بين أزقة إربد القديمة وهدوء أريافها، لطالما كان صوت (هدير) ماكينة الخياطة بمثابة سيمفونية يومية تعلن عن ولادة ثوب جديد أو ستر لخرق قديم. لم تكن الخياطة في شمال الأردن مجرد حرفة لسد الحاجة، بل كانت فلسفة اجتماعية واقتصادية قامت على سواعد الرجال في الأسواق وأنامل النساء في البيوت، لتشكل عبر العقود حكاية اكتفاء ذاتي وتدبير منزلي لم تنمحِ ملامحه رغم طوفان الملابس الجاهزة والتحديات التي فرضها العصر الحديث.

حرفة الخياطة في مدينة إربد

حرفة الخياطة في مدينة إربد

سيرة الإبرة والخيط بين مهارة السوق وتدبير البيوت

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

بين أزقة إربد القديمة وهدوء أريافها، لطالما كان صوت (هدير) ماكينة الخياطة بمثابة سيمفونية يومية تعلن عن ولادة ثوب جديد أو ستر لخرق قديم. لم تكن الخياطة في شمال الأردن مجرد حرفة لسد الحاجة، بل كانت فلسفة اجتماعية واقتصادية قامت على سواعد الرجال في الأسواق وأنامل النساء في البيوت، لتشكل عبر العقود حكاية اكتفاء ذاتي وتدبير منزلي لم تنمحِ ملامحه رغم طوفان الملابس الجاهزة والتحديات التي فرضها العصر الحديث.

المدرسة المنزلية: الماكينة " ركيزة " البيت الإربدي:

في تاريخ البيت الإربدي والحوراني، لم تكن (ماكينة الخياطة السوداء) مجرد أداة، بل كانت جزءاً من " كرامة البيت " وجهاز العروس الذي لا يكتمل دونه . ففي كل بيت من بيوتات إربد وأريافها، كانت سيدة البيت هي " المصمم والمنفذ " الأول، حيث لم يكن الأمر يقتصر على المهارة، بل كان واجباً أسرياً يهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي. فمن تحت تلك الإبر الصغيرة، خرجت (ملابس الأطفال، والبيجامات، والبلاطيل، ومراييل المدارس .... الخ)، في صورة تعكس قدرة المرأة الأردنية على تطويع الإمكانات البسيطة لتوفير احتياجات عائلتها بكرامة.

" خياطة البلدة “: أيقونة التكافل والتدبير:

وإذا ما غادرنا عتبات البيوت نحو أحياء القرى (كحوارة والحصن وايدون وبشرى والصريح وغيرها)، نجد " خياطة البلدة “، تلك السيدة التي ذاع صيت مهاراتها ليتجاوز حدود منزلها. كانت هذه السيدة مقصداً للأهالي الذين لا يملكون ماكينة أو يبحثون عن (قصة) أكثر دقة.

فن " الرقعة " والإصلاح:

تجلت عبقرية هؤلاء السيدات في " إطالة عمر الملابس “، فكانت عمليات (تركيب السحابات، تقصير الثياب وتضييقها، ووضع الرقع الفنية) على ملابس الأطفال والفتية بمثابة فن يضمن استمرار الاستفادة من اللباس لأطول فترة ممكنة، مما جسد أرقى صور الاقتصاد المنزلي الحكيم.

وسط المدينة: صالونات الخياطة ورجالات الحرفة:

احتضنت إربد قديماً أسماء لامعة حفرت مكانتها في " وسط البلد “، حيث كانت محالهم بمثابة معالم اجتماعية يقصدها الناس من شتى القرى. ومن أبرز هؤلاء الرواد:
  1. برز الخياط (محمد سعيد الحواري) بدقة تفصيله، ومخيطة (السعدي) العريقة، والخياط (محمود أبو الهيجاء) ، ومخيطة الغباري ومخيطة اوراس ومخيطة النصر (ابو نواف الخندقجي) الذين كانوا وجهة الوجهاء والموظفين لتفصيل اللباس الإفرنجي.
  2. في (سوق البصل) و (سوق الحدادين) ، برزت (عائلة الدقاق) وخياطو (شارع الهاشمي) الذين تفننوا في خياطة (السراويل والقنابيز والعبي) باستخدام ماكينات " السنجر “.
  3. اشتهرت مشاغل (شارع السينما) بتفصيل (مراييل المدارس) ، حيث كانت تزدحم بالأهالي قبيل العودة للمدارس، وتعتمد على خياطات ماهرات من أحياء المدينة.

التحديات الراهنة ومعوقات الاستمرارية:

  1. هجمات الملابس الجاهزة " المستوردة “: أدى غرق الأسواق بالملابس الرخيصة والجاهزة إلى تراجع رغبة الزبائن في " التفصيل " ، نظراً لفارق التكلفة والوقت.
  2. عزوف جيل الشباب: تواجه المهنة تحدي " انقطاع التوريث الحرفي “، حيث يبتعد الشباب عن تعلم أسرار هذه المهنة التي تتطلب صبراً طويلاً وجهداً يدوياً، مفضلين المهن التقنية الحديثة.
  3. ارتفاع الكلف التشغيلية: تعاني المشاغل الصغيرة من ارتفاع أثمان الأقمشة الجيدة، وكلف الطاقة، والإيجارات في مناطق الحراك التجاري، مما حصر نشاط الكثير منها في " الإصلاح والتعديل " بدلاً من الإبداع والتفصيل.
  4. الإنتاج الصناعي الضخم: استحوذت المصانع الكبرى في المدن الصناعية على عقود الزي الموحد والمدرسي، مما قلص من حصة المشاغل المنزلية ومخايط الأحياء.

التحول الزمني وصمود الذاكرة:

رغم هذه التحديات، تحولت أغلب المشاغل من التفصيل الكامل إلى " خدمات التعديل والتصليح “. ورغم هذا الزحف الصناعي، لا تزال تلك الماكينات السوداء في بيوت إربد شاهدة على جيل بنى هويته من نسيج كدحه وعرقه، ولا تزال أسماء العائلات التي احترفت المهنة وساماً في تاريخ المدينة التجاري.

إن حرفة الخياطة في إربد هي قصة تعاون فريدة، فبينما كان الخياط في سوقه يمثل واجهة الأناقة، كانت الأم في بيتها تمثل عمود الستر والتدبير، لتبقى رائحة القماش وصوت الماكينة جزءاً لا يتجزأ من هوية الشمال الأردني.

معرض الصور

قائمة المصادر والمراجع:

  1. الأبحاث الميدانية: توثيق شفوي لشهادات كبار السن.
  2. سجلات غرفة تجارة إربد القديمة.
  3. دراسات في الأنثروبولوجيا الاجتماعية.
  4. الرواية الشفوية لأهالي حوارة.
  5. مدونة تاريخ إربد المصور.
  6. دراسات التنمية الريفية.
الكاتب قيصر غرايبة
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.