يشرق تاريخ شرق الأردن في مطلع العشرينيات كفجرٍ حافلٍ بالبناء ، حيث واجهت الدولة الناشئة أمواج التحديات التأسيسية بصبرٍ وجلد . ومن بين تلك الركائز ، برز تنظيم البيت الداخلي اقتصادياً كضرورةٍ لا تحتمل التأجيل ، للانتقال من دهاليز الفوضى النقدية التي خلفتها العهود الغابرة إلى رحاب نظامٍ ماليٍ رصين يرفع راية السيادة . وتأتي وثيقة ( قانون النقد ) المنشورة في جريدة ( الشرق العربي ) عام 1922 م ، لتبوح بأسرار الرؤية الثاقبة للقيادة الهاشمية ، التي أدركت باكراً أن استقرار الأوطان يبدأ من استقرار موازينها ، فاختارت ( القرش المصري ) ليكون حجر الزاوية في صرحٍ ماليٍ مهّد الطريق لولادة الدينار الأردني بعد عقود.

¤
مقال أرشيفي توثيقي

السيادة النقدية في مهد الإمارة: قراءة في قانون النقد لعام 1922 م

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

يشرق تاريخ شرق الأردن في مطلع العشرينيات كفجرٍ حافلٍ بالبناء ، حيث واجهت الدولة الناشئة أمواج التحديات التأسيسية بصبرٍ وجلد . ومن بين تلك الركائز ، برز تنظيم البيت الداخلي اقتصادياً كضرورةٍ لا تحتمل التأجيل ، للانتقال من دهاليز الفوضى النقدية التي خلفتها العهود الغابرة إلى رحاب نظامٍ ماليٍ رصين يرفع راية السيادة . وتأتي وثيقة ( قانون النقد ) المنشورة في جريدة ( الشرق العربي ) عام 1922 م ، لتبوح بأسرار الرؤية الثاقبة للقيادة الهاشمية ، التي أدركت باكراً أن استقرار الأوطان يبدأ من استقرار موازينها ، فاختارت ( القرش المصري ) ليكون حجر الزاوية في صرحٍ ماليٍ مهّد الطريق لولادة الدينار الأردني بعد عقود.
السيادة النقدية في مهد الإمارة
دفتر الذاكرة المالية في مهد الإمارة

من فوضى النقد إلى بناء النظام

جاء قانون النقد في لحظة تأسيسية دقيقة، حين كانت الإمارة الناشئة بحاجة إلى مرجعية مالية تضبط التعاملات وتمنح السوق الثقة.

لم يكن الاختيار النقدي قراراً فنياً فحسب، بل كان خطوة سيادية مبكرة في سبيل ترسيخ انتظام الدولة الحديثة.

ومن هنا غدت العملة أداة تنظيم، وعلامة من علامات الانتقال من الاضطراب إلى الاستقرار.

وثيقة سيادية مبكرة

كشف القانون عن وعي إداري واقتصادي متقدم، إذ ضبط الأسعار، ووحّد الواردات والنفقات، وأقام أساساً مالياً صالحاً للبناء المؤسسي.

وفي هذا المعنى، تبدو الوثيقة أكثر من نص قانوني؛ إنها إعلان مبكر عن سيادة الدولة في أحد أهم مفاصلها.

ومن هذا الأساس، تدرجت التجربة الأردنية حتى نضجت لاحقاً في صورة النظام النقدي الوطني.

المسار الزمني للسيادة النقدية
1922
صدور القانون نشر قانون النقد في جريدة الشرق العربي، وإقرار إحلال القرش المصري محل القرش السوري ضمن رؤية مالية تأسيسية.
1923
بدء النفاذ نص القانون على بدء العمل به اعتباراً من بداية شهر نيسان سنة 1923، لتبدأ مرحلة التطبيق العملي للنظام النقدي الجديد.
لاحقاً
التمهيد للدينار الأردني هيأت هذه المرحلة الأساس الإداري والمالي الذي مهد الطريق لاحقاً لولادة الدينار الأردني بوصفه عنواناً للسيادة النقدية المكتملة.

نص الوثيقة التاريخية:

