تعد الوثائق التاريخية الصماء ، في ظاهرها ، مستودعاً هائلاً للدلالات الاجتماعية والسياسية إذا ما أُخضعت لمبضع التحليل التاريخي الدقيق . ومن بين هذه الوثائق ، يبرز ” دليل الهاتف للمملكة الأردنية الهاشمية لعام 1946 م ” ، الصادر عن مطبعة الرائد بعمان ، كوثيقة تؤرخ لمرحلة مفصلية من تاريخ الدولة الأردنية ، وهي مرحلة التحول من الإمارة إلى المملكة المستقلة . إن هذا الدليل ليس مجرد أرقام للتواصل ، بل هو خارطة طبقية وإدارية واقتصادية تبرز ملامح الأردن في فجر استقلاله .

قراءة تاريخية توثيقية في بنية المجتمع الأردني لحظة الاستقلال

ذاكرة الهاتف في عام الاستقلال : قراءة في بنية المجتمع الأردني من خلال دليل عام 1946 م

بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبة

مقدمة :

تعد الوثائق التاريخية الصماء ، في ظاهرها ، مستودعاً هائلاً للدلالات الاجتماعية والسياسية إذا ما أُخضعت لمبضع التحليل التاريخي الدقيق . ومن بين هذه الوثائق ، يبرز " دليل الهاتف للمملكة الأردنية الهاشمية لعام 1946 م " ، الصادر عن مطبعة الرائد بعمان ، كوثيقة تؤرخ لمرحلة مفصلية من تاريخ الدولة الأردنية ، وهي مرحلة التحول من الإمارة إلى المملكة المستقلة . إن هذا الدليل ليس مجرد أرقام للتواصل ، بل هو خارطة طبقية وإدارية واقتصادية تبرز ملامح الأردن في فجر استقلاله .

دليل الهاتف الأردني لعام 1946

ملامح السيادة والإدارة الملكية والخدمية :

تتجلى في الصفحات الأولى للدليل مركزية الدولة وهيبة الحكم ، حيث خُصص مقسم " المقر الملكي العالي " ليكون النافذة الأولى للتواصل السيادي ، مع إشارات لافتة لواقع الخدمات :

  1. دلالة وجود " مأمور الكهرباء " بالرقم ( 8 ) : هذه الإشارة تؤكد أن عمان كانت مدينة مضاءة ومنظمة خدمياً ، حيث دخلت الكهرباء إلى العاصمة عام 1938 م تحت مظلة " شركة كهرباء عمان " لمالكها محمد علي بدير وشركاه ، وهو ما يعكس بدايات التحديث الحضري الذي قادته النخب الاقتصادية الوطنية آنذاك .
  2. المباعدة بين الأرقام السيادية ( 1 ، 2 ، 143 ) تعكس تسلسلاً بروتوكولياً في نظام المقسم اليدوي آنذاك ، حيث كانت الأرقام الفردية الأولى تُحجز تاريخياً لأعلى سلطة في الدولة .
  3. شمول الدليل لمسميات خدمية مثل " كراج السيارات الملكية " و " مأمور الكهرباء " ضمن المقسم العالي يشير إلى اكتفاء إداري وتنظيمي دقيق لمؤسسة العرش ، مما يسهل إدارة الشؤون اليومية للقصر بعيداً عن ضغط المقاسم العامة .

البعد الثقافي ودلالة " مطبعة الرائد " :

يكشف الغلاف الأول للدليل عن معلومة فنية وتاريخية هامة ، وهي قيام " مطبعة الرائد " في عمان بمهمة الطباعة ، ولذلك دلالات أعمق من مجرد الجانب الفني :

  1. انتشار المطابع في عمان : تولى مطبعة وطنية كـ " الرائد " لطباعة دليل رسمي بهذا الحجم يعكس نمو قطاع الطباعة والنشر في الأردن منذ وقت مبكر .
  2. مؤشر النهضة الثقافية والصحفية : يعد وجود مطابع مجهزة في الأربعينيات دليلاً قوياً على رواج حركة التأليف وطباعة الكتب ، وانتعاش الصحافة والجرائد التي كانت وسيلة التنوير الأساسية آنذاك ، مما يعطي مؤشراً واضحاً على مستوى الوعي والثقافة لدى المجتمع الأردني في تلك الحقبة .

