على بيادر العز وفي مضافات الكرم، يظل الشماغ الأحمر المهدب بالبياض هو العنوان الأبرز للهوية الأردنية ، والتاج الذي يزين رؤوس الرجال ليحكي قصة شعب عشق الأرض والتاريخ . إن حرفة ” تهديب الشماغ ” ليست مجرد خيوط تُعقد ، بل هي ترانيم صبر تنسجها أنامل المرأة الأردنية المبدعة ، لتنقل لنا موروثاً ضارباً في القدم ، يفوح منه عطر الأصالة وعنفوان الشموخ الذي لا ينكسر .
حرفة تهديب الشماغ الأردني: ضفائر الصبر وأيقونة المجد والوفاء
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
على بيادر العز وفي مضافات الكرم، يظل الشماغ الأحمر المهدب بالبياض هو العنوان الأبرز للهوية الأردنية ، والتاج الذي يزين رؤوس الرجال ليحكي قصة شعب عشق الأرض والتاريخ . إن حرفة " تهديب الشماغ " ليست مجرد خيوط تُعقد ، بل هي ترانيم صبر تنسجها أنامل المرأة الأردنية المبدعة ، لتنقل لنا موروثاً ضارباً في القدم ، يفوح منه عطر الأصالة وعنفوان الشموخ الذي لا ينكسر .
الجذور التاريخية للباس الرأس في الأردن :
شكلت أغطية الرأس في الأردن عبر القرون رمزاً للوقار والانتماء ، وقد مرت بتحولات مفصلية تعكس التغيرات السياسية والاجتماعية ، وهي كالاتي :
- العصر العثماني ( 1516 - 1918 م ) : تنوعت الأغطية بناءً على الطبقة الاجتماعية ؛ فبينما كان " الطربوش " و " العمامة " سمة أعيان المدن ، كانت " الحطة " أو " الكوفية " هي اللباس التقليدي لسكان الريف والبادية لغايات عملية وجمالية .
- الحطة البيضاء ( الشوره ) : تُعد غطاء رأس تراثياً أصيلاً ، وكانت تعبر عن الوقار والوسطية ، حيث يرتديها شيوخ العشائر وكبار السن تقديراً لمكانتهم الاجتماعية .
الشماغ والجيش العربي الأردني :
مع تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 م ، وتشكل نواة الجيش العربي ، دخل الشماغ الأحمر مرحلة تاريخية جديدة حولته إلى " أيقونة عسكرية " ووطنية بامتياز :
- المكون الأساسي للهوية العسكرية : اعتمد الشماغ الأحمر المرقط بالبياض ليكون جزءاً رئيساً من لباس قوات البادية والجيش العربي . وقد اقترن الشماغ بالعقال الذي يزينه " شعار الجيش العربي " ، ليكون رمزاً للانتصارات والبطولات التي خاضها الجندي الأردني في الميادين .
- دلالة العنفوان والشهامة : خاض منتسبو الجيش العربي معاركهم وهم " متلثمون " بهذا الشماغ المهدب ، فكان شاهداً على ملاحم الكرامة والذود عن حياض الوطن . ومنذ ذلك الحين ، أصبح الشماغ المهدب يدوياً يمثل هيبة العسكر وعنفوان الرجال الذين يشمخون به في كل المحافل .
دلالات " عقد الشماغ " في المضافات وبيوت الشعر :
تُعد حركة " عقد طرف الشماغ " عند دخول مضافة الشيخ أو صاحب البيت من أرقى وأعمق الدلالات التراثية في القضاء العشائري الأردني ، وهي كالاتي :
- دلالة " الدخالة " وطلب الحماية : عندما يدخل الشخص ويقوم بعقد طرف شماغ صاحب البيت ( بيت الشعر او المضافة ) ، فإنه يعلن رمزياً أنه " دخيل " يطلب الحماية أو " الجيرة " من صاحب البيت .
- دلالة " طلب الجاهة " وإصلاح ذات البين : تُستخدم هذه الحركة عندما يأتي شخص بطلب صعب ، حيث يعقد طرف شماغه ويضعه أمام الشيخ ، كإشارة إلى أنه لن يفك هذه العقدة إلا بعد " قضاء حاجته " .
