يُمثل طريق (حيفا – بغداد) أحد أهم المشاريع الجيوسياسية والهندسية التي شهدها المشرق العربي في النصف الأول من القرن العشرين. فلم يكن هذا الطريق مجرد مسار بري لرصف الحجارة، بل كان مشروعاً عابراً للحدود، صُمم ليكون جسراً يربط ساحل البحر المتوسط بقلب بلاد الرافدين (العراق). وفي هذا المقال، استعرض بعمق تاريخي وفني أثر هذا الطريق، والدور المحوري الذي لعبه أبناء شمال الأردن، وتحديداً بلدة حوارة، في تشييده وتحمل ضريبته البشرية
طريق حيفا - بغداد الاستراتيجي
الشريان الحيوي المار بشمال الأردن
حكاية الطريق الذي ربط الساحل بقلب بلاد الرافدين
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
يُمثل طريق (حيفا - بغداد) أحد أهم المشاريع الجيوسياسية والهندسية التي شهدها المشرق العربي في النصف الأول من القرن العشرين. فلم يكن هذا الطريق مجرد مسار بري لرصف الحجارة، بل كان مشروعاً عابراً للحدود، صُمم ليكون جسراً يربط ساحل البحر المتوسط بقلب بلاد الرافدين (العراق). وفي هذا المقال، استعرض بعمق تاريخي وفني أثر هذا الطريق، والدور المحوري الذي لعبه أبناء شمال الأردن، وتحديداً بلدة حوارة، في تشييده وتحمل ضريبته البشرية.
يُمثل طريق (حيفا - بغداد) أحد أهم المشاريع الجيوسياسية والهندسية التي شهدها المشرق العربي في النصف الأول من القرن العشرين. فلم يكن هذا الطريق مجرد مسار بري لرصف الحجارة، بل كان مشروعاً عابراً للحدود، صُمم ليكون جسراً يربط ساحل البحر المتوسط بقلب بلاد الرافدين (العراق). وفي هذا المقال، استعرض بعمق تاريخي وفني أثر هذا الطريق، والدور المحوري الذي لعبه أبناء شمال الأردن، وتحديداً بلدة حوارة، في تشييده وتحمل ضريبته البشرية.
الرؤية الاستراتيجية والجذور التاريخية:
برزت فكرة الطريق عقب الحرب العالمية الأولى، حين سعت بريطانيا لربط مصالحها في فلسطين بالعراق. كان الهدف هو إيجاد خط إمداد بري يربط ميناء حيفا الاستراتيجي بآبار النفط في العراق، ومحاذاة خط أنابيب النفط (التابلين). وقد وقع الاختيار على شمال الأردن ليكون المعبر الرئيسي لهذا الشريان، مما جعل المنطقة محط أنظار المهندسين والخبراء الدوليين.
عبقرية الهندسة ونظام الشواهد الكيلومترية:
من الناحية الفنية، لم يكن الرصف عشوائياً، فقد اتبع المهندسون الإنجليز في تصميم الطريق الأسلوب الروماني القديم الذي يشتهر بالصلابة والخلود، مع إضافة نظام ملاحة وتوجيه دقيق:
- البناء الطبقي: اعتمد الرصف على وضع طبقات من الحجر البازلتي المتين (Statumen) ، تعلوها طبقات مرصوفة بدقة هندسية تسمح بتوزيع أحمال الشاحنات الثقيلة (مثل شاحنات النيرن)
- الشواهد الحجرية (العلامات الكيلومترية) : تميز الطريق بوجود شواهد حجرية كبيرة ومنحوتة، كانت تُثبت بشكل عمودي عند كل كيلومتر واحد. حملت هذه الشواهد نظام قراءة مزدوجاً يشير بوضوح إلى المسافة المتبقية للوصول إلى " بغداد " والمسافة المتبقية للوصول إلى " حيفا “، مما جعلها نظام ملاحة بري أصيل يرشد السائقين والقوافل. وكانت هذه الشواهد تُطلى أحياناً باللون الأبيض مع كتابة الأرقام بالأسود لتكون بمثابة " منارات برية " ثابتة تحت أضواء الشاحنات ليلاً.
- سواعد حوارة البانية: انخرطت أعداد غفيرة من أهالي بلدة حوارة في عمليات الإنشاء. وقد برز دور رجالات عشائر البلدة، لاسيما من (عائلة الغرايبة وعائلة الشطناوي) وبقية العشائر، الذين اكتسبوا مهارات فنية في تشذيب الحجر ورصفه يدوياً، ليتحول الطريق بفضل سواعدهم إلى واقع ملموس صمد لعقود طويلة.
