تُعد مدرسة وصفي التل الصناعية في مدينة إربد واحدة من أعرق المؤسسات التعليمية المهنية في المملكة الأردنية الهاشمية. لم تكن هذه المدرسة مجرد مكان لتلقي العلوم التقنية، بل كانت حاضنة للشباب المبدع الذي ساهم في بناء النهضة العمرانية والصناعية في الأردن. ارتبط اسمها بذاكرة المكان فوق ” تل إربد ” العتيق، وشكلت منذ تأسيسها حلقة الوصل بين التعليم الأكاديمي وسوق العمل المهني.
شريان الصناعة وعماد الحرفة: تاريخ مدرسة وصفي التل الصناعية في إربد
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
تُعد مدرسة وصفي التل الصناعية في مدينة إربد واحدة من أعرق المؤسسات التعليمية المهنية في المملكة الأردنية الهاشمية. لم تكن هذه المدرسة مجرد مكان لتلقي العلوم التقنية، بل كانت حاضنة للشباب المبدع الذي ساهم في بناء النهضة العمرانية والصناعية في الأردن. ارتبط اسمها بذاكرة المكان فوق " تل إربد " العتيق، وشكلت منذ تأسيسها حلقة الوصل بين التعليم الأكاديمي وسوق العمل المهني.
أولاً: عهد التأسيس والبدايات التاريخية (1959 - 1963 م)
- التأسيس والجذور: تأسست المدرسة ، التي كانت تُعرف آنذاك بمدرسة إربد الصناعية ، في عام 1959 م ، لتكون أول وأقدم مدرسة للتعليم الصناعي والمهني في مدينة إربد.
- الفوج الأول والخبرات الدولية: بدأت المدرسة باستقبال أول أفواجها من الطلبة في عام 1960 م، حيث ضم الفوج الأول 33 طالباً. وقد تميزت المدرسة في بداياتها بوجود هيئة إدارية تضم خبراء من ألمانيا إلى جانب نخبة من المهندسين الأردنيين.
- الافتتاح الملكي: حظيت المدرسة بشرف الافتتاح الرسمي من قبل جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال ( طيب الله ثراه) في شهر أيلول من عام 1962 م، وكان ذلك في عهد حكومة الشهيد وصفي التل، وبحضور الشريف حسين بن ناصر.
- تخريج الرعيل الأول: احتفلت المدرسة بتخريج الفوج الأول من طلبتها في عام 1963 م، ليكونوا أولى السواعد الفنية المؤهلة التي ترفد سوق العمل الأردني.
ثانياً: التخصصات التقنية والأقسام الحديثة:
شهدت المدرسة تطوراً نوعياً في برامجها التدريبية، حيث تم دمج تخصصات حديثة تحاكي التطور التكنولوجي، ومن أبرز هذه الأقسام:
- قسم ميكانيك المركبات: ويشمل الميكانيك العام وفحص المركبات بأحدث الأجهزة الرقمية.
- قسم تجليس ودهان السيارات: وهو من الإضافات الحديثة التي تهدف إلى تخريج فنيين محترفين في ترميم وإعادة تأهيل هيكل السيارات وفق المعايير التقنية.
- قسم التكييف والتبريد: الذي واكب الطلب المتزايد على أنظمة التبريد المنزلية والصناعية الحديثة.
- قسم صيانة الآلات المكتبية: تخصص حديث يعنى بصيانة أجهزة الحاسوب، الطابعات، وماكينات التصوير، لمواكبة التحول الرقمي في المؤسسات.
- قسم الكهرباء والإلكترونيات: ويشمل التمديدات الكهربائية وصيانة الأجهزة الإلكترونية الدقيقة.
- قسم النجارة والديكور: الذي يجمع بين الحرفة اليدوية التقليدية والتصاميم المعمارية الحديثة.
ثالثاً: التحديات والصعوبات في الوقت الحاضر:
على الرغم من التاريخ العريق، تواجه المدرسة اليوم مجموعة من التحديات التي تفرضها التحولات العمرانية والتقنية:
- التوسع العمراني وموقع التل: يمثل مشروع تطوير " تل إربد " (عام 2026 م) تحدياً للمدرسة ، حيث بدأت أعمال إزالة لبعض المشاغل القديمة لتحويل المنطقة إلى وجهة حضرية وحدائق عامة ، مما يفرض ضرورة الموازنة بين التحديث والحفاظ على الإرث.
- تقادم البنية التحتية: الحاجة المستمرة لصيانة المباني التاريخية التي يعود تاريخها لنهاية الخمسينيات لتظل آمنة ومواكبة للمعايير الحديثة.
- الفجوة التقنية: تحدي ملاحقة التطور المتسارع في التكنولوجيا الصناعية وضرورة توفير أحدث معدات الفحص والصيانة الرقمية بصفة دورية.
- الكثافة الطلابية: الإقبال المتزايد على المدرسة نظراً لسمعتها الطيبة، مما يشكل ضغطاً على الطاقة الاستيعابية للمشاغل التدريبية.
ستبقى مدرسة وصفي التل الصناعية في إربد شاهداً حياً على مسيرة البناء والعطاء. إن دمج التخصصات الحديثة مع عراقة التاريخ فوق التل جعل منها صرحاً يجمع بين الأصالة والتحديث. ستبقى هذه المدرسة تخرج أجيالاً مسلحة بالعلم والحرفة، وفية لذكرى الشهيد وصفي التل، ومساهمة في رفعة الأردن ونهضته.
قائمة المصادر والمراجع:
- وزارة التربية والتعليم الأردنية. (أرشيف التعليم المهني والتقني)
- الغرايبة، قيصر صالح. (دراسات في تاريخ المؤسسات التعليمية في إربد)
- ياسمين التل. (ذاكرة التل: توثيق صور الافتتاح الملكي لمدرسة الصناعة)
- صفحة " مشاهدات أردنية “. (تلوين وتوثيق صور افتتاح المدرسة 1962 م)
- وكالة الأنباء الأردنية (بترا). (تقارير تطوير وسط مدينة إربد 2026 م)
- الأرشيف الشفوي لطلبة الفوج الأول والهيئة التدريسية (1960 - 1963 م)
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.