في سيرة الحضارات ، ثمة مواد عابرة للحدود لم تكن مجرد سلع تجارية ، بل كانت سفيرة للثقافة وجسراً للتواصل الإنساني . ومن بين هذه المواد ، يبرز ” الشاي ” ؛ ذلك المشروب الساحر الذي تغلغل في وجدان الإنسان العربي ، ليتحول من ” عقار صيدلاني ” في كتب الأقدمين إلى ” أيقونة ضيافة ” في المجالس الأردنية ، مزاحماً القهوة السمراء في هيبتها ، ومشاركاً إياها في رسم ملامح الكرم العربي الأصيل
هندسة المذاق وعراقة المآثر: رحلة " الشاي " من مدونات الأقدمين إلى " أباريق " الأردنيين
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
في سيرة الحضارات ، ثمة مواد عابرة للحدود لم تكن مجرد سلع تجارية ، بل كانت سفيرة للثقافة وجسراً للتواصل الإنساني . ومن بين هذه المواد ، يبرز " الشاي " ؛ ذلك المشروب الساحر الذي تغلغل في وجدان الإنسان العربي ، ليتحول من " عقار صيدلاني " في كتب الأقدمين إلى " أيقونة ضيافة " في المجالس الأردنية ، مزاحماً القهوة السمراء في هيبتها ، ومشاركاً إياها في رسم ملامح الكرم العربي الأصيل .
أولاً : الشاي في التراث العربي ... كشفٌ جغرافي ووصفٌ طبي :
لم يكن العرب ببعيدين عن منابع الشاي في الشرق الأقصى ، إذ تشير المدونات التاريخية إلى أنهم كانوا أول من نقله إلى الفكر الجغرافي العالمي :
سليمان التاجر او التاجر سليمان السيرافي ( القرن الـ 3 هـ / 9 م ) : يُعتبر أول من عرّف العرب بالشاي في كتابه " أخبار الصين والهند " ( سنة 237 هـ ) ، واصفاً إياه بـ " السّاخ " ، ومؤكداً أن الصينيين يتخذونه شراباً مقدساً يُغلى بالماء ، ويُباع بأسعار مرتفعة لفوائده التي لا تُحصى .
أبو الريحان البيروني ( القرن الـ 5 هـ / 11 م ) : في سفره الخالد " الصيدنة في الطب " ، قدّم البيروني دراسة وصفية للشاي ، مصنفاً إياه كـ " عقار " يُجلب من بلاد الصين إلى جرجان ، وموضحاً أن تأثيره الطبي يكمن في تنبيه النفس وتطهير البدن ، مما جعله في تلك العصور مادة " نخبوية " تُقتنى من حوانيت العطارين لا من الأسواق العامة .
ثانياً : التحول الاجتماعي ... من " العقار " إلى " النديم " :
بقي الشاي لقرونٍ حبيس الأدراج الطبية ، حتى بدأ بالانتشار كمشروب اجتماعي في المنطقة العربية مع نهايات القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر . ففي المغرب العربي ، دخل عبر الهدايا السلطانية ، بينما في الحجاز والشام ، كان لـ " طريق الحج " الأثر الأكبر ، حيث نقل الحجاج الآسيويون ثقافة السماور ( وعاء معدني تقليدي لغلي الماء وتحضير الشاي ، يعتمد على خزان ماء يتوسطه أنبوب للفحم المشتعل ) وغلي الأوراق ، ليصبح الشاي رفيقاً للمقاهي واللقاءات الشعبية .
ثالثاً : الشاي في الأردن ... سيرة وطن في إبريق :
- المرحلة العثمانية المتأخرة ( 1880 - 1900 م ) : ظهر الشاي في حواضر الأردن ( السلط ، إربد ، والكرك ، وغيرها ) كسلعة نادرة تليق ببيوت " الباشوات " والوجهاء ، وكان يُستورد عبر تجار القوافل من الشام والقدس .
- أثر سكة حديد الحجاز ( 1908 م ) : كانت المحطات الممتدة من " المفرق " شمالاً إلى " معان " جنوباً هي البوابات الحقيقية لدخول الشاي إلى عمق البادية والريف . فقد سهّل القطار نقل " صناديق الشاي " الخشبية ، مما جعله متاحاً لطبقات أوسع من المجتمع الأردني .
- عصر الإمارة ( 1921 م وما بعدها ) : مع استقرار الدولة ، تكرّس الشاي كجزء من الهوية اليومية . وهنا تجلت العبقرية الأردنية في هذا توطين ( تكييف ) المشروب ، فامتزج بمذاق " الميرمية " الجبلية ، و " النعناع " البلدي ، ليصبح " الشاي بالميرمية " علامة مسجلة للضيافة في ريف الأردن ، وبات " إبريق الشاي " وتحديدا الابريق المعدني الزرق ذو الصناعة الرومانية الذي يغلي على الحطب رفيق الرعاة والفلاحين في حقول القمح وكروم العنب والتين و الزيتون .
وهكذا ، لم يعد الشاي في الأردن مجرد ورقات تُغلى ، بل غدا ذاكرة حية تروي قصة التكيف والامتزاج بين الموروث الوافد والأرض الطيبة . لقد استطاع هذا المشروب أن يحجز لنفسه مكاناً في وجداننا ، محاطاً بعبق " الميرمية والنعناع " وكرم " المضافات " ، ليظل إبريق الشاي المتربع على الجمر شاهداً أصيلاً على دفء الاجتماع وعمق الهوية الأردنية .
معرض الصور
المصادر والمراجع :
لإعداد هذا البحث ، تم الاستناد إلى أمهات الكتب والمصادر التاريخية المعاصرة :
- أخبار الصين والهند - سليمان التاجر ( تحقيق : جان سوفاجيه ) .
- كتاب الصيدنة في الطب - أبو الريحان البيروني ( تحقيق : عباس زرياب ) .
- تاريخ الأردن في القرن العشرين - مراجع متنوعة تتناول الحياة الاجتماعية والاقتصادية في عهد الإمارة .
- سجلات محكمة السلط الشرعية وبقايا الوثائق التجارية ( التي توثق حركة السلع في أواخر العهد العثماني ) .
- رحلات بوركهارت في بلاد الشام - لويس بوركهارت ( لوصف أنماط المعيشة والضيافة ) .
- تاريخ سكة حديد الحجاز - دراسات توثيقية حول أثر الخط الحديدي في التبادل التجاري .
الكاتب قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.
التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.