تُمثل دراسة الموازين والمكاييل في تاريخ الأردن مدخلاً جوهرياً لفهم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد في مرحلة الانتقال من العصور المملوكية والعثمانية وصولاً إلى عهد الإمارة والنهضة الحديثة . ولم تكن هذه المنظومة مجرد أرقام حسابية صماء ، بل كانت جزءاً حياً من النسيج الاجتماعي، حيث استندت إلى وحدات قياسية ثابتة تعارف عليها المجتمع لضمان العدالة والبركة في البيادر والأسواق، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمقاييس الإسلامية القديمة التي حددها الفقهاء لضبط الحقوق والواجبات الشرعية
الأوزان والمقاييس المحلية في الأردن: دراسة تاريخية للمكاييل التقليدية والأنظمة الشرعية
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
تُمثل دراسة الموازين والمكاييل في تاريخ الأردن مدخلاً جوهرياً لفهم التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها البلاد في مرحلة الانتقال من العصور المملوكية والعثمانية وصولاً إلى عهد الإمارة والنهضة الحديثة . ولم تكن هذه المنظومة مجرد أرقام حسابية صماء ، بل كانت جزءاً حياً من النسيج الاجتماعي، حيث استندت إلى وحدات قياسية ثابتة تعارف عليها المجتمع لضمان العدالة والبركة في البيادر والأسواق، وهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمقاييس الإسلامية القديمة التي حددها الفقهاء لضبط الحقوق والواجبات الشرعية.
موازين الغلال ... لغة البيادر وقصة الصمود:
اعتمد المجتمع الزراعي الأردني ، وخاصة في مناطق حوران وشمال الأردن والبلقاء وغيرها ، نظاماً دقيقاً لكيل المحاصيل الإستراتيجية كالقمح والشعير . كانت هذه الوحدات تُصنع غالباً من الخشب القوي المدعم بإطارات حديدية لضمان ديمومتها وثبات سعتها ، وتتدرج وفق التفصيل الآتي :
- الثمنية والربعية : تُمثل الثمنية أصغر الوحدات وتزن 2.5 كغم تقريباً ، بينما تعادل الربعية ثمنيتين بوزن 5 كغم .
- الصاع والمد : يُقدر الصاع بـ 10 كغم من القمح ، وهو يعادل نصف مد ، في حين يتربع " المد " على عرش المكاييل الأردنية التقليدية بوزن قدره 20 كغم ، وهو المقياس الذي كان يُعتمد لتقدير إنتاج الدونم الواحد ( 1000 متر مربع ) من الأرض .
- الفردة والغرارة : تُمثل الفردة الكيس الذي يُحمل على الدابة بوزن تقريبي يصل إلى 100 كغم ( أي ما يعادل 5 أمداد ) ، أما الغرارة فهي المكيال الضخم الذي شاع استخدامه في العصور التاريخية وتزن 1600 كغم ( ما يعادل 80 مداً ) .
- القنطار : وهو وحدة وزن كبرى استُخدمت في تجارة زيت الزيتون والجميد ، ويختلف تقديره قليلاً ، فبينما استقر في بعض العرف على 250 كغم ، فإنه يعادل في مناطق أخرى 100 رطل ( قرابة 50 كغم في الشمال ) .
المقارنة بالأنظمة الإسلامية والمقادير الشرعية :
ارتبطت المكاييل المحلية وثيقاً بالأحكام الفقهية لضمان صحة العبادات :
المد النبوي : هو ملء كفي الرجل المتوسط ، وقد قدّره الفقهاء بنحو 600 غرام ( أو 510 غرامات في بعض المذاهب ) ، بينما المد الأردني ( مكيال الغلال ) أضخم بكثير ويصل إلى 20 كغم .
الصاع النبوي : هو أربعة أمداد نبوية ، ويُقدر بـ 2.5 كغم تقريباً ، وهو ما يتطابق في الوزن مع وحدة " الثمنية " المستخدمة في القرى الأردنية قديماً .
