نفتح بوابة الذاكرة في هذا (القسم الثاني) من سيرة الوجيه عبد الله مصطفى الغرايبة ” أطال الله في عمره “، لتكشف عن فصول من الكفاح الذي صاغته حبات العرق وباركه تراب حوارة الأصيل. هي رحلة لا تؤرخ لبنيان من حجر فحسب، بل ترسم ملامح جيل شيد مجده بالصبر، وعجن خبزه بالكرامة، وظل وفياً لجذور الأرض وقيم النخوة التي لا تبلى.

القسم الثاني من السيرة

منارات الصبر وعبق الأرض

القسم الثاني من سيرة الوجيه عبد الله مصطفى الغرايبة

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

نفتح بوابة الذاكرة في هذا (القسم الثاني) من سيرة الوجيه عبد الله مصطفى الغرايبة " أطال الله في عمره “، لتكشف عن فصول من الكفاح الذي صاغته حبات العرق وباركه تراب حوارة الأصيل. هي رحلة لا تؤرخ لبنيان من حجر فحسب، بل ترسم ملامح جيل شيد مجده بالصبر، وعجن خبزه بالكرامة، وظل وفياً لجذور الأرض وقيم النخوة التي لا تبلى.

تحولات المكان وضرورات الرحيل:

لم يكن انتقال العائلة للسكن في الدار الواقعة جنوبي " شارع بغداد " ترفاً أو بحثاً عن سعة في العيش، بل كان امتثالاً لضرورة فرضتها إعادة فرز الأراضي في بلدة حوارة. فقد غادر الأهل سكنهم القديم في منطقة " الميدان " المتاخمة لمبنى بلدية حوارة الحالي، والتي كانت تمتد حتى مجرى الوادي غرباً، لتبدأ مرحلة جديدة في مواقع " الأجور الشرقي والغربي " و " الأصيلة الوسطى “. تلك الأراضي الممتدة حتى حدود الرمثا، شهدت لاحقاً استملاك أجزاء منها لخدمة مشروع سكة حديد دولي، قيل إنه سيربط القارات ببعضها (اسيا وافريقيا واوروبا)، ليبقى شاهد التاريخ على استراتيجية هذا الموقع وعراقته .

خريطة حوارة التفاعلية
إشارة مكانية إلى حوارة، الأرض التي تتصل بها الذاكرة والسيرة والمكان.
يمكن تحريك الخريطة وتكبيرها لاستكشاف موقع حوارة ضمن سياق إربد وشمال الأردن.

مكابدة الشتاء وصمود " الزبّة “:

في تلك الأيام، كان الطريق إلى المدرسة رحلة من التحدي، خاصة مع ضيق الشوارع وتعرجها . وفي فصل الشتاء الطويل، كان الأهالي يشهدون ما يُعرف بـ " الزبّة “، وهي حالة جوية تتصف بالهطول المطري الغزير والمستمر لعدة أيام بلياليها دون انقطاع.

كان الحطب هو الونيس والمدفئ الوحيد داخل البيوت، أما في الخارج، فكان المعطف " الكبوت " حكراً على من أوتي سعة من المال. وفي حين كان الحذاء الواحد يخدم الطالب طيلة العام، كان الظفر بـ " جزمة " حذاء بلاستيكي ذات ساق طويلة حلم المحظوظين الذين يتقون بها غدر الأوحال وبلل الجوارب في تلك الأزقة الزلقة.

بئر الصمود: حكاية شريان الحياة:

كانت المياه قديماً تُجلب بشق الأنفس، تُحمل في " السطول " على الرؤوس أو فوق ظهور الحيوانات من الآبار البعيدة. لذا، لم يكن من الوارد أن يسكن الوالد " رحمه الله " داراً قبل أن يؤمن مورد مائها، فقام بحفر بئر بعمق تسعة أمتار في تسعة، في جهد عضلي جبار استعان فيه بأبنائه لرفع التراب بالبكرة.

هذه البئر تُعد كلمة ( بئر ) من الأسماء المؤنثة تأنيثاً سماعياً في لغة العرب ، لذا فإن الصواب لغوياً هو قولنا ( هذه البئر ) وليس "هذا البئر" ، ويُستدل على ذلك من القرآن الكريم في قوله تعالى { وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ } ، حيث جاءت صفتها مؤنثة ، كما أن تصغيرها ( بُؤيرة ) والتاء لا تظهر في التصغير إلا للأصول المؤنثة ، مما يوجب معاملتها معاملة المؤنث في الكتابة البليغة والرصينة ] ، التي لا تزال خرزتها تحمل تاريخ حفره عام 1943 م ( وهو عام ميلاد السيد عبد الله صاحب السيرة ) ، يظل معلماً باقياً في حديقة المنزل الحالية ، وشاهداً حياً على إرادة الإنسان التي سبقت السكن وأسست للبقاء .

نخوة الكبار وحادثة عام 1962 م:

يستذكر السيد عبد الله ابو أشرف مشهداً مهيباً من عام 1962 م، حين كان الشقيق الأصغر " محمد " (رحمه الله) مولوداً جديداً. فبينما كانت سيارة شحن تقف أمام المنزل لنقل أمتعة عائلة من " الحدادين “، وقعت حادثة دهس مروعة أدت لوفاة أحد الأشخاص. سادت " الجلبة " والفوضى، وكاد الثأر أن يشتعل حين استل أحد الشباب بندقيته باحثاً عن السائق، لولا تدخل ابن العم " المرحوم محمود سالم غرايبة - أبو فايز " (رحمه الله) ، الذي انتزع البندقية بحكمة وأخفاها في فراش الوالدة (وهي في نفاسها) حتى حضرت الشرطة، مجسداً بذلك أسمى معاني الحكمة والنخوة في وأد الفتنة.

إن هذه المشاهد التي تزدحم بها ذاكرة الوجيه عبد الله مصطفى الغرايبة، وهو يجلس اليوم أمام منزله متأملاً مقبرة " القزية " حيث يرقد الأحبة، ليست مجرد ذكريات، بل هي دروس في الوفاء والبر. فبرغم إغلاق المقبرة، شاء القدر أن تنفذ وصية الوالدة (رحمها الله) لتدفن بجوار " أبو فايز “، ليبقى الجوار قائماً في الدنيا والآخرة، وتبقى السيرة عطرة بمواقف الرجال الذين لم تغيرهم الأيام.

قائمة المصادر والمراجع:

  1. الرواية الشفوية المسجلة من سيرة الوجيه عبد الله مصطفى الغرايبة " أطال الله في عمره " ، نيسان 2026 م.
  2. الأرشيف العقاري والوثائق التاريخية لفرز أراضي بلدة حوارة وإربد.
  3. التراث الاجتماعي والسكني في الريف الأردني، دراسة ميدانية.
  4. سجلات الحوادث والذاكرة الشعبية لحوادث شارع بغداد خلال منتصف القرن العشرين.
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.