يعد ” الجميد ” أحد الركائز الأساسية للهوية الوطنية الأردنية ، فهو ليس مجرد منتج غذائي عابر ، بل هو تجسيد حي لثقافة الصحراء والريف ، وعلامة فارقة في المطبخ الأردني الذي توج ” المنسف ” على عرشه . وفي هذا المقال ، نغوص في أعماق هذه الصناعة التراثية ، لنسلط الضوء على أسرار إعداد الجميد في المشرق الأردني عامة ، وفي شمال الأردن المعطاء خاصة ، مستعرضين جذوره التاريخية ومسمياته التي تنوعت بتنوع اللهجات المحلية ، مرورا بمكانته الرفيعة في السنة النبوية الشريفة .

من ذاكرة الغذاء الأردني

التبر الأبيض في المشرق الأردني

حكاية " الجميد " من مرعى الأغنام إلى موائد المجد

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

يعد " الجميد " أحد الركائز الأساسية للهوية الوطنية الأردنية ، فهو ليس مجرد منتج غذائي عابر ، بل هو تجسيد حي لثقافة الصحراء والريف ، وعلامة فارقة في المطبخ الأردني الذي توج " المنسف " على عرشه . وفي هذا المقال ، نغوص في أعماق هذه الصناعة التراثية ، لنسلط الضوء على أسرار إعداد الجميد في المشرق الأردني عامة ، وفي شمال الأردن المعطاء خاصة ، مستعرضين جذوره التاريخية ومسمياته التي تنوعت بتنوع اللهجات المحلية ، مرورا بمكانته الرفيعة في السنة النبوية الشريفة .

الأقط في الموروث النبوي : طعام البركة والزكاة

لم تكن مكانة الجميد وليدة العصور المتأخرة ، بل هو طعام ضارب في عمق التاريخ العربي ، فقد ورد ذكر " الأقط " ( وهو الاسم التاريخي للجميد ) في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم كأحد الأطعمة التي تناولها وأقرها . فقد ثبت في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن خالته أم حفيد أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم سمنا وأقطا وأضبا ، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم من الأقط والسمن .

لقد كان الأقط جزءا من مائدة النبوة ، حيث تناوله النبي صلى الله عليه وسلم مع التمر والسمن ، وورد أنه صنع " حيسا " ( وهو خليط من التمر والسمن والأقط ) . كما تعززت مكانته التشريعية بكونه أحد الأصناف التي تخرج في زكاة الفطر ، حيث روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : " كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام ، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر " ، مما يدل على أنه كان غذاء استراتيجيا وشائعا في عهد النبوة والبادية العربية الأصيلة .

الجذور التاريخية والمسميات اللغوية

لم يكن اسم " الجميد " هو الوحيد الذي عرفته الذاكرة العربية لهذا المنتج الاستراتيجي ، ففي المصادر التاريخية القديمة ، وكما ورد في الأثر ، أطلق عليه اسم " الأقط " أو " المضير " أو " البقل " . أما في اللهجات المحلية العريقة بشمال الأردن وسهول حوران ، فقد تفرعت التسميات لتشمل مصطلحات مثل " الهقط " أو " الكثي " ، وهي مسميات لا تزال تتردد على ألسنة كبار السن ، وتشير جميعها إلى اللبن المجفف الذي يصنع بحرفية عالية ليقاوم عوادي الزمن ، ويعود تاريخه لآلاف السنين كطعام بدوي تقليدي شهير في شبه الجزيرة العربية والمناطق المجاورة .

طقوس الإعداد : رحلة الحليب من " السعن " إلى " التمليح "

تمر عملية صناعة الجميد بمراحل دقيقة تتطلب صبرا ومهارة عالية ، وتتوزع على خطوات هندسية فطرية :

1 ) مرحلة الترويب والخض : يبدأ العمل بحلب الأغنام ( العواسي الأردنية ) ، ثم ترويب الحليب ليصبح " روبة " . بعد ذلك يتم وضع اللبن في " السعن " ( المصنوع من جلد الماعز ) لاستخلاص الزبدة ، وما يتبقى يعرف بـ " اللبن المخيض " .

2 ) مرحلة التسخين والترشيح ( الجبجبة ) : يسخن اللبن المخيض على نار هادئة حتى يتخثر ويفصل عنه الماء ( المصل ) ، ثم يوضع في أكياس من القماش الأبيض ( الشاش ) لتبدأ عملية التصفية ، لينتج ما يعرف بـ " لبن القطع " أو اللبنة الجامدة .

3 ) مرحلة التمليح والتشكيل : تملح الكتلة الناتجة بملح خشن لضمان حفظها من العفن وتأمين مذاق الحموضة المطلوب ، حيث يعد الملح الركن الأساسي في الحفظ الطويل .

4 ) مرحلة التجفيف ( التشميس ) : تشكل الكرات وتوضع في أماكن جافة معرضة للهواء والشمس حتى تيبس وتتحول إلى أحجار صلبة محتفظة برائحة الأرض والبركة .

مصطلحات الحرفة : من " الزعمطة " إلى " الطلي "

تتجلى عبقرية المرأة الريفية والبدوية في استخدام مفردات دقيقة تصف فن الصنعة في شمال الأردن ومناطق البادية :

زعمطة الجميد : وهي مهارة يدوية فائقة تصف عملية سحب وتدوير كتلة اللبن بين كفي اليد ببراعة ليأخذ الحجر شكله المخروطي أو الدائري المنسق .

