تتحدث المدن العريقة من خلال صروحها ، وفي إربد ” عروس الشمال ” ، يبرز ” تل إربد ” الأثري كشاهد عيان على تعاقب الحضارات . ومن فوق هذا التل ، تطل ” دار السرايا ” لتختزل تاريخاً طويلاً من التحولات السياسية والمعمارية . إنها حكاية صمود الحجر البازلتي الذي طوعته يد الإنسان ليتحول من حصن دفاعي أسسه القادة العظام ، إلى مركز لإدارة الدولة ، وصولاً إلى محرابٍ يصون الذاكرة الوطنية والجمال .
إمارة الحجر والسيادة: دار السرايا العثمانية من معقل للحكم إلى منارة للتراث
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
تتحدث المدن العريقة من خلال صروحها ، وفي إربد " عروس الشمال " ، يبرز " تل إربد " الأثري كشاهد عيان على تعاقب الحضارات . ومن فوق هذا التل ، تطل " دار السرايا " لتختزل تاريخاً طويلاً من التحولات السياسية والمعمارية . إنها حكاية صمود الحجر البازلتي الذي طوعته يد الإنسان ليتحول من حصن دفاعي أسسه القادة العظام ، إلى مركز لإدارة الدولة ، وصولاً إلى محرابٍ يصون الذاكرة الوطنية والجمال .
الجذور التاريخية وعلاقة سنان باشا " الصدر الأعظم " بالبناء :
لا يمكن الحديث عن نشأة هذا الصرح دون العودة إلى الجذور العسكرية والسياسية للدولة العثمانية ، حيث تُشير الوثائق والروايات التاريخية إلى أن اللبنة الأولى لهذا البناء كانت " قلعة " حصينة أمر بتشييدها سنان باشا ( 1506 م / 1596 م ) ، والذي كان يشغل أرفع منصب في الدولة وهو منصب " الصدر الأعظم " . ولم يكن هذا المنصب مجرد لقب شرفي ، بل كان الصدر الأعظم هو الرجل الثاني في الدولة بعد السلطان مباشرة (
الوظيفة المشابهة حالياً لهذا المنصب في الدولة العثمانية هي رئيس الوزراء ) ، ويحمل " الختم السلطاني " الذي يمنحه صلاحيات مطلقة في إدارة شؤون البلاد ، وقيادة الجيوش بصفته " السرعسكر " ، ورئاسة " الديوان الهمايوني " ( مجلس الوزراء ) ، وتعيين كبار الولاة والقضاة .
ومن منطلق هذه الصلاحيات الواسعة ، أشرف سنان باشا ( الذي تولى منصب الصدر الأعظم خمس مرات في عهد ثلاثة سلاطين ) على بناء هذه القلعة في إربد ليكون الهدف الأساسي منها هو تأمين " درب الحاج الشامي " وحماية خطوط المواصلات الحيوية بين دمشق والحجاز وفلسطين . لقد أراد سنان باشا من خلال هذا البناء فرض هيبة الدولة وتوفير نقطة إمداد حصينة وملاذ آمن للقوافل التجارية والمسافرين ، مما جعل القلعة نواةً للاستقرار الإداري الذي شهدته المنطقة .
عبقرية الموقع : لماذا تم اختيار " تل إربد " ؟
- الإشراف والسيطرة : يوفر التل رؤية بانورامية كاشفة لكافة السهول المحيطة بمدينة إربد ، مما يسهل مراقبة التحركات وتأمين القوافل .
- الحصانة الدفاعية : الارتفاع الشاهق للمبنى فوق التل يمنحه حماية طبيعية تجعل من الصعب اقتحامه أو محاصرته .
- الرمزية السياسية : بناء مقر الحكم في أعلى نقطة بالمدينة يرسل رسالة بصرية واضحة حول علو سلطة الدولة وهيمنتها .
التطورات المعمارية وهندسة البازلت :
مر البناء بتطورات إنشائية عديدة ، فبعد أن كان قلعة دفاعية في عهد سنان باشا ، شهد في أواخر القرن التاسع عشر ( عصر التنظيمات العثمانية ) توسعة كبرى ليتناسب مع دوره الجديد كمركز إداري ( سراي ) . يمتد المبنى اليوم على مساحة إجمالية تبلغ 1458 متراً مربعاً ، معتمداً في بنائه على " الحجر البازلتي الأسود " الصلب والحجر الجيري . يتألف من طابقين :
الطابق الأرضي : يتكون من 6 " عقدات " حجرية ( أقبية ) ، وصالة رئيسية ، و 10 غرف متنوعة ، بالإضافة إلى مستودع كبير .
الطابق العلوي : يشتمل على 14 غرفة بمساحات مختلفة ، كانت تُستخدم كمكاتب للحاكم الإداري ( القائمقام ) ، وقاعة للمجلس الإداري .
