مع تباشير الصيف واقتراب حصاد القمح، وتحديداً في أواخر شهر نيسان وبداية أيار من كل عام، ترتدي سهول الشمال الأردني حلةً جديدة، حيث تمتزج رائحة ” الشياط ” بعبق الأرض، لتعيد للأذهان مشهداً تراثياً عريقاً هو موسم ” الفريكة “. هذا الموسم الذي لا يعد مجرد نشاط زراعي، بل هو طقسٌ اجتماعي وجيوسياسي يربط الإنسان بثرى أجداده، ويحول سنابل القمح الخضراء إلى ذرات ذهبية تملأ البيوت خيراً وبركة.
موسم " الفريكة " يعيد الدفء لسهول الشمال الأردني
رحلة الذهب الأخضر من الحقل إلى المائدة
مع تباشير الصيف واقتراب حصاد القمح، وتحديداً في أواخر شهر نيسان وبداية أيار من كل عام، ترتدي سهول الشمال الأردني حلةً جديدة، حيث تمتزج رائحة " الشياط " بعبق الأرض، لتعيد للأذهان مشهداً تراثياً عريقاً هو موسم " الفريكة “. هذا الموسم الذي لا يعد مجرد نشاط زراعي، بل هو طقسٌ اجتماعي وجيوسياسي يربط الإنسان بثرى أجداده، ويحول سنابل القمح الخضراء إلى ذرات ذهبية تملأ البيوت خيراً وبركة.
الذهب الأخضر: طقوس الحصاد وفن الشي:
يبدأ الموسم عندما تكون حبات القمح في مرحلة " اللبون " ( أي قبل الجفاف التام ) ، حيث تكون خضراء طرية وممتلئة بنكهة الحليب. هنا، تنشط سواعد المزارعين في سهول إربد وحوران والرمثا ومادبا وغيرها، لتبدأ عملية حصد السنابل يدوياً بواسطة " المنجل “. تليها المرحلة الأكثر إثارة وهي " التحميص " أو حرق السنابل فوق الحطب، وهي العملية التي تُعرف محلياً بـ " شحبار الفريكة “. يتم ذلك بحرفية عالية تضمن نضج الحبة وتخلصها من " السفا " دون احتراق القلب، مما يمنحها تلك النكهة المدخنة الفريدة التي تميز " الفريكة الحورانية" عن غيرها.
مدرسة التكافل والجهد الجماعي (العونة):
ما يميز موسم الفريكة في الشمال هو روح " العونة " التاريخية. فلا تجد مزارعاً وحيداً، بل تجتمع العائلات والجيران في مجموعات عمل متناغمة. وبينما يتولى الرجال عملية الشي والتقليب وسط النيران الملتهبة، تنشط النسوة في عمليات " الفرك " و " الدراس " و " التذرية " لفصل الحبوب عن القشور، وصولاً إلى مرحلة التجفيف تحت شمس الربيع الدافئة. هذا المشهد يجسد أسمى معاني التراث الثقافي غير المادي الذي اشتهرت به قرى الشمال الأردني، حيث يتحول التعب إلى أهازيج شعبية " تراويد" تملأ السهول.
التقنيات التراثية: من " البيادر " إلى " الجوارش “:
لا تقتصر العملية على الحرق فقط، بل تتبعها مراحل فنية دقيقة لضمان الجودة:
- مرحلة التبريد والتنشيف: يتم فرد الفريكة المشوية على " البسط" الصوفية القديمة لضمان فقدان الرطوبة دون تلف.
- مرحلة الجرش: قديماً كانت تُستخدم " الطواحين الحجرية " اليدوية (الرحى)، أما اليوم فتُستخدم الجوارش الحديثة التي تحافظ على ملمس الحبة الخشن، وهو المطلب الأساسي لإتقان " طبخة الفريكة “.
- التخزين الاستراتيجي: كانت الفريكة تُخزن في " الخوابي " الفخارية أو أكياس الخيش لضمان بقاء رائحة التدخين " الشياط " فواحة فيها طوال العام.
التفاصيل الفنية لعملية " التذرية " و " الغربلة “:
بعد عملية الحرق والفرك، تأتي مرحلة " التذرية " التي تعتمد على هبوب الرياح الشمالية والغربية الخفيفة، حيث تُلقى الحبوب في الهواء ليتطاير ما تبقى من القشور المحترقة (القصل) وتبقى الحبة الخضراء المشوية. ثم تخضع لعملية " الغربلة " باستخدام غرابيل مخصصة ذات ثقوب متفاوتة الأحجام لتنقية الفريكة من الشوائب والحصى ، لضمان نقاء المنتج النهائي قبل وصوله إلى مرحلة الجرش والطهي.
القيمة الاقتصادية والغذائية للمنتج المحلي:
تعتبر الفريكة الحورانية " مخزوناً استراتيجياً " للبيوت الريفية (المونة) ، وهي من أكثر الحبوب غنى بالقيم الغذائية، حيث تحتوي على أربعة أضعاف الألياف الموجودة في الأرز البني، وتتميز بمؤشر جلايسيمي منخفض. اقتصادياً، يساهم هذا الموسم في تنشيط الحركة التجارية في أسواق إربد بشكل خاص واسواق الاردن بشكل عام، حيث يتهافت الاهالي والمغتربون والسياح على شراء الفريكة البلدية الموثوقة، لما لها من سمعة عالمية تخطت حدود الوطن.
من الحقل إلى المائدة: هوية وطنية عابرة للحدود:
تتجاوز الفريكة كونها مادة غذائية ، فهي جزء أصيل من الهوية المطبخية في الأردن وبلاد الشام . فبعد الانتهاء من تجفيفها وجرشها ، تصبح هي " سيدة المائدة " في المناسبات الكبرى والولائم، سواء قُدمت كشوربة شهية تفتتح بها الموائد، أو طُبخت " مفلفلة " مع اللحم والدجاج البلدي والمكسرات. ويعد طبق الفريكة عنواناً للكرم الأردني الأصيل، وصنفاً غذائياً فائق الجودة غنياً بالألياف والبروتينات، مما جعلها تنافس عالمياً كمنتج طبيعي " أورجانيك " فريد.
إن موسم الفريكة في شمالنا الحبيب، وفي سهول حوران وإربد المعطاءة، وفي بلداتنا العريقة الممتدة في أرجاء محافظة إربد ، هو رسالة وفاء للأرض ، وحكاية عشق تبدأ بسنبلة خضراء وتنتهي بمنتج وطني عالمي الجودة. إنه الموسم الذي يعيدنا في كل عام إلى جذورنا، ويذكرنا بأن الأرض التي تُسقى بعرق الجبين، لا تنبت إلا عزاً وفخراً.
معرض الصور
قائمة المصادر والمراجع:
- سجلات التراث الثقافي الأردني غير المادي ، وزارة الثقافة الأردنية.
- جولات ميدانية وتوثيق حي لموسم الفريكة لعام 2026 م في سهول إربد والرمثا.
- روايات شفوية ومقابلات مع مزارعين من بلدات متعددة في محافظة إربد حول طقوس الحصاد والشي.
- الأبحاث الزراعية حول " القمح الحوراني " وقيمته الغذائية والاقتصادية في المشرق العربي.
- دراسات ميدانية حول تقنيات التذرية والغربلة اليدوية في ريف الشمال الأردني.
- مقالات وتقارير صحفية منشورة حول " الفريكة الحورانية " وأهميتها في الحفاظ على الهوية المطبخية الأردنية.
فيديو من الموسم
كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.