في عدد نادر من جريدة (القبلة)، الصحيفة الرسمية لثورة الأشراف في الحجاز، يختبئ خبر صغير بين السطور يحمل في طياته تحولاً هندسياً وسياسياً عميقاً. فمن (مجلس الوكلاء) في مكة المكرمة، وبـ (إرادة سنية) ملكية، صدر قرار بدا (تجميلياً) في ظاهره، لكنه رسم الملامح البصرية للهوية القومية العربية لقرن كامل

من الذاكرة الوطنية الأردنية

هندسة الراية القومية: القصة الخفية وراء تغيير ترتيب ألوان علم الحجاز ، بين وضوح الرؤية والشرعية السياسية والرمزية العلية للهاشميين

بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

وثيقة بلاغ رسمي

نص لبلاغ رسمي
تبديل ألوان (الراية) العلم عام 1922 م:

نص البلاغ:

تغيير في راية الحجاز

نشرت جريدة (القبلة) بلاغاً رسمياً

جاء فيه:

بما أن اللون الابيض كان وضعه في

العلم العربي الهاشمي بأسفله ولا يرى

بسبب ذلك على الوجه المطلوب فقد قرر

مجلس الوكلاء وصدرت الارادة السنية

بتبديله على الشكل الآتي

جعل الابيض وسطاً والأخضر في

محل الابيض والاسود في محله كما كان

بصفته الأصلية.

تبديل ألوان علم الحجاز

تحليل النص:

في عدد نادر من جريدة (القبلة)، الصحيفة الرسمية لثورة الأشراف في الحجاز، يختبئ خبر صغير بين السطور يحمل في طياته تحولاً هندسياً وسياسياً عميقاً. فمن (مجلس الوكلاء) في مكة المكرمة، وبـ (إرادة سنية) ملكية، صدر قرار بدا (تجميلياً) في ظاهره، لكنه رسم الملامح البصرية للهوية القومية العربية لقرن كامل.

بينما كانت نيران الثورة العربية الكبرى تستعر ضد الحكم العثماني، كانت هناك، في أزقة مكة المكرمة، معركة أخرى تخاض على جبهة (الرموز السياسية). فلم يكن الشريف الحسين بن علي، قائد الثورة، يسعى فقط لتحرير الأرض، بل لبناء (هوية بصريّة) لدولة عربية موحدة تطمح للسيادة والشرعية التاريخية.

وفي وثيقة تاريخية حصلت عليها، أجد بلاغا (إعلانا) رسمياً بعنوان (تغيير في راية الحجاز) ، يكشف عن قصة شيقة ومحورية في تاريخ علم الثورة العربية (المعروف اليوم بأنه أساس علم الأردن وفلسطين والعديد من الدول العربية).

المشكلة: (الأبيض) في القاع لا يراه أحد:

حتى لحظة صدور هذا المرسوم الملكي (بين عامي 1917-1920 م تقريباً) ، كان التصميم الأصلي للعلم العربي الهاشمي مختلفاً عما نعرفه اليوم. كان يتكون من ثلاثة خطوط أفقية: الأخضر في الأعلى، الأسود في الوسط، والأبيض في الأسفل، مع مثلث أحمر عنّابي عند السارية.

لكن، المشكلة التي طرحها البلاغ الرسمي المنشور في (القبلة) كانت (عملية) / (Practical) بامتياز. حيث ذكر النص:

"بما أن اللون الأبيض كان وضعه في العلم العربي الهاشمي بأسفله ولا يرى بسبب ذلك على الوجه المطلوب .... "

يبدو أن قرب الخط الأبيض من الأرض - حيث كان يرفرف على الساريات الحربية وفي معسكرات الثوار - جعله يتسخ بسهولة، أو يختلط بالتراب والغبار في منطقة الحجاز الصحراوية، مما أفقده وضوحه الرمزي وقدرته على (الرؤية) في المناسبات الرسمية وعلى ساريات القصور.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن وضع اللون الأبيض في الأسفل كان يجعله يغيب عن نظر الشخص الرائي، خاصة عندما يكون بعيداً، حيث يتداخل مع الأفق والبيئة المحيطة، مما يجعله أقل وضوحاً وتمييزاً في الميدان.

القرار: هندسة تاريخية لشرعية سياسية:

أمام هذه (العقبة البصرية)، لم تتردد حكومة الحجاز الوليدة في اتخاذ قرار حاسم. حيث ذكر النص أن (مجلس الوكلاء) قرر، وبـ (إرادة سنية) ملكية، تبديل الترتيب.

وهنا تبرز أهمية فهم هذه المصطلحات في سياقها التاريخي. فـ (مجلس الوكلاء) في ذلك الوقت كان يمثل السلطة التنفيذية العليا في حكومة مملكة الحجاز الهاشمية، وكان كل عضو فيه (وكيلاً) عن دائرة حكومية (مثل وكيل الخارجية، وكيل الحربية، وكيل المالية، ووكيل الداخلية)، أي أنه يتولى إدارة هذا القطاع بالوكالة عن الملك. ويظهر النص أن هذا المجلس كان له دور محوري في دراسة مشكلة العلم، ورفع توصية التعديل للملك للمصادقة النهائية.