ويؤرخ النقش الحجري المثبت على واجهة المبنى لعام 1304 هـ / 1886 م ، وهو التاريخ الذي اكتمل فيه شكل المبنى النهائي كـ " سراي " حكومي رسمي .
السرايا في الذاكرة الشعبية : " حساب القرايا وحساب السرايا " :
ارتبط مبنى السرايا بالوجدان الشعبي في الريف الأردني ، وتحديداً في شمال المملكة ، من خلال المثل الشهير : " حساب القرايا ما طابق حساب السرايا " أو " حساب السرايا بيختلف عن حساب القرايا " . ويعكس هذا المثل الفجوة التي كانت قائمة بين واقع الفلاحين البسيط ( القرايا ) وبين القرارات الرسمية والضرائب والتقديرات الإدارية التي كانت تصدر من " السرايا " . فبينما كان الفلاح يحسب غلته بناءً على جهده وموسمه ، كانت السرايا تحسبها بناءً على دفاترها الرسمية وضرائبها ، وهو مثل يجسد هيبة هذا البناء في نظر العامة كونه مركز القرار والتقدير المالي والإداري الصارم .
أهم الأحداث التاريخية ومؤتمرات الحركات الوطنية :
- مؤتمر قم ( 1338 هـ / 1920 م ) : والذي يُعد من أهم المؤتمرات الوطنية في شمال الأردن ، حيث تداعى رجالات الحركة الوطنية في إربد وجوارها للتصدي للمخططات الاستعمارية ، وكانت السرايا وما حولها ساحة لنقاشات القوى الوطنية .
- مؤتمر إربد العام : الذي انعقد في قلب المدينة ومحيط مقرها الإداري ( السرايا ) للمطالبة بالاستقلال ورفض الانتداب ، وتشكيل الحكومات المحلية ( مثل حكومة إربد المحلية ) قبل تأسيس الإمارة .
- انطلاق الثورة العربية الكبرى عام 1334 هـ / 1916 م : كانت السرايا مركزاً لإدارة العمليات والتحركات في الشمال الأردني خلال تلك الفترة المفصلية .
- التحول الأمني : لعدة عقود في القرن العشرين ، ارتبط اسم السرايا بكونها المركز الأمني والسجن الرئيسي ( سجن إربد القديم ) .
رحلة الاستخدامات : من التأسيس لغاية الآن :
- العهد العثماني المبكر : استخدم كقلعة عسكرية وخان لتأمين الحجاج والقوافل التجارية .
- العهد العثماني المتأخر : تحول إلى " سراي " ( مقر الحاكم الإداري ) ومركزاً للشرطة والجند وجمع الضرائب .
- عهد الإمارة والمملكة : استمر المبنى كمركز أمني وإداري سيادي ، حيث استخدمته مديرية شرطة إربد ، واستُخدمت أجزاء منه كسجن مركزي .
- منذ عام 1414 هـ / 1994 م وحتى الآن : استملكت دائرة الآثار العامة المبنى ، وأجرت عليه عمليات ترميم دقيقة ، ليتحول رسمياً إلى " متحف دار السرايا الأثري " .
إن دار السرايا اليوم ، بأسوارها التي وضع أساسها الأول الصدر الأعظم سنان باشا ، ليست مجرد متحف يضم لقىً أثرية صامتة ، بل هي جسر يربط عراقة الماضي بتطلعات الحاضر . إنها تجسد انتصار الروح الثقافية ، حيث تحولت جدرانها التي كانت يوماً توصد على القيود إلى نوافذ تطل منها الأجيال على هويتها . ستبقى هذه السرايا ، بحجرها البازلتي الشامخ ، حارسةً لذاكرة إربد ، وأمانةً وطنية نُعلم من خلالها الأجيال أن السيادة الحقيقية هي التي تحمي التاريخ وتصون معالمه للأبد
معرض الصور
قائمة المصادر والمراجع :
- دائرة الآثار العامة الأردنية ، الموقع الرسمي ، التعريف بمتحف دار السرايا في إربد .
- وزارة السياحة والآثار الأردنية ، المنصة الإلكترونية ، بيانات موقع دار السرايا التاريخي .
- وكالة الأنباء الأردنية ( بترا ) ، تقارير دورية حول المواقع الأثرية والتراثية في محافظة إربد .
- وكالة الأناضول ، تقرير صحفي بعنوان " سرايا الحاكم العثماني بإربد الأردنية متحف وذاكرة بعمر القرون " .
- موسوعة ويكيبيديا الحرة ، مادة " متحف دار السرايا الأثري " .
- السجلات العثمانية ( الأرشيف العثماني ) ، قيود ونقوش المباني الإدارية في قضاء إربد لعام 1304 هـ / 1886 م .
الكاتب قيصر غرايبة
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.