الكادر الهندسي والتعليم العالي في الخارج :

يشير ذكر " مهندس النافعة " في الدليل إلى وجود نخب أردنية متخصصة في العلوم الهندسية ، ونستقرئ من ذلك ما يلي :

  1. غياب التعليم الجامعي المحلي : نظراً لعدم وجود جامعات داخل الأردن في ذلك الوقت ( حيث تأسست الجامعة الأردنية عام 1962 م ) ، فإن هؤلاء المهندسين المذكورين في الدليل كانوا من طلائع الحاصلين على شهادات الهندسة الذين تلقوا علومهم في الخارج .
  2. روافد التعليم والابتعاث : كانت الدراسة تتم إما عبر الابتعاث إلى أوروبا ، أو من خلال الجامعات في الحواضر العربية المجاورة التي كانت مراكز إشعاع علمي مثل ( جامعة دمشق ، جامعة القاهرة ، وجامعة بيروت العربية والجامعة الأمريكية في بيروت ) ، مما رفد الدولة بخبرات أكاديمية نوعية .

الهيكل الإداري والأمني للدولة :

يظهر الدليل نضوجاً كبيراً في التمايز الوظيفي للأجهزة الأمنية والعدلية والصحية ، وهو ما يعكس استقرار الدولة المؤسسي :

  1. المنظومة الأمنية المتخصصة : يبرز التقسيم الدقيق للمهام الأمنية من خلال وجود ( قوات الدرك ) التي كانت تشرف على الأمن الداخلي في المدن والأرياف والبوادي ، و ( قوة الحدود ) المناط بها حماية ثغور الدولة ومناطقها الحدودية .
  2. المؤسسات الإصلاحية والعدلية : يظهر جلياً شمول الهاتف لمرافق الدولة الأساسية مثل ( سجن إربد بالرقم 81 ) والمحاكم ودائرة الإجراء والتسجيل ، مما يدل على مأسسة العمل الجنائي والعدلي والفصل بين السلطات .
  3. دلالة مصطلح " النافعة " : ورد في دليل إربد هاتف " مهندس النافعة " ، ويقصد بهذا المصطلح تاريخياً " وزارة الأشغال العامة " ، وهي المسؤولة عن المشاريع الإنشائية والطرق والجسور .
  4. الخدمات الصحية والطبية : يبرز الدليل اهتمام الدولة بالجانب الصحي من خلال تخصيص أرقام لـ ( طبيب الحكومة ، مستشفى الحكومة ، والمستشفى الإيطالي في الكرك ) .

التحليل التقني لآلية الاتصال : دلالات الخانات :

إن وجود أرقام تتكون من خانة واحدة ، أو خانتين ، وصولاً إلى ثلاث خانات في عمان ، يقدم لنا مؤشرات تقنية واضحة :

  1. نظام المقسم اليدوي : كان الاتصال يتم عبر وسيط ( مأمور الهاتف ) ، لذا كانت الأرقام قصيرة لسهولة الحفظ والتداول السريع ، مما يجعل الهاتف أداة تواصل فورية بين أجهزة الدولة .
  2. السعة الهاتفية الجغرافية : تشير الأرقام المكونة من خانتين في المدن مثل إربد والكرك إلى محدودية قاعدة المشتركين وقصرها على النخبة الإدارية والتجارية ، بينما كانت القرى والبلدات الأصغر ترتبط برقم واحد مركزي .