أما (الإرادة السنية)، فهي المصادقة النهائية الملكية. ويعني هذا المصطلح القانوني والسياسي، والذي يرجع أصله إلى النظم الإدارية العثمانية، المرسوم الملكي أو الأمر السلطاني النافذ. إنها الأداة القانونية التي يُعلن بها الحاكم (الذي هو صاحب السلطة المطلقة) عن قراره النهائي، ليصبح قانوناً يجب تنفيذه. وعلى الرغم من أن النص صدر بعد بدء الثورة ضد العثمانيين، إلا أن دولة الحجاز الناشئة استمرت في استخدام بعض المصطلحات الإدارية العثمانية لشرعنه قراراتها وتنظيم شؤونها، قبل أن تستبدلها بمصطلحات أخرى لاحقاً.

"جعل الأبيض وسطاً والأخضر في محل الأبيض والأسود في محله كما كان بصفته الأصلية"

بهذه الكلمات البسيطة، وُلد الترتيب الشهير الذي نعرفه اليوم لـ (علم الثورة العربية الكبرى) : الأسود في الأعلى، الأبيض في الوسط، والأخضر في الأسفل، مع بقاء المثلث الأحمر.

ما وراء (التجميل): الرمزية السياسية للهرم الرمزي:

ورغم أن الدافع الرسمي المذكور كان (عملياً)، إلا أن المحللين التاريخيين لا يمكنهم إغفال الأبعاد (السياسية) لهذا التغيير. فالألوان الأربعة كانت ترمز إلى خلافات إسلامية متعاقبة: الأسود (للعباسيين)، والأبيض (للأمويين)، والأخضر (للفاطميين / راية ال البيت)، والأحمر (للهاشميين / القرشيين).

نقل اللون الأبيض (الأموي) إلى الوسط، ووضع الأسود (العباسي) في الأعلى، قد يكون خطوة متعمدة لترتيب (الهرم الرمزي) للعلم بطريقة تتوافق مع (التاريخ الرسمي) الذي كانت حكومة الحجاز تحاول تأسيسه. فالدولة الهاشمية في الحجاز كانت تطمح لتمثيل (الشرعية العربية الإسلامية الشاملة) ، وتصوير نفسها كوارث شرعي لهذه الحضارات المتعاقبة، فكان ترتيب الرموز يعكس ترتيب (الأولويات الرمزية) للدولة الجديدة.

التبعات: لمستقبل الأعلام العربية:

  1. الميلاد الحقيقي للنموذج الأقوى: هذا التعديل أوجد (المعيار الذهبي) للأعلام العربية القومية ، والذي تبناه معظم حركات القومية العربية لاحقاً.
  2. استمرارية الرمز: عندما تأسست إمارة شرق الأردن (المملكة الأردنية الهاشمية لاحقاً) والمملكة العراقية ، تبنتا هذا النموذج المعدّل (الأسود-الأبيض-الأخضر) مع تعديلات طفيفة (كإضافة نجوم). وعلم الأردن وعلم فلسطين هما اليوم الأقرب لهذا النموذج التأسيسي.
  3. انتشار الألوان: الألوان الأربعة ذاتها (الأسود، الأبيض، الأحمر، الأخضر) أصبحت (الألوان القومية العربية) ، وهي ترفرف اليوم على أعلام دول عديدة مثل مصر، سوريا، العراق، اليمن، ليبيا، السودان، الإمارات، والكويت.

إن قصة (اللون الأبيض) في مكة المكرمة هي قصة (تأثير الفراشة) التاريخية. إنها تكشف لنا كيف أن قراراً إدارياً بسيطاً بدا (عملياً)، قد يكون نابعاً من رموز سياسية عميقة، وكيف أن (الوضوح البصري) لعلم ما، قد يرسم بوضوح أكبر للهوية الوطنية القومية لأمم بأكملها.

الراية العربية الهاشمية

المصادر والمراجع:

  1. جريدة (القبلة) / مكة المكرمة. العدد (لم تذكر المكتبة الوطنية الأردنية رقم للعدد وتاريخ الصدور)
  2. مذكراتي / الملك عبد الله بن الحسين. المطبعة الرحمانية، القاهرة، 1945 م.
  3. الثورة العربية الكبرى: أمين سعيد. دار العلم للملايين / بيروت، 1963 م.
  4. تاريخ الأردن في القرن العشرين: سليمان الموسى. مطبعة القوات المسلحة الأردنية / عمان، 1959 م.
  5. الأعلام العربية: نشأتها وتطورها: صبحي غوشة. مطابع الجمعية العلمية الملكية / عمان.
  6. وثائق الثورة العربية الكبرى / جمع وتنسيق أحمد التل. المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية / عمان .
  7. موقع عمادة البحث العلمي والابتكار / الجامعة الأردنية / عمان (للوصول لصور الأعداد القديمة من جريدة القبلة)
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.