يؤكد المقال أن مفهوم العزل لا وجود له في النبوة التي هي اصطفاء إلهي تكليفي ، وما يبدو توقفاً في مسيرة الأنبياء إنما هي محطات تربوية وابتلائية تنتهي برحمة الله وتغيير الحال إلى الأفضل .
هل عُزل الأنبياء والرسل ؟ ... قراءة في دلالات الابتلاء وتوقف الرسالات
بقلم : الأستاذ قيصر صالح الغرايبه
مفهوم العزل بين الواقع البشري والاصطفاء الإلهي
في الفكر الإنساني والأنظمة الإدارية البشرية ، يرتبط مفهوم ( العزل ) أو ( الإقالة ) دائماً بالتقصير الوظيفي ، أو فشل المسؤول في أداء مهامه ، أو سحب الثقة عنه لأسباب موضوعية . غير أن هذا المفهوم يفقد معناه تماماً حين يُساق إلى سياق الأنبياء والرسل في العقيدة الإسلامية ، فالنبوة ليست منصباً وظيفياً يخضع للتنافس أو الإقالة ، بل هي اصطفاء إلهي تكليفي لا يُنزع عمن اختاره الله لحكمة بالغة .
ومع ذلك ، إذا تأملنا السير النبوية والقصص القرآني ، سنجد محطات تاريخية وإيمانية واجه فيها بعض أولي العزم والأنبياء أشكالاً من ( التوقف المؤقت ) للرسالة ، أو الابتعاد القسري عن الأقوام ، أو حتى سلب الملك والسلطان الدنيوي لفترة اختبار . فما هي حقيقة تلك المحطات ؟ وكيف يمكن قراءتها وترتيبها تدريجياً لبيان الحكمة الإلهية منها ؟
أولاً : صور الانعزال الشخصي والابتلاءات المؤقتة في مسيرة الأنبياء
تُظهر نصوص السيرة والقرآن الكريم أن بعض الأنبياء مروا بظروف أدت إلى انقطاع مؤقت في مسار دعوتهم المباشرة أو حياتهم الشخصية ، وتتضح هذه النماذج الدلالية وفق التسلسل التالي :
1 ) سيدنا يونس عليه السلام : حين غاضب قومه وتركهم دون إذن إلهي مسبق بالرحيل ، فوقع في الابتلاء المعروف وانعزل في بطن الحوت ، في تأديب إلهي مؤقت لمغادرة مكان الدعوة قبل أوانها ، حتى إذا تاب وأناب غفر الله له وأعاده إلى رسالته .
2 ) سيدنا يوسف عليه السلام : أُبعد عن والده وأُلقي في الجب ، ثم بيع عبداً وانعزل في السجن لسنوات طويلة بعيداً عن أي دور دعوي مباشر ، ثم خرج منها لاحقاً ليصبح عزيز مصر .
3 ) سيدنا أيوب عليه السلام : شمل ابتلاؤه فقدان المال والأهل والصحة ، فانعزل بالمرض وتوقف دوره الاجتماعي ومكانته لفترة طويلة حتى ضرب به المثل في الصبر ، ليأتي الفرج الإلهي ويعوضه الله بأضعاف ثروته وأهله .
4 ) سيدنا موسى عليه السلام : عُزل في الصندوق ورمي في نهر النيل طفلاً ، ثم أنجاه الله ليتربى في قصر فرعون .
5 ) أصحاب الكهف : انعزلوا في الكهف فراراً بدينهم فحماهم الله من أعدائهم .
6 ) سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام : انعزل في الغار للتعبد والتفكر ، فأنزل الله عليه جبريل بالوحي لتنطلق رسالة الإسلام الكبرى .
ثانياً : سلب الملك والسلطان المؤقت كابتلاء رفيع
إلى جانب الانعزال الشخصي ، واجه بعض الأنبياء امتحانات تتعلق بسلب السلطة أو الملك الدنيوي لفترة اختبار رباني :
ثالثاً : نهاية الرسالات بالعقوبة الاستئصالية للأقوام
في مقابل الابتلاءات الشخصية والانعزامات المؤقتة ، هناك نوع آخر من ( توقف الرسالة ) ارتبط بنهاية العلاقة بين النبي وقومه ؛ وذلك عندما يبلغ العناد البشري ذروته وينتفي أي أمل في الاستجابة ، فتتدخل الإرادة الإلهية بالعقوبة الاستئصالية وفق الآتي :
رابعاً : النتائج المباركة والعِبر المستفادة
من خلال استعراض هذه المحطات المتسلسلة ، يتضح بجلاء أن كل قصص الانعزال والابتلاء قد انتهت برحمة من الله سبحانه وتعالى وبتغيير الحال إلى الأفضل .
وعزل العالم أو ابتلاؤه بإذن الله سيعقبه خير من الله وفرج لأمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فتفاءلوا بالخير ، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يعجبه الفأل الحسن ) .
خامساً : الانطباع العام والدلالات الكبرى
إن استعراض هذه المحطات يكشف بوضوح تام أن ما يظهر في قصص الأنبياء على أنه ( توقف ) أو ( إبعاد ) لم يكن قط عزلاً إدارياً أو سحباً للأهلية النبوية ، بل كانت تلك المراحل محطات تربوية وابتلائية كبرى ، تُرفع بها درجاتهم ، وتمهد لتمكين رسالاتهم ، وتؤكد في الوقت ذاته عصمتهم المطلقة ونقاء اصطفائهم الإلهي عن أي خلل في تبليغ الوحي .
قائمة المصادر والمراجع
- قائمة المصادر والمراجع
- 1 ) القرآن الكريم ( الآيات الخاصة بقصص الأنبياء : يونس ، يوسف ، سليمان ، أيوب ، موسى ، أصحاب الكهف ، محمد ، نوح ، هود ، صالح ، وشعيب عليهم السلام ) .
- 2 ) تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ، الحافظ إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي .
- 3 ) تاريخ الرسل والملوك ( تاريخ الطبري ) ، الإمام محمد بن جرير الطبري .
- 4 ) قصص الأنبياء ، الإمام الحافظ عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير .
- 5 ) البداية والنهاية ، الحافظ ابن كثير الدمشقي .
- 6 ) موقع إسلام ويب ( مركز الفتوى ) : فتوى رقم ( 336709 م ) بعنوان : ( رسالة الأنبياء السابقين وأصحابهم ورسالة محمد وأصحابه ) .
- 7 ) موقع العتبة الحسينية المقدسة : مقال بقلم الشيخ علاء محسن السعيدي بعنوان : ( منهج الاعتزال في مسيرة الأنبياء ) .

التعليقات (٠)
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.
أضِف تعليقًا
لن يُنشر تعليقك إلا بعد موافقة الكاتب. لن يظهر بريدك الإلكتروني للعامة.