إن دليل هاتف 1946 م يمثل " فوتوغرافاً " مكتوباً للأردن في لحظة الاستقلال . فهو يثبت أن الدولة الأردنية ، رغم إمكانياتها البسيطة آنذاك ، كانت تمتلك بنية مؤسسية وتنظيمية متطورة تليق بمملكة ناشئة . إن هذه الأرقام والأسماء هي شاهد حي على وفاء الأجيال ، وكما جاء في الإهداء المخطوط على غلاف الدليل ، فهي " ذكريات ثابتة للأردن الحبيب " ، تذكرنا بجذورنا الضاربة في عمق التاريخ وبدايات نهضتنا الحديثة .

قائمة المصادر والمراجع :

  1. دليل الهاتف للمملكة الأردنية الهاشمية ، مطبعة الرائد ، عمان ، 1946 م .
  2. السجلات الإدارية لبلديات إربد وعمان ( 1881 - 1946 م ) .
  3. الأرشيف الوطني الأردني : وثائق المنظومة الأمنية وقوة الحدود .
  4. تاريخ الوزارات الأردنية ( 1921 - 1946 م ) ، دراسات في تطور المسميات الإدارية ( النافعة نموذجاً ) .
  5. سجلات شركة كهرباء عمان ، دراسة في تاريخ الطاقة والنهضة العمرانية في العاصمة .
  6. المقابلات الشفوية والوثائق العائلية المحفوظة لدى الباحثين في التراث الأردني .

تمثل الصور صفحات من "دليل الهاتف للمملكة الأردنية الهاشمية لعام 1946":

الصورة الأولى: الغلاف

(ملاحظة: يوجد إهداء بخط اليد في أعلى الصفحة)

  • الدكتور هاشم ...
  • إهداء للذكريات الثابتة للأردن الحبيب
  • مع كل الاحترام
  • باسم سلطي
  • 27 / 9 / 1995
  • دليل الهاتف
  • للمملكة الأردنية الهاشمية
  • لعام 1946
  • مطبعة الرائد - عمان

الصورة الثانية: القصور الملكية العامرة

من يود التشرف بمحادثة حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم عليه أن يطلب أحد أرقام مقسم المقر الملكي العالي وهي:

  • 1، 2، 143، 306، 314
  • حضرة صاحبة الجلالة الملكة: 313
  • حضرة صاحب السمو الملكي الأمير طلال: 310
  • حضرة صاحبة السمو الملكي والدة الأمير نايف: 5 (من مقسم المقر العالي)
  • حضرة صاحب السمو الملكي الأمير نايف: 326
  • الدار البيضاء: 30
  • سمو الأمير زيد شاكر: 22
  • سمو الأمير ناصر جميل: 219

الصورة الثالثة: ديوان جلالة الملك

  • صاحب المعالي رئيس الديوان الهاشمي: 17 (من مقسم المقر العالي)
  • مساعد رئيس الديوان الهاشمي: 4 (من مقسم المقر العالي)
  • الأمين الأول لجلالة الملك: 22 (من مقسم المقر العالي)
  • رئيس التشريفات السنية: 18 (من مقسم المقر العالي)
  • الطبيب الخاص لجلالة الملك: 21 (من مقسم المقر العالي)
  • الكاتب الأول: 11 (من مقسم المقر العالي)
  • الكاتب الثاني: 527
  • المرافق الخاص لجلالة الملك: 23 (من مقسم المقر العالي)
  • قائد الحرس الملكي: 12 (من مقسم المقر العالي)
  • رئيس الإدارة: 10 (من مقسم المقر العالي)
  • مأمور الكهرباء: 8 (من مقسم المقر العالي)
  • الحرس الملكي: 12 (من مقسم المقر العالي)
  • كراج السيارات الملكية: 13 (من مقسم المقر العالي)

الصورة الرابعة: عمان - المشتركون

العمود الأول:

