمال " وأهلها الكرام عبر الزمان.
قائمة المصادر والمراجع:
( 1 ) الغرايبة ، قيصر صالح. (معالم وحكايات من إربد القديمة(
( 2 ) سجلات المهن التاريخية في بلدية إربد الكبرى.
( 3 ) المدني ، وليد. (شهادات شفوية ونص " حفلة تصوير قديمة “).
( 4 ) مدونة " حكايات في الزمان والمكان " (2023 م).
( 5 ) الأرشيف الشفوي لرواد شارع السينما وشارع الهاشمي.
( 6 ) موسوعة القرى والمدن الأردنية (قسم التراث الشعبي) .
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.
التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.