خلف كل رجل عظيم حكاية تبدأ من تراب الأرض، ومن عبق التاريخ الذي لا يمحوه الزمن. وفي سيرة الأستاذ عبد الله مصطفى محمد الغرايبة، لا نجد مجرد تأريخ لحياة شخصية، بل نجد مرآة تعكس وجه الأردن في أربعينيات القرن الماضي. هي قصة وطن تشكلت ملامحه بين حقول القمح، وصواني (المحمر) ، وصرخات التحرر في باحات المدارس. نرحل اليوم مع (أبو أشرف) في رحلةٍ استثنائية، لنقرأ كيف صاغت (حوارة) وجدانه، وكيف انتقل بين العمل الميداني والتشريعي ليغدو نموذجاً لرجل الدولة القانوني.
عبد الله مصطفى الغرايبة: سيرةٌ من طين (حوارة) إلى أروقة التشريع وصناعة القرار
خلف كل رجل عظيم حكاية تبدأ من تراب الأرض، ومن عبق التاريخ الذي لا يمحوه الزمن. وفي سيرة الأستاذ عبد الله مصطفى محمد الغرايبة، لا نجد مجرد تأريخ لحياة شخصية، بل نجد مرآة تعكس وجه الأردن في أربعينيات القرن الماضي. هي قصة وطن تشكلت ملامحه بين حقول القمح، وصواني (المحمر) ، وصرخات التحرر في باحات المدارس. نرحل اليوم مع (أبو أشرف) في رحلةٍ استثنائية، لنقرأ كيف صاغت (حوارة) وجدانه، وكيف انتقل بين العمل الميداني والتشريعي ليغدو نموذجاً لرجل الدولة القانوني.
أولا: فجر الولادة ومخاض النشأة في حوارة:
- في الرابع والعشرين من تموز لعام 1943 م، أطل عبد الله مصطفى الغرايبة على الدنيا في قرية (حوارة)، ليكون واحداً من جيلٍ لم يعرف الترف، بل عرف القناعة والاعتماد على الذات. كانت تلك الفترة تمتاز بمجتمعٍ يغلب عليه طابع الفقر المادي، لكنه يفيض بغنى النفس، وبالصبر والتعاون الذي جعل من كل فردٍ لبنة بناء لا عالة على أحد.
- يصف الأستاذ عبد الله مشهد طفولته بدقة سينمائية، حيث كان بيت أهله يقع غرب موقع دار بلدية حوارة الحالي. لم تكن الشوارع معبدة بعد، ولم يكن يفصل بين البيوت ومدرسة حوارة (التي كانت تقع مكان مبنى البلدية الحالي) سوى شيك مربع مثبت على جسور حديدية. كانت المدرسة هي المركز والقلب النابض، تحيط بها حدائق تمتد شمالاً لنهاية مدرستي الخنساء والريادية للبنات حالياً، حيث تُزرع قيم الأرض قبل بذور النباتات.
ثانيا: ملامح الحياة الريفية: البركة والراعي والحاووط:
- في ذاكرة ابو أشرف الغرايبة، كانت (البركة) هي شريان الحياة، حيث يسكن اليوم المركز الصحي ومبنى مكتب البريد. هناك كانت تُسقى آلاف الرؤوس من الماشية، وهي ثروة القرية الحقيقية. ويرسم الأستاذ عبد الله لوحة اجتماعية مهيبة لشخصية (الراعي) ، الذي كان يحظى باحترام يضاهي احترام مختار القرية أو إمام المسجد، كونه المؤتمن على (الحلال)، ومعه (الحاووط) المسؤول عن حماية الزرع من اعتداء المواشي.
- لم تكن الزراعة مجرد مهنة، بل كانت (ثقافة حياة) تُدرّس في المدارس. يتذكر الأستاذ عبد الله بئر المدرسة والمضخة اليدوية التي كانت تروي حديقة الخس والفجل، بإشراف أساتذة مثل الأستاذ (عكاشة) ، حيث كان الهدف غرس أهمية الأرض في نفوس التلاميذ، في زمنٍ كانت فيه الصناعة حرفاً بسيطة والتجارة تحتاج لرؤوس أموال لم تكن متاحة للكثيرين.
ثالثا: المسيرة الدراسية: هيبة المعلم وصفعة الفرح:
- دخل عبد الله الغرايبة الصف الأول الابتدائي في سن السابعة، في وقتٍ كان فيه المعلم يحاط بهالة من الإجلال . كان المعلمون يسكنون القرية، وتتنافس البيوت على دعوتهم للولائم التي كانت تعبر عن الكرم العربي الأصيل ، بتقديم صواني الخضروات وصواني (الدجاج المحمر) لمن امتلك الإمكانية، بينما كان الدجاج والحبش والأرانب جزءاً أصيلاً من موجودات الدار.
