تُعد حرفة (الساعاتي) في مدينة إربد من أدق المهن التي ارتبطت بمفهوم الانضباط والحداثة في مطلع القرن العشرين. ففي الوقت الذي كان فيه الوقت يُقاس بحركة الشمس وظلال الشجر في الأرياف، كانت دكاكين الساعاتية في ” وسط البلد ” بإربد هي المرجعية الأولى لضبط إيقاع الحياة المدنية والتجارية. إن الساعاتي في إربد لم يكن مجرد فني إصلاح، بل كان “جراحاً ” يتعامل مع آلات دقيقة تمنح المدينة نبضها المنظم.

حرفة الساعاتي في مدينة إربد

حراس الوقت بين دقة التروس وذاكرة الميناء

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

تُعد حرفة (الساعاتي) في مدينة إربد من أدق المهن التي ارتبطت بمفهوم الانضباط والحداثة في مطلع القرن العشرين. ففي الوقت الذي كان فيه الوقت يُقاس بحركة الشمس وظلال الشجر في الأرياف، كانت دكاكين الساعاتية في " وسط البلد " بإربد هي المرجعية الأولى لضبط إيقاع الحياة المدنية والتجارية. إن الساعاتي في إربد لم يكن مجرد فني إصلاح، بل كان "جراحاً " يتعامل مع آلات دقيقة تمنح المدينة نبضها المنظم.

البدايات ونشأة الحرفة في قلب المدينة:

ارتبطت بدايات حرفة الساعاتية في إربد بالنمو التجاري الذي شهده (شارع السينما) و (شارع الهاشمي) ومنطقة (التل ) . ومع دخول الساعات الميكانيكية التي تعمل بـ (الزنبرك) و (التروس) ، ظهرت الحاجة لخبراء يمتلكون الصبر والمهارة العالية للتعامل مع هذه القطع المتناهية الصغر.
  1. كانت المحلات الأولى عبارة عن مساحات ضيقة يتصدرها " المعلم " واضعاً (العدسة المكبرة) على عينه ، ومنغلقاً على عالم من التروس التي لا تُرى بالعين المجردة.
  2. مثلت الساعة قديماً رمزاً للوجاهة والمكانة الاجتماعية، فكان اقتناء ساعة " الجيب " أو ساعة " اليد " من الضروريات لكبار الشخصيات والموظفين والمعلمين في إربد.

ساعة " المنبه “: رفيقة الصائمين والموظفين:

شهدت محلات الساعات في إربد طفرة في الطلب، لاسيما في شهر رمضان المبارك، مع ظهور الساعات المزودة بـ (المُنبه) ذي الجرس الميكانيكي الرنان:

الاستيقاظ للسحور والفجر: أصبحت هذه الساعات هي " المسحراتي الحديث " داخل البيوت، حيث كان الصائمون يحرصون على اقتنائها لضمان الاستيقاظ لتناول وجبة السحور وأداء صلاة الفجر في وقتها.

انضباط الموظفين: شكلت ساعات المنبه ضرورة قصوى لفئة الموظفين والعاملين في المشاغل ، الذين اعتمدوا عليها بشكل كلي للاستيقاظ المبكر واللحاق بدوامهم الرسمي، مما عزز من قيمة " الوقت " كقيمة إنتاجية في المجتمع الإربدي.

رواد الحرفة وأشهر محلات الساعات في إربد:

تميزت محلات الساعات بتصميم يجمع بين التجارة والفن، حيث كان المحل ينقسم عادة إلى زوايا عرض وقسماً خاصاً للصيانة:
  1. المرحوم حمدي عليان الغرايبة: أحد أعمدة الحرفة في إربد ، كان محله في (شارع السينما) يضم زاوية عرض أنيقة لأحدث الساعات، وقسماً تخصصياً للصيانة، وقد ورث المهنة لولديه (جواد ومحمد)
  2. محل " أحمد رشدي “: علامة فارقة في تجارة الساعات في إربد، جمع بين العرض الفخم وأمهر الفنيين المختصين داخل المحل لضمان الجودة.
  3. ساعاتية الرعيل الأول: برزت أسماء مثل (الساعاتي الشامي، الكردي، الخياط، الحواري، والسعدي) ، والذين خصصوا " فاترينا " زجاجية لعرض أنواع الساعات " الأوتوماتيك " وجذب المارة.

