تعد تجربة توحيد المناهج المدرسية بين المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية واحدة من أعمق التجارب الوحدوية في التاريخ العربي الحديث، فهي لم تكن مجرد اتفاق سياسي عابر ، بل كانت صياغة حقيقية لوعي أجيال كاملة تشاركت الحرف والقصيدة والمعادلة الرياضية تحت سقف معرفي واحد .

مقال أرشيفي توثيقي

التعليم المشترك: قصة المناهج التعليمية الموحدة بين الأردن وسوريا (1976 - 1992 م)

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

تعد تجربة توحيد المناهج المدرسية بين المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية واحدة من أعمق التجارب الوحدوية في التاريخ العربي الحديث، فهي لم تكن مجرد اتفاق سياسي عابر ، بل كانت صياغة حقيقية لوعي أجيال كاملة تشاركت الحرف والقصيدة والمعادلة الرياضية تحت سقف معرفي واحد .
التعليم المشترك
دفتر الذاكرة المدرسية

من دفاتر البدايات

انطلقت تجربة التعليم المشترك بوصفها مشروعاً ثقافياً وتربوياً جمع بين الأردن وسوريا في رؤية معرفية واحدة.

تشارك التلاميذ في البلدين ذات النصوص والقصائد والدروس الأولى، فتكوّنت ذاكرة مدرسية عربية مشتركة.

هذا الأثر لم يكن تعليمياً فحسب، بل وجداني أيضاً، لأنه صاغ بدايات الوعي لجيل كامل.

صفحات لا تُنسى

ظلت عبارة "تُدرّس في مدارس المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية" علامة راسخة في أذهان الطلبة.

ومع التحول في مطلع التسعينيات، بقيت تلك الكتب شاهداً على واحدة من أعمق تجارب التكامل التربوي العربي.

واليوم، يعود الحديث عن التعاون التربوي بوصفه امتداداً لذاكرة لم تنطفئ.

المسار الزمني للتجربة التعليمية المشتركة
1976
بداية التطبيق الفعلي انطلاق تنفيذ مشروع المناهج الموحدة بين الأردن وسوريا، وبدء تداول الكتب المشتركة في المدارس.
1992
مرحلة التحول والتطوير اعتماد الأردن مناهج مطورة محلياً تواكب المستجدات التكنولوجية والعلمية، وانتهاء المرحلة الكلاسيكية للمناهج المشتركة.
2026
عودة الملف التربوي تجدد النقاش حول التعاون التربوي وتبادل الخبرات ومعادلة الشهادات ضمن أطر التنسيق الأردني السوري الحديثة.

1 ) شهادة من جيل الانطلاقة : ذكريات الصف الأول الابتدائي :

بصفتي من أبناء ذلك الجيل الذي عاصر انطلاقة هذا المشروع ، أستذكر تماماً كيف كنا " الجيل الأول " الذي طبقت عليه هذه المناهج المطورة . ففي العام الدراسي 1975 / 1976 م ، وبينما كنت طالباً في الصف الأول الابتدائي ، بدأت رحلتنا مع هذه الكتب الموحدة . لقد رافقنا هذا المنهاج في أدق تفاصيل تأسيسنا المعرفي ، حيث بدأنا دراسته من الصف الأول ، ثم تواصلت المسيرة في الصفوف الثاني والثالث والرابع ، وهكذا استمر تطبيق هذه المناهج في بقية الصفوف الدراسية اللاحقة ، ليكون هذا المنهاج هو الحاضن الأول لوعينا الدراسي وبداياتنا في القراءة والحساب .

2 ) البداية والقرار التاريخي ( منتصف السبعينيات ) :

مثّل منتصف سبعينيات القرن الماضي فترة ذهبية في تاريخ العلاقات الأردنية السورية ، حيث شهدت عمان ودمشق لقاءات قمة عديدة ومكثفة بين المغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال والرئيس حافظ الأسد . وفي مطلع عام 1976 م ، بدأت الخطوات التنفيذية لهذا المشروع التربوي الرائد بعد لقاءات فرعية شملت مختلف المحافظات لبحث الشؤون التكاملية . وقد قاد هذا الحراك من الجانب الأردني وزير التربية والتعليم آنذاك ، المرحوم ذوقان الهنداوي ، الذي عقد اجتماعات موسعة في وزارته لبحث خطوات تنفيذ ما اتفق عليه مع الجانب السوري ، واضعاً بذلك اللبنات الأولى لتوحيد المحتوى التعليمي .

