في سيرة الحضارات ، ثمة مواد لم تكن مجرد سلع تجارية ، بل كانت سفيرة للثقافة وجسراً للتواصل الإنساني . ومن بين هذه المواد ، يبرز ” البن ” ؛ ذلك المشروب الساحر الذي تغلغل في وجدان العربي ، ليتحول من ” خمر للصالحين ” في كتب الأقدمين إلى ” أيقونة ضيافة ” في المضافات الأردنية ، مرسخاً دساتير غير مكتوبة للكرم الأصيل .

قراءة تاريخية في الذاكرة الاجتماعية ودستور الضيافة الأردنية

سلطانة المجالس ودستور الضيافة: سيرة القهوة من أديرة المتصوفة إلى مضافات الأردنيين

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

في سيرة الحضارات ، ثمة مواد لم تكن مجرد سلع تجارية ، بل كانت سفيرة للثقافة وجسراً للتواصل الإنساني . ومن بين هذه المواد ، يبرز " البن " ؛ ذلك المشروب الساحر الذي تغلغل في وجدان العربي ، ليتحول من " خمر للصالحين " في كتب الأقدمين إلى " أيقونة ضيافة " في المضافات الأردنية ، مرسخاً دساتير غير مكتوبة للكرم الأصيل .

القهوة في الذاكرة الأردنية

أولاً : أسطورة النشأة ورحلة الحبة السمراء عبر التاريخ :

تشير المصادر التاريخية إلى أن اسم القهوة مأخوذ من كلمة ( Caffa ) ، وهي قرية في الحبشة حيث كانت أشجار القهوة تنبت حولها . ومن المؤكد أن أصل القهوة من اليمن ، ثم انتقلت إلى الحبشة وإلى بلاد فارس . ويرجع تاريخها إلى زمن بعيد ، حيث يُحكى أن أعرابياً كان يرعى غنمه ، ولاحظ ذات يوم نشاطاً غير عادي على غنمه ، وظل يراقبها حتى عرف أنها تأكل من ثمار شجرة دائمة الخضرة .

قرر الراعي أن يتناول هو الآخر من هذه الثمار ، فإذا به يشعر بنشاط زائد وحيوية ، فنشر قصته حتى شاعت معرفة شجرة البن . وقد أطلق عليها " خمر الصالحين " ؛ إذ كان يشربها مجموعة من المتصوفين بقصد السهر للقراءة والذكر . ومن اليمن ، انتقلت القهوة إلى سيلان ( سريلانكا ) عبر التجار ، ومن ثم إلى البرازيل ، لتبدأ رحلتها الكونية .

ثانياً : عبق التاريخ في الأردن .. من دروب القوافل إلى مقاهي الحواضر :

لم تكن القهوة في الأردن مجرد بضاعة وافدة ، بل كانت شاهداً على تحولات المجتمع الجوهرية :

  1. دروب القوافل والبادية : دخلت القهوة عبر القوافل القادمة من الجزيرة العربية واليمن ( المركز الرئيسي للبن آنذاك ) ، واستقرت في الثقافة البدوية والريفية كرمز للكرم والضيافة . وارتبطت بأدوات تراثية مثل " المحماسة " التي تحمص البن و " المهباش " الذي يطحنه ، حيث كان صوته نداءً معنوياً للترحيب بالضيف .
  2. مرحلة الحواضر ( عمان وإربد ) : شهد مطلع القرن العشرين انتشار المقاهي كملتقيات ثقافية . وفي عمان ، برزت أسماء تاريخية مأججة بالريادة مثل عائلة الشربجي ( 1940 م ) ، و بن ازحيمان الذي نقل خبرة القدس عام 1921 م إلى عمان في الخمسينيات ، إضافة إلى أسماء مثل الفيومي والبدوي ، وصولاً إلى بن العميد .
  3. إربد ... ذاكرة الكمال : تعد بدايات القهوة في إربد جزءاً أصيلاً من التراث ، حيث برز " مقهى الكمال " الذي أسسه خليف التل عام 1936 م كأهم المعالم التاريخية . المقهى الذي انتقل لموقعه الحالي عام 1941 م ، كان مركزاً للمشاورات السياسية والاجتماعية ومقصداً للنخبة والطلاب ، حيث كان الرواد يقضون ساعات وسط رائحة البن والهيل التي تعبق في زوايا المدينة القديمة .

