تكشف وثيقتان تاريخيتان نادرتان عن فصول مجهولة من معاناة الآباء الأردنيين في منتصف القرن العشرين لتأمين مستقبل أبنائهم التعليمي، هي قصة المرحوم الحاج رشيد محمود الغرايبة (أبو غالب)، من بلدة حوارة، الذي خاض معركة إدارية مريرة امتدت لأربع سنوات مع دائرة البريد، دفاعاً عن حق ابنه، المرحوم الدكتور حسن الغرايبة، في إكمال دراسته بكلية الزراعة بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً).
"عشرة جنيهات" ضائعة في بريد إربد: قصة كفاح الحاج رشيد الغرايبة لتعليم نجله في مصر (1949 - 1953 م)
بقلم: الأستاذ قيصر صالح الغرايبة
تكشف وثيقتان تاريخيتان نادرتان عن فصول مجهولة من معاناة الآباء الأردنيين في منتصف القرن العشرين لتأمين مستقبل أبنائهم التعليمي، هي قصة المرحوم الحاج رشيد محمود الغرايبة (أبو غالب)، من بلدة حوارة، الذي خاض معركة إدارية مريرة امتدت لأربع سنوات مع دائرة البريد، دفاعاً عن حق ابنه، المرحوم الدكتور حسن الغرايبة، في إكمال دراسته بكلية الزراعة بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حالياً).
الحوالة رقم (446): بداية الكابوس
في شباط من عام (1949) م، وأثناء تولي دولة المرحوم توفيق أبو الهدى رئاسة الوزراء، أودع الحاج رشيد مبلغ (عشرة جنيهات مصرية) في بريد إربد كحوالة مسجلة تحت الرقم (446)، لتمويل دراسة ابنه ومصاريفه. كان هذا المبلغ يمثل شريان الحياة لولده المغترب في قاهرة الأربعينيات، التي كانت تعيش حينها ظروفاً دقيقة تلت حرب عام 1948 م. إلا أن هذه الحوالة لم تصل لوجهتها، لتبدأ رحلة مضنية من المراجعات التي لم تسفر إلا عن وعود جوفاء وردود متناقضة من دائرة البريد.
بيروقراطية عابرة للحكومات
تُظهر الاستدعاءات الرسمية أن المرحوم الحاج رشيد لم يكلّ من المطالبة بحقه ، ففي حزيران 1949 م قدم استفساراً رسمياً لم يلقَ جواباً. ومع تعاقب الحكومات في الأردن، من دولة سعيد المفتي وصولاً إلى دولة سمير الرفاعي (الجد) ، بقي ملف الحوالة عالقاً في أروقة "بريد إربد “.
في نيسان 1952 م، سُجل استفسار جديد تحت الرقم (2004) ، وتكرر الأمر في شباط 1953 م دون أي استجابة تذكر، مما دفع المرحوم “أبو غالب" لتصعيد الأمر باستدعاء مباشر إلى دولة رئيس الوزراء، الذي يُرجح أنه كان المرحوم فوزي الملقي (أول رئيس حكومة في عهد جلالة الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه) ، شاكياً التأخير المتعمد والفساد الإداري الذي كاد أن يعصف بمستقبل ابنه الأكاديمي.
خلفية الزمان والمكان: حوارة والقاهرة
بينما كان المرحوم الحاج رشيد يصارع البيروقراطية في الأردن ، كان ابنه حسن يعيش في مصر التي كانت تموج بالتحولات في أواخر الأربعينيات المتأثرة بظروف الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى ثورة يوليو 1952 م وما تبعها من انفتاح اجتماعي وتغير في نمط الحياة، كان الطالب الأردني يشهد ولادة مصر الجديدة، بينما يترقب والده في حوارة وصول أي رد رسمي يطفئ نار قلقه.
دلالات تاريخية وتحليلية
إن قصة المرحوم الحاج رشيد محمود الغرايبة ليست مجرد مأساة والد يسعى لتمويل تعليم ابنه، بل هي وثيقة اجتماعية تكشف عن:
- عصامية الآباء الأردنيين: حرصهم على الاستثمار في التعليم العالي رغم شح الموارد وصعوبة الإجراءات الإدارية في تلك الحقبة.
- العمق الثقافي : اختيار جامعة فؤاد الأول يعكس قوة الروابط التعليمية بين الأردن ومصر والسمعة الأكاديمية المرموقة لجامعة القاهرة آنذاك.
- الوعي القانوني: لجوء المواطن الأردني إلى مخاطبة رئاسة الوزراء يعكس إيماناً مبكراً بالنزاهة والشفافية في العمل الحكومي وضرورة حماية الحقوق.
المصادر والمراجع
- وثيقتان تاريخيتان (استدعاءات رسمية) مقدمة من الحاج رشيد محمود الغرايبة لدولة رئيس الوزراء (1953) م.
- أرشيف الدكتور زكريا غالب الغرايبة (وثائق وصور تاريخية)
- السجلات التاريخية لدائرة بريد إربد - قيود الحوالات الصادرة (1949) م.
- الروايات الشفوية المتواترة من عائلة الغرايبة حول المسيرة الأكاديمية للمرحوم الدكتور حسن الغرايبة.
- الأرشيف التاريخي لرؤساء الوزارات في المملكة الأردنية الهاشمية (1947 - 1956) م.
- الأستاذ قيصر صالح الغرايبة (صاحب المقال)، ما يحفظه في ذاكرته كما سمعها من الآباء والأجداد.
الكاتب قيصر غرايبة – كاتب مهتم بالتاريخ والجغرافيا والذاكرة المحلية، يقدّم قراءة أدبية ومعرفية للمكان الأردني من خلال ربط الأرض بالإنسان، والذاكرة الاجتماعية بالوعي الوطني والحضاري.

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.