سجل قانون النقد الأردني
قانون النقد الأردني الصادر في جريدة الشرق العربي عام 1922 م :
( ​قانون النقد
الرقم المتسلسل: ٤٧
​تليت مذكرة المستشار المالي المؤرخة في ٨ شباط سنة ٩٢٢ رقم ( ٣٧٧ / ٢٧ ) ومؤداها طلب إقرار اللائحة القانونية المرتبطة بها والمتضمنة إحلال القرش المصري محل القرش السوري في المنطقة اعتباراً من بداية السنة المالية المقبلة رعاية للمصلحة . ولدى المذاكرة وتدقيق بنود اللائحة المذكورة ، تقرر قبولها على أن ترفع لمقام الإمارة الجليلة حتى إذا اقترنت بالإرادة المطاعة تبلغ إلى المستشار المالي لإجراء إيجابه .
​لائحة قانون النقد
​المادة الأولى : يحل القرش المصري محل القرش السوري في الواردات والنفقات وفي جميع المعاملات الرسمية والمقادير المعينة في القوانين والأنظمة المعمول بها كافة .
​المادة الثانية ؛ تقبض النقود الذهبية والورقة المالية وتؤدى بأسعارها الثابتة المدرجة فيما يأتي :
1 ) ١٠٠ قرش للجنيه المصري الذهب .
2 ) ١٠٠ قرش للورقة المالية المصرية .
3 ) ٩٧.٥٠ قرش لليرة الإنجليزية الذهبية .
4 ) ٨٧.١٧٥ قرش لليرة العثمانية الذهبية .
5 ) ٧٧.١٥ قرش لليرة الفرنساوية الذهبية .
​المادة الثالثة : تعين أسعار الريال المجيدي وأقسامه البرغوث الكبير والصغير من قبل المستشار المالي حسب رواجها في السوق التجاري .
​المادة الرابعة : تقبل النقود الفضية والنكلية المصرية بأسعارها القانونية .
​المادة الخامسة : تؤدى الديون وتجبى بقايا الضرائب والمطلوبات الأميرية المتحققة قبل بداية سنة ٩٢٣ المالية بعد تحويلها إلى عملة مصرية .
​المادة السادسة : تؤدى الرواتب الذاتية بالقرش المصري .
​المادة السابعة : تلغى الضمائم المضافة إلى ضريبة الأراضي والمسقفات ورسوم التمتع .
​المادة الثامنة : يعمل بهذا القانون اعتباراً من بداية شهر نيسان سنة ١٩٢٣ .
​المادة التاسعة : المستشار المالي مأمور بإنفاذ أحكام هذا القانون .
​١٥ شباط سنة ٩٢٢
​الموقعون :
1 ) عبد الله ( الأمير عبد الله بن الحسين )
2 ) قاضي القضاة : سعيد الكرمي
3 ) رئيس المستشارين ( الوزراء ) : مظهر رسلان
4 ) المستشار القضائي : ابراهيم
5 ) المستشار المالي : احمد حلمي
6 ) معاون نائب العشائر : احمد مريود )

التحليل الاقتصادي والسياسي للنص :

​1 ) فك الارتباط النقد السوري :
لم يكن قرار إحلال القرش المصري محل السوري مجرد استبدال لعملة بأخرى ، بل كان طوق نجاةٍ اقتصاديٍ انتشل المنطقة من لجّة التقلبات الحادة التي عصفت بالنقد السوري المرتهن آنذاك للفرنك الفرنسي . لقد انحازت الإمارة للاستقرار الرصين الذي وفره الجنيه المصري بظهيره الذهبي المتصل بالجنيه الإسترليني ، مما شيّد سياجاً من الثقة حول حركة التجارة ومدخرات العباد في ربوع شرق الأردن .
​2 ) مأسسة النظام المالي وهيكلة الدولة :
تجلى في ثنايا المواد ( الأولى ، الخامسة ، والسادسة ) عبورٌ تاريخيٌ من ضفاف الأعراف العشوائية إلى شواطئ القانون المنضبط . فتوحيد لغة النقد في جباية الواردات وصرف النفقات وإيفاء الرواتب ، رسم المعالم الأولى لموازنةٍ عامةٍ شفافة ، غدت معها الرقابة المالية والمحاسبة الحكومية نهجاً مؤسسياً لا يقبل القسمة على الهوى .
​3 ) التعددية النقدية في إطار الانضباط :
ببراعةٍ فائقة ، احتضنت المادة الثانية فسيفساء العملات الذهبية التي كانت تجوب الأسواق ( إنجليزية ، عثمانية ، فرنسية ) ، لكنها لم تتركها نهباً للمصادفات . فقد صاغ المشرع بذكائه ( ميزان صرفٍ ثابت ) ، كبح به جماح المضاربات وقطع الطريق على المتلاعبين ، ليمنح أصحاب الرؤوس الأموال طمأنينةً كانت هي الوقود الأول لمحركات الاقتصاد الوطني .
​4 ) استنطاق روح السوق ( البرغوث والمجيدي ) :
لم ينفصل القانون عن نبض الشارع وهمسه ، فجاءت المادة الثالثة لتعكس مرونةً فذةً في التعامل مع ( الريال المجيدي ) وأجزائه كـ ( البرغوث ) . إن ترك تقدير قيمتها للمستشار المالي وفق ( رواجها ) يبرهن على فهمٍ عميق لسيكولوجية المجتمع الذي ارتبطت ذاكرته بالفضة العثمانية ، فجاء القانون ليصالح بين هيبة التنظيم الحديث وبين موروثات التعامل الشعبي الأصيل .
​​يظل ( قانون النقد رقم 47 ) شاهداً حياً على ولادة الإرادة السيادية ، فهو وثيقة استقلالٍ لم تُكتب بالبارود فحسب ، بل سُطرت بمداد الحكمة المالية والحرص على كينونة الإمارة . لقد وضع هذا القانون القواعد الراسخة التي اتكأت عليها الإدارة الأردنية في رحلة صعودها ، مبرهناً للقاصي والداني أن عظمة الدول تُبنى حين تُضبط الموازين وتتوحد المرجعيات تحت كنف القيادة الهاشمية التي لم تفتأ ترسم للأمة دروب النهضة والوقار .

قائمة المصادر والمراجع:

​1 ) جريدة الشرق العربي ( الجريدة الرسمية لاحقاً ) ، الأعداد الصادرة في عام 1922 - 1923 م .
2 ) أرشيف دائرة المكتبة الوطنية الأردنية ، سجلات القوانين والأنظمة التاريخية لإمارة شرق الأردن .
3 ) تاريخ الأردن في القرن العشرين ، مراجع تاريخية موثقة حول التطور الإداري والمالي في عهد الملك المؤسس .
4 ) الصور والوثائق المرفقة ( قانون النقد الأردني - نسخة مصورة ) .
قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.