ثالثاً : لغة الفناجيل ( الفناجين ) ... دستور القيم والتحالفات العسكرية :

القهوة في ديوان العرب بروتوكول يحمل دلالات عميقة ، وتُقسم الفناجين فيها إلى خمسة أنواع رئيسة :

  1. فنجـان الهـيف : يحتسيه المضيف قبل الضيوف . قديماً : ليأمن الضيف من السم . حديثاً : ليختبر المضيف جودة وصلاحية القهوة .
  2. فنجـان الضـيف : وهو واجب الضيافة الأول ، وكان الضيف مجبراً على شربه إلا في حالات العداوة أو وجود " طلب " صعب ، فلا يشربه إلا بعد وعد بالتلبية من المضيف .
  3. فنجـان الكـيف : يُقدم لتعديل مزاج الضيف والاستمتاع بالطعم ، ولا يضير المضيف إن لم يشربه الضيف .
  4. فنجـان السـيف : وهو الأخطر ؛ فمن يحتسيه يلتزم بالدفاع عن المضيف في السراء والضراء ، ويصبح شريكه في الحرب والسلم ، وهو بمثابة عقد تحالف عسكري وميثاق أمني .
  5. فنجان الفارس : يُرفع لمن يتطوع لأخذ حق القبيلة أو ثأرها من شخص معين ، ومن يشربه يلتزم بإنجاز المهمة أو يواجه الخزي والعار بين أفراد قبيلته .

رابعاً : القهوة في ميزان العلم والطب :

تتجاوز القهوة كونها مشروباً اجتماعياً لتصبح مادة علمية غنية بالفوائد والمحاذير :

الوصف والمواد الفعالة : شجرة دائمة الخضرة تحتوي بذورها على " الكافيين " ، وحامض " التريجونيلين " ، و " التانين " القابضة .

الفوائد الطبية : منشط للقلب والجهاز العصبي ، مدر للبول ، ومضاد للأكسدة يفوق في قدرته فيتامين E . كما تُستخدم القهوة غير المحمصة لعلاج الإسهال ، وتزيل مادة " الكافيول " رائحة الثوم والبصل من الفم .

المحاذير والمضار : يُمنع شربها على الريق لتفادي قرحة المعدة ( بسبب حامض النيكوتنيك ) . ويؤدي الإفراط فيها إلى القلق ، الأرق ، رجفان اليدين ، رفع الكوليسترول ، وهشاشة العظام . كما تُمنع عن الحوامل ، الأطفال ، ومرضى ضغط الدم والقلب .

تظل القهوة في الوجدان الأردني أكثر من مجرد ترفٍ للمذاق ، فهي لسان حال الكرم ، ودستور العادات الذي لم ينضب عبقه عبر السنين . ومن " مهباش " البادية وصوت دقاته الرزينة ، إلى مقاهي عمان وإربد العتيقة ، ستبقى هذه الحبة السمراء شاهدةً على أصالة المورد وعمق الهوية ، وجسراً يربط ماضينا العريق بحاضرنا المتجدد ، لتظل مضافاتنا دوماً عامرةً برائحة الهيل ودفء اللقاء .

المصادر والمراجع:

  1. عمدة الصفوة في حل القهوة - الشيخ عبد القادر الجزيري .
  2. مؤسسة إرث الأردن ( Jordan Heritage ) - أبحاث القهوة وقواعد الضيافة .
  3. تاريخ مدينة إربد ( مذكرات الرواد ) - وثائق متعلقة بمقهى الكمال وتاريخ خليف التل .
  4. وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) - تقارير تاريخ القهوة وتطورها .
  5. جريدة الرأي الأردنية - مقالات حول تاريخ تجارة البن في عمان القديمة .
  6. اندبندنت عربية - تقارير حول تاريخ القهوة والمهباش في البادية .
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.