طلي الجميد : وتعد من اللمسات الفنية الأخيرة ، حيث يتم مسح كرات الجميد ( الجعاجيل ) بطبقة رقيقة من اللبن الناعم لسد المسامات وتنعيم سطحها ، مما يمنحها لونا أبيض ناصعا وملمسا يحميها من التشقق أو تسرب الأتربة .

فن " المريس " : تحويل الحجر إلى سائل الذهب

لا تكتمل حكاية الجميد إلا بعملية " المرس " التقليدية ، وهي فن استخراج المرق الكثيف من الحجر الصلب لضمان الجودة والقوام الشديد :

التكسير والنقع : تكسر أقراص الجميد القاسية وتنقع في ماء دافئ لمدة زمنية تختلف باختلاف صلابته ، فالنوع القاسي جدا كالحجر يفضل تكسيره قطعا صغيرة جدا ونقعه من الليل لضمان سرعة الذوبان .

المرس ( الفرك ) : يفرك الجميد المنقوع باليد داخل " المنصب " الفخاري أو " اللقان " حتى يصبح سائلا كثيفا متجانسا ، ثم يصفى المريس ويضاف إلى مرق اللحم المغلي ليضفي عليه الدسامة والنكهة الاستثنائية .

سيدة الموائد : طبخات تعتمد على الجميد

إذا كان " المنسف " هو سيد الموائد الذي لا يكتمل إلا بالجميد ، فإن الذاكرة المطبخية الأردنية تزخر بأطباق أخرى تكتسب هويتها من هذه المادة الأساسية ، ومن أبرزها :

1 ) الجعاجيل ( الكعاكيل ) : وهي من أشهر المأكولات الشعبية في مدينة إربد وقراها ، تصنع من طحين القمح البلدي والعدس المسلوق والبقدونس والبيض ، وتضاف إليها الأعشاب البرية مثل " الجعدة " أو " اللوف " وبعض النكهات الخاصة . تعجن المكونات وتوضع كرات في اللبن المغلي ، وعندما " تطيش " أو تطفو الكرات على وجه اللبن ، يكون ذلك مؤشراً على نضجها واستوائها .

2 ) المريس بالزيت : وجبة تراثية في الشمال ، حيث تقوم سيدة البيت بمرس الجميد حتى يصبح شديد الكثافة ، ثم يوضع عليه قليل من زيت الزيتون الصافي ، ويؤكل بالخبز البلدي .

3 ) المقطعة : أكلة تراثية قديمة تصنع من العجين المقطع لقطع صغيرة ، يتم طبخها في لبن الجميد المغلي مع العدس وحوايج المنسف .

4 ) الشاكرية : طبق يعتمد على طبخ اللحم بمرق الجميد الكثيف واللبن ، ويقدم عادة مع الأرز .

5 ) مخشي الكوسا باللبن : كوسا صغيرة محشوة باللحم والصنوبر ومطبوخة بصلصة لبن الجميد الساخنة .

6 ) الفول الأخضر باللبن : أكلة موسمية يتم فيها طبخ الفول الطازج بصلصة لبن الجميد ، وتقدم مع الأرز أو خبز الشراك .

7 ) الرشوف : أكلة شتوية تعتمد على الجميد واللبن ، يطبخ مع الجريش والعدس الحب والبصل والسمن البلدي .

8 ) المجللة : أكلة جنوبية وشمالية ، تعتمد على خبز " العويص " الذي يشرب بمرق الجميد والسمن البلدي .

9 ) آذان الشايب ( الشيشبرك ) : عجين محشو باللحم يطبخ في مرق الجميد الكثيف مع الثوم والكزبرة .

10 ) الكشك والعيش : أطباق ريفية أصيلة تعتمد على مزج الحبوب مع مرق الجميد لإنتاج وجبات غنية .

إن حكاية الجميد ، أو " الهقط " و " الكثي " كما يسميه الأجداد ، هي حكاية الصمود والبركة ، بدأت من خيمة في البادية وبيت حجر في الريف ، لتصل اليوم إلى العالمية كأيقونة فريدة تعكس عبقرية الإنسان في تطويع بيئته والحفاظ على موروثه الذي أقره نبي الهدى صلى الله عليه وسلم .

قائمة المصادر والمراجع

  1. الأبحاث التاريخية حول " الأقط " في المخطوطات العربية ودوره في الأمن الغذائي .
  2. صحيح البخاري ومسلم ، باب ما أكل النبي صلى الله عليه وسلم من الأقط والسمن .
  3. سجلات التراث الثقافي غير المادي للمطبخ الأردني ، وزارة الثقافة .
  4. روايات شفوية ومقابلات ميدانية مع منتجي الجميد في محافظة إربد ، نيسان 2026 م .
  5. دراسات أنثروبولوجية حول مصطلحات " الزعمطة " و " الطلي " في اللهجات الحورانية .
  6. المائدة العجلونية ( أنواعها وأدواتها ) ، دراسة في التراث الثقافي الأردني ، آذار 2026 م .
  7. الموسوعة الحديثية ، شروح الأحاديث المتعلقة بزكاة الفطر والأقط .
  8. الأبحاث العلمية حول القيمة الغذائية للجميد المنتج من حليب الأغنام العواسي .
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.