- الالتزام والعهد : العقدة هنا تمثل عهداً غليظاً يضعه الضيف في عنق المضيف ، وبالمقابل ، فإن قيام المضيف بفك العقدة بيده يعني الموافقة التامة .
فنون ارتداء الشماغ ودلالاتها الاجتماعية :
- لبسة الفرح والمناسبات الرسمية : يُلبس الشماغ وفوقه " العقال " بوقار ، مع إبراز " الهدب " المنسدل على الأكتاف .
- اللثام ( التلثم ) : يُستخدم في حالات الغبار والبرد ، أو كرمز للمقاومة والرجولة ، وأحياناً كدافع نفسي وعلاجي يشعر الشخص بالتعافي .
- قلب الشماغ ( لبس الشماغ بالمقلوب ) : وهي دلالة تراثية تُستخدم في أوقات الحزن الشديد ، أو عند المطالبة بـ " الثأر " ، وهي رسالة صامتة تعني أن الأوضاع ليست على ما يرام .
أسرار حرفة التهديب وأنماط الهدب :
تعتمد حرفة تهديب الشماغ اليدوي على الدقة المتناهية ، حيث تمر صناعة القطعة بمراحل فنية تبدأ بفتل الخيوط وعقدها بمهارة تسمى " التشريش " . وتتنوع الأنماط كالاتي :
- الهدب الملوكي : وهو النوع الأثقل والأكثر فخامة ، ويتميز بكثافة الخيوط المتدلية .
- الهدب الأميري : متوسط الكثافة ويجمع بين الأصالة والحداثة في المظهر .
- هدب البادية ( الخفيف ) : المفضل للاستخدام اليومي والعملي .
- هدب حبة الرمان او حبة الحمص او حبة الرز : نمط زخرفي يعكس ذوقاً فنياً رفيعاً ودقة في العقد اليدوية .
الاستدامة وتمكين المرأة :
تحولت هذه الحرفة بفضل رائدات مثل النشميات ( ثائرة عربيات ، مها عمايرة ، ونائلة العمري ) إلى قطاع إنتاجي يرفد الاقتصاد المنزلي . فالشماغ المهدب اليوم يرتديه الشباب في كافة المحافل ، ويرفعه المشجعون في المدرجات كحافز للفوز ورمز للصمود والارتباط بالجذور .
إن الشماغ المهدب سيظل دائماً " مرآة الروح الأردنية " وعنوان صمودها . ففي كل عقدة خيط تسكن حكاية وفاء ، وفي كل انحناءة " هدب " يبرق فخر الانتماء . هو الراية عند النصر ، وهو الملاذ عند الضيق ، وهو الأمانة التي نحملها على رؤوسنا بكل اعتزاز ، لتبقى الهوية الأردنية شامخة ، متجددة ، وعصية على النسيان .
معرض الصور
مواد مرئية توثيقية
الفيديو الأول
مشاهدة الفيديوالفيديو الثاني
مشاهدة الفيديوالفيديو الثالث
مشاهدة الفيديوالفيديو الرابع
مشاهدة الفيديوالفيديو الخامس
مشاهدة الفيديوقائمة المصادر والمراجع :
- جامعة الحسين بن طلال ، دراسات في التراث الشعبي الأردني وأغطية الرأس .
- مدونة التراث الثقافي غير المادي ، وزارة الثقافة الأردنية ، توثيق حرفة تهديب الشماغ .
- جريدة الغد الأردنية ، تقارير حول تاريخ اللباس التقليدي والسنع الأردني .
- الأرشيف الوطني الأردني ، وثائق تأسيس إمارة شرق الأردن ولباس الجيش العربي .
- وكالة جراسا الإخبارية ، مقالات حول الرمزية الوطنية والاجتماعية للشماغ .
- وثائق منصة ( تاريخ الأردن ) ، دراسات حول تطور غطاء الرأس في البادية والريف .
الكاتب قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.