زكاة الفطر والكفارات : تُقدر زكاة الفطر بصاع نبوي واحد ، وهو ما يفسر حرص الفلاحين على اقتناء " الثمنية " القانونية لإخراج الزكاة بدقة .
موازين السوائل والمساحات والقياسات النوعية :
تنوعت أدوات القياس لتشمل السوائل والأطوال والمساحات بأسماء وأوزان تختلف باختلاف المادة :
- في الزيوت والسوائل : شاع استخدام " تنكة الزيت " ( 18 لتراً ) ، و " كيل الزيتون " ( 30 رطلاً ) ، و " قلة الزيت " ( 13 رطلاً ) .
- في المساحات : يبرز " الدونم " ( 1000 متر مربع ) ، و " الهكتار " ( 10000 متر مربع ) ، و " الفدان " ( 4200 متر مربع في مصر ) ، و " القصبة " ( 24.25 متر مربع ) .
- قياسات تاريخية : استُخدم " الذراع " و " حبات القمح " لقياس الأطوال ( مثل قياس القدم في صناعة الأحذية ) ، حيث كان الدرهم يعادل 60 حبة قمح أو شعير .
- وحدات الوزن الصغيرة : مثل " الأوقية " التي تزن 200 غرام تقريباً في العرف المحلي ، و " الرطل " الذي يعادل 1.2 كغم تقريباً في مناطق الشمال ، بينما " الوقة " تعادل 1.25 كغم .
القبّان والأختام الرسمية .. رقابة تاريخية صارمة :
لم تكن عملية الكيل والوزن تخلو من الرقابة ، فقد استُخدم " القبّان " وهو الميزان التقليدي ذو الكفتين لضبط أوزان السلع الثقيلة . وتوثق الذاكرة التاريخية وجود مكاييل قانونية ( خشبية وحديدية ) تعود للأربعينيات من القرن العشرين في شرق الأردن ، كانت تُختم بختم مصلحة الموازين والدمغة ، وتحمل رموزاً مثل " م ق " اختصاراً لـ " مكيال قانوني " ، مما يعكس عمق التنظيم الإداري للدولة الأردنية في تلك الحقبة .
أدبيات الكيل ... التيمّن بالواحد الأحد :
رافقت عملية الكيل نصوص تراثية وأدعية تعكس الإيمان العميق ، حيث كان المكيّل يبدأ بالبسملة ، ويقول عند الصاع الأول : " الله واحد " ، وعند الثاني : " يا الله الأماني " ، وصولاً إلى الختام بطلب الستر والرضا ، لمنع الغش وتحقيق القناعة .
التحول التاريخي للمعيار المتري :
مع تطور مؤسسات الدولة ، صدرت قوانين وأنظمة حددت المعايير الرسمية ( الكيلوغرام ، المتر ، اللتر ) ، مما أدى إلى تراجع استخدام المد والصاع في المعاملات الرسمية وحلول النظام المتري الدولي محلها تحت رقابة " مؤسسة المواصفات والمقاييس الأردنية " .
معرض الصور
المصادر والمراجع المعتمدة :
- وزارة الثقافة الأردنية ، مديرية التراث الثقافي غير المادي ، قاعدة بيانات المكنز الوطني .
- وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) ، تقارير الموروث الشعبي والأوزان التقليدية .
- دار الإفتاء الأردنية ، أبحاث المقادير الشرعية والأوزان المعاصرة .
- الفريح ، علي أحمد العبدي ، الأوزان والمكاييل والمقاييس في محافظة عجلون .
- دائرة المكتبة الوطنية ، وثائق مصلحة الموازين والدمغة ( 1921 - 1946 م ) .
- المكنز الشعبي العربي ، دراسات المقاييس والمساحات في بلاد الشام .
- الأرشيف الوطني الأردني ، قوانين الموازين والمكاييل الرسمية .
الكاتب قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.