يشرق تاريخ شرق الأردن في مطلع العشرينيات كفجرٍ حافلٍ بالبناء ، حيث واجهت الدولة الناشئة أمواج التحديات التأسيسية بصبرٍ وجلد . ومن بين تلك الركائز ، برز تنظيم البيت الداخلي اقتصادياً كضرورةٍ لا تحتمل التأجيل ، للانتقال من دهاليز الفوضى النقدية التي خلفتها العهود الغابرة إلى رحاب نظامٍ ماليٍ رصين يرفع راية السيادة . وتأتي وثيقة ( قانون النقد ) المنشورة في جريدة ( الشرق العربي ) عام 1922 م ، لتبوح بأسرار الرؤية الثاقبة للقيادة الهاشمية ، التي أدركت باكراً أن استقرار الأوطان يبدأ من استقرار موازينها ، فاختارت ( القرش المصري ) ليكون حجر الزاوية في صرحٍ ماليٍ مهّد الطريق لولادة الدينار الأردني بعد عقود.
السيادة النقدية في مهد الإمارة: قراءة في قانون النقد لعام 1922 م
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
من فوضى النقد إلى بناء النظام
جاء قانون النقد في لحظة تأسيسية دقيقة، حين كانت الإمارة الناشئة بحاجة إلى مرجعية مالية تضبط التعاملات وتمنح السوق الثقة.
لم يكن الاختيار النقدي قراراً فنياً فحسب، بل كان خطوة سيادية مبكرة في سبيل ترسيخ انتظام الدولة الحديثة.
ومن هنا غدت العملة أداة تنظيم، وعلامة من علامات الانتقال من الاضطراب إلى الاستقرار.
وثيقة سيادية مبكرة
كشف القانون عن وعي إداري واقتصادي متقدم، إذ ضبط الأسعار، ووحّد الواردات والنفقات، وأقام أساساً مالياً صالحاً للبناء المؤسسي.
وفي هذا المعنى، تبدو الوثيقة أكثر من نص قانوني؛ إنها إعلان مبكر عن سيادة الدولة في أحد أهم مفاصلها.
ومن هذا الأساس، تدرجت التجربة الأردنية حتى نضجت لاحقاً في صورة النظام النقدي الوطني.
نص الوثيقة التاريخية:
الرقم المتسلسل: ٤٧
تليت مذكرة المستشار المالي المؤرخة في ٨ شباط سنة ٩٢٢ رقم ( ٣٧٧ / ٢٧ ) ومؤداها طلب إقرار اللائحة القانونية المرتبطة بها والمتضمنة إحلال القرش المصري محل القرش السوري في المنطقة اعتباراً من بداية السنة المالية المقبلة رعاية للمصلحة . ولدى المذاكرة وتدقيق بنود اللائحة المذكورة ، تقرر قبولها على أن ترفع لمقام الإمارة الجليلة حتى إذا اقترنت بالإرادة المطاعة تبلغ إلى المستشار المالي لإجراء إيجابه .
2 ) ١٠٠ قرش للورقة المالية المصرية .
3 ) ٩٧.٥٠ قرش لليرة الإنجليزية الذهبية .
4 ) ٨٧.١٧٥ قرش لليرة العثمانية الذهبية .
5 ) ٧٧.١٥ قرش لليرة الفرنساوية الذهبية .
2 ) قاضي القضاة : سعيد الكرمي
3 ) رئيس المستشارين ( الوزراء ) : مظهر رسلان
4 ) المستشار القضائي : ابراهيم
5 ) المستشار المالي : احمد حلمي
6 ) معاون نائب العشائر : احمد مريود )
التحليل الاقتصادي والسياسي للنص :
لم يكن قرار إحلال القرش المصري محل السوري مجرد استبدال لعملة بأخرى ، بل كان طوق نجاةٍ اقتصاديٍ انتشل المنطقة من لجّة التقلبات الحادة التي عصفت بالنقد السوري المرتهن آنذاك للفرنك الفرنسي . لقد انحازت الإمارة للاستقرار الرصين الذي وفره الجنيه المصري بظهيره الذهبي المتصل بالجنيه الإسترليني ، مما شيّد سياجاً من الثقة حول حركة التجارة ومدخرات العباد في ربوع شرق الأردن .
تجلى في ثنايا المواد ( الأولى ، الخامسة ، والسادسة ) عبورٌ تاريخيٌ من ضفاف الأعراف العشوائية إلى شواطئ القانون المنضبط . فتوحيد لغة النقد في جباية الواردات وصرف النفقات وإيفاء الرواتب ، رسم المعالم الأولى لموازنةٍ عامةٍ شفافة ، غدت معها الرقابة المالية والمحاسبة الحكومية نهجاً مؤسسياً لا يقبل القسمة على الهوى .
ببراعةٍ فائقة ، احتضنت المادة الثانية فسيفساء العملات الذهبية التي كانت تجوب الأسواق ( إنجليزية ، عثمانية ، فرنسية ) ، لكنها لم تتركها نهباً للمصادفات . فقد صاغ المشرع بذكائه ( ميزان صرفٍ ثابت ) ، كبح به جماح المضاربات وقطع الطريق على المتلاعبين ، ليمنح أصحاب الرؤوس الأموال طمأنينةً كانت هي الوقود الأول لمحركات الاقتصاد الوطني .
لم ينفصل القانون عن نبض الشارع وهمسه ، فجاءت المادة الثالثة لتعكس مرونةً فذةً في التعامل مع ( الريال المجيدي ) وأجزائه كـ ( البرغوث ) . إن ترك تقدير قيمتها للمستشار المالي وفق ( رواجها ) يبرهن على فهمٍ عميق لسيكولوجية المجتمع الذي ارتبطت ذاكرته بالفضة العثمانية ، فجاء القانون ليصالح بين هيبة التنظيم الحديث وبين موروثات التعامل الشعبي الأصيل .
قائمة المصادر والمراجع:

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.