  • أحمد صدقي الجندي: 34
  • أحمد وعبد الماجد ملحس: 63
  • إدلبي وملص وبدير (مع فرع): 35
  • إدلبي وملص وبدير: 440
  • أديب أبو قوره وإخوانه (مع فرع): 584
  • أديب خلف الشحاتيت: 479
  • أديب وهبي: 102
  • اسفنديار بهمريدي: 514
  • إكسبرس حداد: 333
  • إلياس البخيت (فرعي): 416
  • إلياس المعشر (مع فرع): 100
  • إمامي وقربي: 381
  • إملي بشارات (الآنسة): 359
  • إميل دباس (مع فرع): 161
  • إميل قبيسي (مع فرع): 366
  • أمين أبو الشعر (مجلة الرائد): 558
  • أمين حوراني (مع فرع): 260
  • أنور مصطفى: 38

العمود الثاني:

  • إبراهيم الكردي: 400
  • إبراهيم الحاج مسعود: 297
  • إبراهيم سماوي: 593
  • إبراهيم عبد الرزاق - مطعم السرور: 36
  • إبراهيم عبد الستار: 344
  • إبراهيم منكو: 370
  • إبراهيم نزال: 145
  • إبراهيم هاشم باشا: 4
  • أبو الخير المفتي: 111
  • أبو النصر المفتي: 212
  • أبو الوفا الدجاني: 137
  • أبو صوان ونصار وحلواني: 573
  • أحمد السقاف (سماحة السيد): 325
  • أحمد بعجور وشركاه (مع فرع): 424
  • أحمد الظاهر: 484
  • أحمد النجار وأليكو أداميدس: 237

الصورة الخامسة: إربد

الدوائر الرسمية:

  • المقر العالي: 45
  • متصرف اللواء: 4 (المنزل: 5)
  • قائد المنطقة: 2 (المنزل: 64)
  • مساعد قائد المنطقة: 16 (المنزل: 49)
  • رئيس المحكمة: 25
  • طبيب الحكومة (مع فرع): 14
  • مستشفى الحكومة (مع فرع): 33
  • قائد الدرك: 11 (المنزل: 15)
  • المدعي العام: 13 (المنزل: 6)
  • مهندس النافعة: 32 (المنزل: 47)
  • المحاسب: 18
  • مأمور التسجيل: 21
  • مأمور الإجراء: 34
  • مأمور الزراعة: 38
  • المدرسة الثانوية: 40
  • لاسلكي الجيش العربي: 43
  • مخفر مراقب السير: 44
  • نادي الضباط: 48
  • مدير البريد: 10
  • رئيس البلدية (مع فرع): 26
  • الشرطة: 20
  • قوة الحدود: 46
  • سجن إربد: 81

المشتركون:

  • أحمد الأخرس: 72
  • أحمد الرجال: 50
  • أحمد محمد الخطيب: 63

الصورة السادسة: الكرك، القطرانة

تكملة مشتركي الكرك:

  • خليل الشلبي وإخوانه: 17
  • رشدي البري وأحمد الشعار: 38
  • زين الدين أبو فيلات: 33
  • شكري ديب: 36
  • شل - عيسى المدانات:
  • وكيل شل: 44
  • صالح الصناع: 40
  • صليبا فرح الصناع (مع فرع): 46
  • عبد الرحمن وأديب شنانه: 29
  • عبده ذباح الجمل (مع فرع): 14
  • عطا صبحا وأولاده (مع فرع): 16
  • عيد يعقوب أبو حامدة: 31
  • فرواتي إخوان: 10
  • كريم إسماعيل المجالي: 41
  • محمد الحباشنة (باشا): 43
  • محمد حسن الرشق: 23
  • ميخائيل مفضي الهلسة: 42
  • مستشفى الإيطالي: 24

القطرانة

الدوائر الرسمية:

  • مخفر القطرانة: 1

المشتركون:

  • حسين شموط: 7
  • صليبا الصناع: 9
قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة

الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.