لم تكن بيوت الطين في الريف الأردني مجرد مأوى من تقلبات المناخ، بل كانت تجسيداً لعلاقة عشق أزلية بين الإنسان وترابه. هي (بيوت الشمس) التي نبتت من الأرض لتمنح ساكنيها الدفء والأمان. تبدو هذه البيوت اليوم، بأزقتها الترابية الضيقة، وكأنها من زمن سحيق، يغمرها عبق الماضي وتفوح منها رائحة الأصالة التي شكلت هوية القرى والمدن الأردنية من شمالها في حوارة وسال وبشرى والمغير والصريح والحصن وكفريوبا وكفر اسد وكفرعان وخربة الوهادنة ، وغيرها وصولاً إلى الزرقاء في بدايات تكوينها وأغوار الأردن الساحرة.

بيوت الطين في الريف الأردني

ذاكرة التراب وهندسة الانتماء

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

فلسفة الطين والذاكرة:

لم تكن بيوت الطين في الريف الأردني مجرد مأوى من تقلبات المناخ، بل كانت تجسيداً لعلاقة عشق أزلية بين الإنسان وترابه. هي (بيوت الشمس) التي نبتت من الأرض لتمنح ساكنيها الدفء والأمان. تبدو هذه البيوت اليوم، بأزقتها الترابية الضيقة، وكأنها من زمن سحيق، يغمرها عبق الماضي وتفوح منها رائحة الأصالة التي شكلت هوية القرى والمدن الأردنية من شمالها في حوارة وسال وبشرى والمغير والصريح والحصن وكفريوبا وكفر اسد وكفرعان وخربة الوهادنة ، وغيرها وصولاً إلى الزرقاء في بدايات تكوينها وأغوار الأردن الساحرة.

تقنيات البناء ... هندسة الفطرة والمواد الطبيعية:

اعتمد بناء البيت الطيني على مبدأ الاستدامة والبساطة، حيث كانت المواد تُجلب من البيئة المحيطة مباشرة:
  1. قوالب الطوب (اللبن): يتم تحضير الطين بخلط التراب بالماء والتبن، وأحياناً يُضاف شعر الماعز والرماد وروث الحيوانات لزيادة التماسك. تُترك الخلطة ليومين حتى تتخمر، ثم تُصب في قوالب خشبية منتظمة (غالباً 10 × 20 × 40 سم)، وتُجفف تحت أشعة الشمس.
  2. الأساسات والجدران: كان المعماريون الأوائل، ومن أشهرهم في (حوارة) المرحوم (مسحان غزلان)، يؤسسون للجدران على عمق يصل إلى 80 سم، بينما تصل سماكة الجدار إلى متر كامل، مما يوفر عزلاً حرارياً يمنح البرودة صيفاً والدفء شتاءً.
  3. الأسقف والقصارة: تُسقف الغرف بأخشاب أشجار الكينا أو الحور والدفلى والقصيب، وتُطين بطبقة سميكة من الطين والتبن . ومع قدوم الخريف، كان (تطيين السطح) طقساً سنوياً تخرج منه رائحة عبقة تعلن قدوم الشتاء ورائحة التراب من أول شتوة.

تفاصيل الحياة اليومية ... " الحوش " ونبض الدار:

البيت الطيني هو وحدة اجتماعية متكاملة، يتوسطه (الحوش) الفسيح المزين بتنكات الزريعة من قرنفل وخبيزة، حيث تنتشر ملامح الحياة الطيبة:
  1. المطبخ ورفوف المونة: جرة الماء مغلفة بالخيش (الوكيلة)، وجرزات الثوم وعناقيد البامية الناشفة، و (النملية) الخشبية التي تخبئ صحون الزيت والزعتر. وعلى الرفوف، تصطف (تطالي) الفاكهة، اللبنة المدحبرة، والمقدوس، بجانب بابور الكاز الأخرس و لقن الغسيل.
  2. غرف السكن: تتكون الدار غالباً من غرفتين، (غرفة النوم) بتختها الحديدي و (المطوى) الذي يحوي لحف وفرشات الصوف وماكينة الخياطة (ماركة سنجر على الاغلب)، و (غرفة القعدة) المخصصة للضيوف بسكملاتها الخشبية ومزهرياتها التي قد تكون (طلقة مدفعية فارغة) كرمز للجمال.

بيوت الطين وعلاقتها بالفصول والوجدان:

كان البيت الطيني يتنفس مع الفصول، ففي الشتاء يصدح صوت طقطقة المزاريب، وفي الربيع تكتسي السطوح باللون الأخضر وتزهر أطراف الزواريب. أما في الصيف اللاهب، فتشطف المداخل لتنادي القمر والجيران للسهر، مع أصوات بائعي الكعك المسمسم والأسكيمو وصوت الراديو الذي يصدح بأغاني الزمن الجميل (أغاني توفيق النمري وفهد النجار وسميرة توفيق وغيرهم.)

القيمة التراثية والضرورة الوطنية:

تعتبر بيوت الطين في مناطق من شمال اردننا الحبيب مثل قرى اربد والرمثا وعجلون وجرش والاغوار كنوزاً تراثية وقصوراً من العز والبساطة قاومت غضب الطبيعة. إن إعادة تأهيل هذه البيوت ليس مجرد حنين، بل هو استعادة لذاكرة تملكت وجدان من عاش فيها وتنفس روح تلك الأيام الجميلة.

معرض الصور

قائمة المصادر والمرجعيات الشخصية:

  1. نصوص ومقالات الكاتب نبيل عماري (بيوت الطين والذاكرة)
  2. صفحة الأخ أحمد عبد الله جميل غرايبة (توثيق أسماء معماريي حوارة: مسحان غزلان)
  3. دراسات منشورة عبر (موقع حبر) حول العمارة الطينية في غور الأردن.
  4. تقارير (جريدة الدستور) حول بيوت الطين في الوهادنة - عجلون.
  5. المنصة الوطنية للتراث الثقافي غير المادي - وزارة الثقافة الأردنية.
الكاتب قيصر غرايبة
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.