نظام المحلات: العرض والصيانة تحت سقف واحد:

اتسمت محلات الساعات في إربد بنظام عمل دقيق يجمع بين التجارة والفن :

زاوية العرض: كانت واجهة المحل هي " معرضاً مصغراً " يعرض فيها الساعاتي أجمل القطع ( مثل اورينت، سيكو، سيتيزن، وأوميغا ولاحقا كاسيو)، وكان المواطنون يتوقفون طويلاً أمام هذه الزوايا لاختيار الهدايا أو جهاز العروس.

قسم الصيانة: لم يكن المحل مجرد نقطة بيع ، بل كان يضم " ورشة دقيقة " يعمل فيها فني مختص، يفكك القطع المعقدة وينظفها بالبنزين والزيت الخاص، مما منح الزبائن ثقة بأن الساعة التي يشترونها ستجد فني صيانة في نفس المحل.

تحديات الحرفة بين الأمس واليوم:

مرت مهنة الساعاتي في إربد بمحطات صعبة اختلفت باختلاف الزمن والتقنية:
  1. التحديات التاريخية (قديماً) تمثلت في صعوبة تأمين قطع الغيار الأصلية من الخارج، وحساسية الآلات تجاه الرطوبة والغبار، والاعتماد على إضاءة بسيطة ومجهدة للبصر، مما كان يضطر " المعلم " أحياناً لتصنيع بعض القطع يدوياً.
  2. التحديات المعاصرة (حالياً) زحف الساعات الذكية والرقمية، وسيادة ثقافة " الاستبدال لا الإصلاح " بسبب الساعات الرخيصة، إضافة إلى عزوف الشباب عن تعلم هذه الحرفة التي تتطلب صبراً وجلداً، مما يهدد بانقراض الخبرات التي تمتلكها العائلات العريقة.

التحول الزمني وصمود " حراس الوقت “:

رغم هذه التحديات، لا تزال بعض المحلات في وسط إربد تقاوم الاندثار، متحولة أحياناً لتجارة " الساعات الأنتيك “. إن بقاء دكان الساعاتي بزواياه الجميلة وفنيه المنهمك في عمله هو بقاء لجزء من هيبة المدينة التاريخية.

إن حرفة الساعاتي في إربد هي قصة صراع مع الزمن، ستبقى تلك العدسات المكبرة والملقط الدقيق في أيدي " المعلمين " شواهد على عصر الدقة والجمال.

معرض الصور

قائمة المصادر والمراجع:

  1. الأبحاث الميدانية: مقابلات مع كبار الساعاتية في (شارع السينما) و (وسط البلد) بإربد ، نيسان 2026 م.
  2. سجلات غرفة تجارة إربد القديمة: مراجعة لأسماء الحرفيين والوكالات المسجلة (محل أحمد رشدي نموذجاً)
  3. دراسات في الأنثروبولوجيا الاجتماعية: بحث حول أثر ساعة " المنبه " في تنظيم الممارسات الدينية والوظيفية في الأردن .
  4. الرواية الشفوية لأهالي إربد وحوارة: شهادات حول مسيرة المرحوم حمدي عليان الغرايبة وورثته وتاريخ الطلب الموسمي على الساعات.
  5. مدونة (ذاكرة إربد): مقالات وصور قديمة لليافطات والمحلات (الشامي ، الكردي ، الحواري) في القرن العشرين.
  6. دراسات التنمية الاقتصادية: بحث مقارن حول التحديات التقنية لمهنة الساعاتي بين الماضي والحاضر في محافظة إربد.
الكاتب قيصر غرايبة
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.