3 ) " يُدرّس في مدارس الدولتين " : ملامح المنهاج وتفاصيله :

بدأ التطبيق الفعلي والمكثف للمشروع في العام الدراسي 1976 / 1977 م ، وتميزت تلك الكتب بعبارة شهيرة تصدرت أغلفته نصها : " تدرس في مدارس المملكة الأردنية الهاشمية والجمهورية العربية السورية " .
المواد الموحدة : شملت خطة التوحيد مواد اللغة العربية ، والعلوم ، والرياضيات ، ثم توسعت لاحقاً لتشمل التربية الإسلامية والمواد الاجتماعية ( التاريخ والجغرافيا ) ، حيث تم التركيز على جغرافيا الوطن العربي وتاريخ بلاد الشام ككتلة واحدة .
المحتوى القيمي : ركزت المناهج على تعزيز الانتماء العربي والوحدة الجغرافية ، واستحضار القيم القومية المشتركة .
الذاكرة الجمعية : يستذكر جيلنا دروساً أيقونية مثل درس " أمي وأبي " والقصائد والأناشيد الموحدة التي رددها الطلبة في عمان ودمشق وكل مدن وقرى وبوادي البلدين في آن واحد ، مما خلق انسجاماً فكرياً وتربوياً فريداً .

4 ) الاستمرارية والتحول ( 1992 م ) :

استمر العمل بهذا المنهاج المشترك لسنوات طويلة ، موفراً بيئة تعليمية متناغمة سمحت بانتقال الطلبة والمعلمين بسلاسة بين البلدين ( الأردن وسوريا ) دون وجود فجوات أكاديمية . ومع مطلع التسعينيات ، وتحديداً في عام 1992 م ، بدأت وزارة التربية والتعليم الأردنية مرحلة جديدة من التطوير التربوي الشامل ، مما أدى إلى اعتماد مناهج مطورة محلياً تواكب المستجدات التكنولوجية والعلمية في ذلك الوقت ، لتنتهي بذلك واحدة من أبرز تجارب التكامل المعرفي بين البلدين .

5 ) العودة للتعاون وآفاق المستقبل ( 2024 - 2026 م ) :

لم تنقطع جذور هذا التعاون التربوي ، ففي السنوات الأخيرة ، وتحديداً خلال اجتماعات مجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني للفترة ما بين ( 2024 - 2026 م ) ، عاد الملف التربوي للواجهة بقوة . ويجري البحث حالياً في تعزيز التعاون من خلال تبادل الخبرات في المناهج الحديثة ، والتعليم والتدريب المهني ، ومعادلة الشهادات الدراسية .
إن تجربة المناهج المشتركة لم تكن مجرد صفحات في كتب ، بل كانت مشروعاً لبناء جيل يؤمن بوحدة المصير ، وظلت تلك المرحلة محفورة في وجداننا نحن الذين درسنا تلك الحروف الأولى ، كشاهد حي على قدرة التربية في صهر الحدود وصناعة المستقبل .

قائمة المصادر والمراجع :

1 ) شهادة شخصية للكاتب ( الأستاذ قيصر صالح الغرايبه ) حول تجربة الجيل الأول في العام الدراسي 1975 / 1976 م .
2 ) موقع زمانكم - قصة الأمس : " توحيد المناهج المدرسية في الأردن وسورية ( 1976 م ) " ، منشور في مطلع عام 2026 م .
3 ) موقع وجيب ( ujeeb.com ) : مقال " هل كانت كتب المناهج المدرسية مشتركة بين الأردن وسوريا في مرحلة تاريخية ما ؟ " .
4 ) تقارير مجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني ( 2024 - 2026 م ) بشأن التعاون التربوي ومعادلة الشهادات .
5 ) الأرشيف الصحفي لوزارة التربية والتعليم الأردنية ( تصريحات المرحوم ذوقان الهنداوي عام 1976 م )
قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.