- تأثر ابو أشرف الغرايبة بشخصيات تربوية فذة، منهم الأستاذ تيسير الشرايره (الشرايري) مدير المدرسة الذي أصبح أخاً وصديقاً لوجهاء أهله، والأستاذ رسمي مرجي مدرس اللغة الإنجليزية الذي ساعده في حياته الوظيفية لاحقاً ، والأستاذ يوسف الزعبي مدرس التاريخ. ويروي ابو أشرف الغرايبة موقفاً لا ينسى مع الأستاذ يوسف، حين أُعلنت عطلة مفاجئة بمناسبة نجاة جلالة الملك الحسين - رحمه الله - من محاولة اعتداء فوق الأراضي السورية . من فرط فرحة التلميذ بالنجاة (وبالهروب من امتحان الحساب) ، حاول الخروج من الصف قبل المدير، فنال صفعة كانت (الوحيدة) في حياته المدرسية، لكنها كانت درساً في الاحترام لم يزده إلا حباً لمعلمه الذي زاره لاحقاً في وظيفته وشاهد مكتبته العامرة.
رابعا: الحياة الاجتماعية والارتباط بالجذور:
- ينتمي عبد الله مصطفى محمد الغرايبة إلى عشيرة الغرايبة في بلدة حوارة بمحافظة إربد، وهي من العشائر المعروفة في شمال الأردن والتي برز منها العديد من الشخصيات العلمية والسياسية الإدارية. وهو متزوج وله ستة أبناء ، وقد ظل مرتبطاً بمجتمعه المحلي في محافظة إربد وبلدة حوارة، محافظاً على علاقته الوثيقة بأبناء المنطقة والمجتمع المحلي.
- يروي الأستاذ عبد الله قصة انتقال عائلته إلى منزلهم الحالي على (شارع بغداد)، الذي كان عبارة عن بناء من بلوك طين (لخشة) بجانبه خان للحيوانات. في ذلك الوقت، لم يكن هناك بناء جنوب شارع بغداد سوى بيت والده وبيت عبد الرحمن الغرايبة (أبو إبراهيم) وبابور الطحين. كان كبار العشيرة يداعبون والده قائلين: (أنت تسكن في الصريح)، لبعد المكان آنذاك وسط المروج الحمراء.
خامسا: مكانته في الحياة العامة والبصمة المهنية:
- تُعد مسيرة عبد الله مصطفى محمد الغرايبة نموذجاً لمسيرة مهنية متعددة الجوانب ، فقد جمع بين الخدمة الأمنية، والخبرة القانونية، والعمل التشريعي، والمشاركة الفاعلة في المجتمع المدني من خلال منظمة الشفافية الأردنية التي تهدف إلى تعزيز مبادئ النزاهة ومكافحة الفساد وترسيخ قيم الشفافية في الحياة العامة.
- يُعتبر عبد الله مصطفى محمد الغرايبة من الشخصيات التي تركت بصمة في أكثر من مجال من مجالات الخدمة العامة في الأردن، حيث تكاملت خبراته في بناء مؤسسات الدولة الحديثة. ويعكس مساره المهني صورة جيل من رجال الدولة الذين انتقلوا بين العمل الميداني والعمل التشريعي، وأسهموا في تطوير العمل المؤسسي في المملكة الأردنية الهاشمية، مما جعل تجربته مثالاً للدور الذي يمكن أن يؤديه القانوني ورجل الأمن في السلطة التشريعية وخدمة المجتمع.
واخيرا، تنتهي هذه القراءة في سيرة الأستاذ عبد الله الغرايبة، لكن أثرها يبقى شاهداً على جيلٍ شق طريقه بالصبر والقناعة من طين (حوارة) إلى سدة التشريع. إنها حكاية تفيض بالبساطة وحب الخير، نابعة من إيمانٍ عميق وتوفيقٍ من الله، ليبقى (أبو أشرف) رمزاً للوفاء لجذوره وللدولة التي خدمها في كافة الميادين بروح النزاهة والشفافية.
شجرة العائلة
يمكنكم استعراض صفحة الأستاذ عبد الله مصطفى الغرايبة ضمن شجرة العائلة التفاعلية من خلال الرابط التالي:
اضغط هنا لزيارة صفحة شجرة العائلةقائمة المصادر والمراجع:
- مقابلة شخصية واتصالات هاتفية من كاتب المقال مع صاحب السيرة، بالإضافة إلى شهادة حية ومدونات شخصية للأستاذ عبد الله مصطفى محمد الغرايبة.
- وثائق منظمة الشفافية الأردنية حول تعزيز قيم النزاهة ومكافحة الفساد.
- السجل التاريخي لعشيرة الغرايبة في محافظة إربد وبلدة حوارة.
- صفحة عبد الله مصطفى محمد غرايبة على الموقع
الكاتب: قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.