في وسط مدينة إربد، ” عروس الشمال “، وحيث تتعانق الهوية الدينية مع المجد التاريخي، يقف المسجد الصلاحي (مسجد إربد الكبير) شامخاً كأحد أبرز المعالم التاريخية والأثرية في المملكة الأردنية الهاشمية. إن هذا المسجد ليس مجرد بناء من حجر بازلتي أصم ، بل هو ذاكرة حية تروي قصة إيمان أهل هذه البلاد، وتطور حواضرها منذ العصور الإسلامية الزاهرة وصولاً إلى العصر الهاشمي المبارك، ليظل قلباً نابضاً لمدينة إربد وتاريخها العريق.
المسجد الصلاحي (مسجد إربد الكبير): منارة الإيمان وعراقة البنيان من العهد الأيوبي إلى الرعاية الهاشمية
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
في وسط مدينة إربد، " عروس الشمال “، وحيث تتعانق الهوية الدينية مع المجد التاريخي، يقف المسجد الصلاحي (مسجد إربد الكبير) شامخاً كأحد أبرز المعالم التاريخية والأثرية في المملكة الأردنية الهاشمية. إن هذا المسجد ليس مجرد بناء من حجر بازلتي أصم ، بل هو ذاكرة حية تروي قصة إيمان أهل هذه البلاد، وتطور حواضرها منذ العصور الإسلامية الزاهرة وصولاً إلى العصر الهاشمي المبارك، ليظل قلباً نابضاً لمدينة إربد وتاريخها العريق.
الجذور التاريخية: لماذا سُمي بالمسجد " الصلاحي “؟
يعود تأسيس النواة الأولى للمسجد إلى العهد الأيوبي ، وتحديداً في أعقاب الانتصارات العظيمة التي حققها السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي وتحريره لبيت المقدس في معركة حطين عام 1187 م .
سبب التسمية : أُطلق عليه اسم " المسجد الصلاحي " تيمناً وتكريماً للسلطان صلاح الدين ، حيث كان من سياسته المتبعة في بلاد الشام ترميم المساجد القديمة وببناء مساجد جديدة و ذاك اتثبيت الهوية الإسلامية في المناطق الاستراتيجية .
الأهمية التاريخية : كانت إربد في ذلك العهد نقطة ارتكاز للجيوش الإسلامية ، لذا جاء بناء المسجد ليكون مركزاً روحياً واجتماعياً يجسد انتصار الروح الإسلامية وعودة السيادة على الأرض .
الوصف المعماري في العصرين الأيوبي والمملوكي :
كان المسجد في بداياته يجسد عبقرية العمارة العسكرية والدينية التي سادت في تلك الحقبة ، حيث تميز بالآتي :
الشكل والبناء : بُني المسجد على هيئة " المسجد الحصين " باستخدام الحجر البازلتي الأسود الصلب . كان يتخذ شكلاً مستطيلاً يضم صحناً مكشوفاً ( ساحة سماوية ) تحيط به الأروقة من جوانبه ، وهو النمط التقليدي للمساجد الجامعة في بلاد الشام .
المرافق التاريخية : كان المسجد يضم " بئراً " لتجميع مياه الأمطار داخل صحنه لسقاية المصلين والوضوء ، بالإضافة إلى غرف صغيرة ( خلاوي ) كانت تُستخدم لاعتكاف طلاب العلم والمجاورين .
العناصر الهندسية : تميز بـ " العقود المصلبة " الضخمة والأسقف القنطرية التي تحملها جدران سميكة جداً ، مما منحه هيبة معمارية وقدرة على الصمود لقرون .
عهد الملك المؤسس وتحول المسمى إلى " مسجد إربد الكبير " :
مع تأسيس إمارة شرق الأردن ، دخل المسجد مرحلة تاريخية حاسمة ارتبطت بالهوية الوطنية الجديدة للمدينة .
التسمية الرسمية : بدأ إطلاق مسمى " مسجد إربد الكبير " بشكل رسمي خلال عهد جلالة الملك المؤسس عبد الله الأول ابن الحسين " طيب الله ثراه " ، وتحديداً بالتزامن مع مشروع الإعمار الشامل الذي وجه به جلالته في عام 1358 هـ / 1939 م . فمع تحول إربد إلى حاضرة كبرى ، أصبح المسجد يُعرف بـ " الكبير " كونه الجامع الأقدم والمركز الديني الأول .
بناء المئذنة الشاهقة ( 1939 م ) : شهد هذا العام بناء مئذنة المسجد الشهيرة التي يزيد ارتفاعها عن 30 متراً ، بتصميمها الهندسي الفريد ، لتصبح علامة بصرية فارقة في سماء المدينة .
المحراب والعلم : أبرز الأئمة وحلقات الدراسة :
تناوب على إمامة المسجد والخطابة فيه كوكبة من كبار العلماء ، ومنهم العلامة الشيخ عارف التل ، والشيخ نوح القضاة ، والشيخ عبد الكريم الخصاونة ، والشيخ راشد غوانمة ، والشيخ صالح الشكعة ، والشيخ أحمد الجبوري . كما اشتهر المسجد بـ " الكتاتيب " وحلقات الذكر والوعظ التي جعلت منه جامعة شعبية ومرجعاً فقهياً لأهالي الشمال .
صرح حديث برعاية هاشمية : المرافق المعاصرة :
- قاعة المحاضرات والندوات : مجهزة للفعاليات الثقافية والدينية التي تعزز الفكر الوسطي .
- المكتبة الإسلامية : تضم أمهات الكتب والمصادر الفقهية والتاريخية لتكون مرجعاً للباحثين .
- مركز تحفيظ القرآن : لتعليم الأجيال الناشئة تلاوة وتجويد القرآن الكريم .
المحيط التراثي : إربد القديمة حول المسجد :
المسجد المملوكي ( الجامع الغربي ) : التوأم التاريخي للمسجد الكبير ، ويحافظ على طرازه المملوكي الأصلي .
دار السرايا : المبنى العثماني الشامخ الذي يضم اليوم متحف آثار إربد .
بيوت الرواد : مثل " بيت عرار " و " بيت النابلسي " و " بيت الشرايري " ، وهي منازل بازلتية تراثية تقع ضمن النطاق التاريخي للمسجد .
الأسواق القديمة : مثل سوق الصاغة وسوق الفحامين التي تعكس عبق التجارة القديمة .
يبقى المسجد الصلاحي ( مسجد إربد الكبير ) ، برعايته الهاشمية الكريمة وعراقة جذوره ، حارساً للقيم وشاهداً على إيمان أهل هذه المدينة . إن هذا الصرح العظيم سيظل يصدح بكلمة الحق ، يربط الماضي بالحاضر ، ويصون هوية الأمة وتاريخها للأجيال القادمة .
معرض الصور
قائمة المصادر والمراجع :
- وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية ، سجلات مديرية أوقاف إربد .
- دائرة الآثار العامة الأردنية ، السجل التاريخي للمساجد الأثرية .
- وثائق الأرشيف العثماني وسجلات قضاء إربد الإدارية لعام 1882 م .
- وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) ، تقارير الإعمار الهاشمي للمساجد والمقامات .
- دراسات تاريخية حول " إربد : المكان والإنسان " وتوثيق أعمال عام 1939 م .
الكاتب قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.