حوارة.. من القرية الزراعية إلى " التمدن الريفي “:
أحدث مرور الطريق وسط حوارة ثورة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للبلدة:
التحول الاقتصادي: نشأت المحلات والورش والمقاهي، وبرزت منشآت حيوية تلبي حاجة القوافل، مثل (بابور الطحين على تقاطع الطريق بين حوارة والصريح)، وبعض المحلات التجارية والمطاعم التي كانت علامة تجارية وخدمية فارقة في قلب البلدة.
الاتصال الثقافي: تحولت حوارة إلى محطة لاستقبال الأخبار والأفكار القادمة من حيفا وبغداد، مما ساهم في نضج الوعي الثقافي والتعليمي المبكر لدى أبناء البلدة.
التطور العمراني: استفادت البلدة من الجسور الحجرية والعبّارات المنفذة بتقنيات عالمية ، مما جعل نسيجها المعماري متقدماً ومرتبطاً بحركة التجارة الدولية.
التحول الاقتصادي: نشأت المحلات والورش والمقاهي، وبرزت منشآت حيوية تلبي حاجة القوافل، مثل (بابور الطحين على تقاطع الطريق بين حوارة والصريح)، وبعض المحلات التجارية والمطاعم التي كانت علامة تجارية وخدمية فارقة في قلب البلدة.
الاتصال الثقافي: تحولت حوارة إلى محطة لاستقبال الأخبار والأفكار القادمة من حيفا وبغداد، مما ساهم في نضج الوعي الثقافي والتعليمي المبكر لدى أبناء البلدة.
التطور العمراني: استفادت البلدة من الجسور الحجرية والعبّارات المنفذة بتقنيات عالمية ، مما جعل نسيجها المعماري متقدماً ومرتبطاً بحركة التجارة الدولية.
الفاتورة الإنسانية والندوب العميقة:
بالرغم من الفوائد الاقتصادية، إلا أن الطريق كان " جرحاً " في جسد البلدة بسبب التحديات والحوادث المؤلمة:
- حوادث التدهور والسيول: شهد الطريق حوادث انقلاب للشاحنات الضخمة، وتحديات مناخية قاسية متمثلة في السيول التي كانت تجرف أجزاء من المسار في البادية.
- مآسي الدهس والفقد: هي الوجه الأكثر إيلاماً، حيث فقد أهالي حوارة العديد من الأرواح العزيزة تحت عجلات الشاحنات المسرعة. وتعرض الكثير من الأبناء لإعاقات مستديمة نتيجة حوادث الدهس، بسبب تداخل السير الدولي السريع مع الحياة اليومية، مما خلف مآسي إنسانية لا تزال محفورة في وجدان (عائلات الغرايبة والشطناوي وغيرها من عائلات حوارة) وكافة أهالي البلدة.
التحديات المعاصرة وآفاق المستقبل:
يواجه الطريق اليوم تحديات تتمثل في الزحف العمراني والمجسرات الحديثة التي طمست ملامح الرصف التاريخي وأزاحت معظم " الشواهد الحجرية " الكيلومترية التي كانت تزين جنباته. إن الحفاظ على ما تبقى من إرث هذا الطريق، وتوثيق مواقع تلك الشواهد التي كانت تشير إلى المسافات بين حيفا وبغداد، هو ضرورة وطنية لتوثيق حقبة ذهبية من تاريخ الربط الإقليمي.
إن طريق (حيفا - بغداد) هو قصة كفاح وتحدٍ، بناه الأجداد بعرقهم، ودفع الأبناء ثمنه من دمائهم. سيظل هذا الطريق شاهداً على دور حوارة الريادي، وعلى عبقرية الإنسان الأردني في تطويع الصخر لربط الشرق بالغرب.
معرض الصور
قائمة المصادر والمراجع:
- الأبحاث التاريخية الهندسية: دراسة حول تقنيات الرصف الروماني ونظام الشواهد الكيلومترية المزدوجة في الطرق الدولية ، نيسان 2026 م .
- موقع آثار ( 2thar.com ) : بحث فني حول الأساليب الرومانية في بناء الطرق التي استلهمها الإنجليز في مسار حيفا - بغداد.
- موقع حوارة الرسمي (كنانة أونلاين) : مقال (حوارة والطريق الدولي) : توثيق الأثر الاقتصادي والاجتماعي على البلدة.
- الرواية الشفوية لبلدة حوارة: شهادات حية حول أسماء العمال من (عائلة الغرايبة والشطناوي) وذاكرة الشواهد الحجرية الملونة وحكايات الضحايا .
- موقع كتابات (Kitabat): دراسة حول ضياع الذاكرة التاريخية للطرق بسبب المجسرات والتوسع العمراني الجائر.
- الأرشيف الوطني الأردني: وثائق ومخططات هندسية لترسيم حدود الطريق ومحطات الإمداد وشواهد المسافات الصحراوية.
الكاتب قيصر غرايبة
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.
التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.